الحوار المتمدن - موبايل



دلالات اللون في مجموعة الشاعرة منور ملا حسون (مرافئ ضبابية)

محمد حسين الداغستاني

2016 / 2 / 19
الادب والفن


" إن اللون موضوع معقد , وهو لا يؤثر في قدرتنا على التمييز بين الأشياء فقط , بل ويغيّر من مزاجنا وأحاسيسنا , ويؤثر في تفضيلاتنا وخبراتنا الجمالية بشسكل يكاد يفوق تأثير أي ُبعــد ٍآخر يعتمد حاسة البصر أو أية حا سة ٍ أخرى "
قاسم حسين صالح / سايكولوجية إدراك اللون والشكل


منذ عصور ٍ بعيدة ومنها عصر الحضارات الفرعونية كانت الألوان قد هيمنت على طقوس الإنسان القديم وعباداته ، كما حفل الشعر العربي القديم بها وبملامحها الجمالية أيضا ، لقدرتها البصرية واللاشعورية المذهلة على المتلقي . فاللون كان ولا يزال يمتلك دفقا ساحراً يمدّ النص بطاقة مضافة ومميزة وذات مدلولات متغيرة وآسرة ، وبه إغتنى الشعر الحديث لما له من إيحاءات مبهمة خاصة بعد أن رسخت المعتقدات الدينية إرتباطه بمفاهيم الخصب والتجدد ، لذا جاءت قصائد بدر شاكر السياب ونزارالقباني ونازك الملائكة وعبدالوهاب البياتي وغيرهم حافلة بالألوان التي أضحت ملازمة للموجودات والوقائع ، ومعبرة عن رموز مهمة أضافت لأبداعاتهم الشعرية أبعاداً سايكولوجية وجمالية رفيعة ومؤثرة .

يذهب عبدالقاهر الجرجاني وهو شاعر وأديب ونحوي وعالم في علوم القرآن (1009 – 1078 م ) في كتابه (أسرار البلاغة) إلى أن إستخدام اللون في التصوير والتشبيه يتطلب مهارة تدل على إبداع الشاعر ، ومما يزداد به التشبيه دقة وسحراً أن يجئ في الهيئات التي تقع عليها الحركات حيث تقترن بغيرها من الأوصاف كالشكل واللون ونحوهما . وتشير الرمزية اللونية إلى استخدام الألوان بوصفها رمزًا في جميع الثقافات. كما ويشير علم النفس اللوني إلى تأثير اللون على المشاعر والسلوك البشري .

إنطلاقاً من هذا الفهم إستوقفتني مجموعة الشاعرة منور ملا حسون (*) الموسومة (مرافئ ضبابية) منذ زمن إذ كتبت عنها مقالا مقتضبا نشرته في مجلة الهلال حينذاك ، لكن هتافا داخليا كان يحثني على العودة إليها ، للفرادة التي حققتها المجموعة في مسار الشعر الحديث في كركوك فيما يتعلق بتعامل نصوصها مع فضاء اللون والأخضر بالذات ، هذا اللون الذي له علاقة مباشرة بمفاهيم الخصب والسلام ونداوة الحياة ، والذي هو من أكثر الألوان وضوحا وإستقراراً في دلالاته الرمزية .

لقد أنحت منّور الشاعرة الرومانسية الحالمة , كعاشقة ندية ، مُنحا ً فريداً عبر هذه المجموعة وأسرفت في إستخداماتها اللونية لتلوين الطبيعة والأشياء والمشاعر، وإنحازت تماماً الى لون العشـب النابت في ربيـع مدينتها على إمتداد حافـات القلعـة وجنبات حوض النـارالأزلية , لتحيل كل المساحات الممهورة بالنبـض والتألق الى إخضرار ملفـت للنظر , عبـر نصوص مجموعتها, سـواء ً بعفوية منبثقة كعيـن الماء أحياناً , أو بقصد مسبق في أغلـب الأحيان , لتحقيق رؤى تضطرم بها شرايينها !

وواضحٌ تماماً أن اللون لدى الشاعرة لا يمثل إحساسـاً عبثيا ً لتزويق المفردة يمكن تجاهله أو طرحه جانبا ً , إنما اللون والأخضر بعينه يدخل في هيكليـة وبنـاء النص ليمنحه صور استعارية ودلالة نفسية واعـدة , ويحيل التناغم الهاديء فيه الى أداء فريد , لجلاء الطقس العام حول الحـدث الذي تتناوله بدراية مسبقة , بـل أن الأخضر ينبع من الشعور ليستحيل الى كينونة لا مفر منها , وإلاّ كيف نفسـرإسباغها صفة الأخضر على الجزر , والمطر ، والهلال ؟ :

لأجلك َ أبحث عن جـزر خضراء ,
تضللها أزهارالقرنفـل البيضـاء
في مجاهـل ٍ يهطل عليها مطـر اخضـر
لك ... لأجلك أريد أن أصطاد هلالا ً أخضراً .

إن منور تذهب بثقة نحو التآلف بين موجودات الكون وتوظف العلاقة الكونية المتينة بين القمر الذي هو خامس أكبر الأجرام السماوية وبين الماء الذي يتخذ في النص شكل جزر خضراء أو أومجاهل يهطل فيها مطر أخضر ، أو أزهار قرنفل بيضاء ، في خلطة تعبيرية عن المشاعر السامية التي تمور في ذات الإنسان ، فتكتمل عبر مزجها للألوان ، الصورة المتخيلة في ذهنها في سياقٍ عميق يقود الى تعميق أواصر الصلة بين الفكر والعاطفة لتحقيق ذروة عاطفية تكتمل في فضاء الشعر .

وتعود منّور فعلاً الى لعبتها الأثيرة في محاولة المزج بين الألوان ، وتنث على قارئها عطرها السخي كالمزنة المطيرة مكونة بانوراما مزدانة بأجمل المفردات والصور لتحيل وقعها الى أشبه بموسيقى عازف ماهر يبدع لحناً مرصعاً برؤى نقية وتأثير نافذ عميق ، فتحيك شبكة من العلاقات الواسعة ، وخلطة صورية متناقضة في مظهرها ومتجانسة في طبيعتها ما بين الربيع الأخضر وسواد الدوران والمرافئ والأفق الأزرق وغيمة الأحزان الرمادية وبين بسمة موناليزا في لوحة دافنتشي الخالدة والصبح الظامئ الى رائحة العشب الذي هو أخضر أيضاً :

وإذا بجدائل الربيع
تشرأب من عتمة الدوران
تتدلى من الأفق الأزرق
و تعزف الغصون ألحاناً سرمدية ..
ومرافئ الشوق الأخضر
تشدّ حقيبة العودة
فتستحيل بسمة موناليزية
مضجعها غيمة الأحزان
بسمةٌ يكمن فيها
مخاض الصبح الظامئ
إلى رائحة العشب .

وعلى إمتداد المساحة اللونية ذاتها , يمكن لنا التعـرف على جوانـب ثـرّة في خارطـة الوضـع النفسـي لهـذه الشاعرة التي تمور رقة وحبا ً وحزنا ً , فالمعاناة شديدة الوطأة التي تثقـل كلماتها وحروفها تحدد مسار الفعـل الذي يلازم النص , وتعيـن على التملص من الوا قـع الأليـم الى سـماوات بعيدة , ملونة , وبهية , وبإيقاع يتناغم بيسر ونعومة مع الكثير من الرومانسية , ذات الرموز الواضحة في لوحات شعرية , على قدر ٍ من الطرواة والنفاذية تدرك إستحالة الفرار , فتركن الى الصـبر الجميـل الذى يولد هو الآخـر حزنا ً جديدا ً فيما ترقص المروج من حولها جذلى ويشع الأمل المولود من رحم سويداء اليأس على صبح حزين :

ومن منهـل الصبر
أرتشف ماء الحياة
كي تـورق الصخور
وتنطلق طيـور
البحـر البيضـاء
وأتـوج غرسـك الأخضـر
سـحرا ً نيسانيا ً
تتتباهى به المروج فرحة .

وكذلك :
حزام الصبر
على البطـون الغضـة
بصـمت يدمينا
وإ ذا بغيـمة شاردة خضراء
تومـئ بالمطر الأخضر
على الصبح الحزين .

ومثلما تقارع منور اللون بأحاسيس وتـداعيـات تسـهم فـي تجسـيد الصـورة الديناميـة المؤثـرة لتوضيح الفكرة , فإن المتلقي يتفاعـل مع الدلالة اللونية ويتعرف من خلالها على ســلوكها ومـزاجها تمهيـدا ً لجـلاء الجو العام المغمور بذلك الإخضرار الذي يبصم سطور جـل ّ نصوص المجموعة , وينزف بُعـدا ً وجدانيا ً عميقـا ً , فضـلا ً عـن الوظيفـة الشـعورية التي يؤديها الدفـق اللوني الذي يجـرد المفردة مـن كـل شيء سوى حرارة ووهـج العاطفـة والتـوق الى الخلاص نحوعالم موحي وسخي بعطائه ينمو تلقائيا ً بـإنسيابية عذبة وبساطة مشحونة بالموحيات :


أجدني أبحث عن روح ٍ تسكن عيني
عن روح ٍ رغبتي لديها
لا رجعة فيها
بحثا ًعن مكان ٍلا فراق فيه
بيني وبينه
.. روح سرابية ..
تنطلق مع روحي
نحو آفاق ٍخضراء
بنجوم خضراء .

ونلاحظ إصرار منّور على منظورها الوجداني للقضية التي تتناولها ، وإسلوب تعاملها مع بنية هذا النص ، إذ توظف مفردة (الروح) في أربعة أسطر من مجموع عشرة ، ولا ريب أن هذا التكرار يقلل من صلابة قواعد وأسس البناء اللغوي للنص ، إلاّ أنها ترنو بقصدية مسبقة نحو إضفاء إيقاع بلاغي عليه لتجسيد المشاعر التي تحتشد في داخلها .
وأتوقف مليّاً أمام تجربة منّور الهادفة الى صنع لوحة ساحرة ملتحمة برومانسية دافئة في تركيبة شعرية إتسمت بشئ من البساطة المتناهية ، لكنها إغتنت بلغة تمنح سطوة اللون وهج الفعل ، وتغزو أرض الحروف الظليلة وهي تؤطر تخومها النائية بحس رفيع ونبل بيّن ، فتنهض برسالة الشعر الإنسانية ذات الدلالات الموحية إلى مستويات صورية نابضة بالدلالة الضمنية وهي تضع آخر بصمات فرشاتها على لوحتها الساحرة المتخمة بالألوان والإيحاء الخلاق ، إذ تجمع بدراية المتمكنة من صنعتها ، بين ألوان سنابل القمح الذهبية ورمال الصحراء الصفراء والفقراء وسحناتهم السمراء والجوع الكافر الأسمرالذي يتناغم تماماً مع لون تراب الوطن :

( حين يصدأ العدل أرى أسراب السنونو تهاجرني / دون أن تحمل معها تعاستي / فأحلم مع الفقراء بالقرنفل يناديني / وفي جوف الظمأ أرى سنابل القمح في رمال الصحراء تزهو / إذاَ .. من أين يحاصرنا الجوع أيها الفقراء / ما دام لجوعنا لونٌ أسمر كلون ثرى وطني ؟) .

ورغم الدلالا ت السايكلوجية للون الأخضر , كونه مضاد للألـم والتوتـر, وأنه يضفي على بيئـة المـفردة الشعرية مسحة الرجاء والتفاؤل , إلا ّ أ ن منّور توجه اللون الى الضد من فعله النفسي في العديد من النصوص لتعود ثانية الى توظيفه كرمز للأمل عندما تبادرالى فتح كوة للتفاؤل عبر الإخضرار رغم الحزن الـذي تتلفع به :

وداعا ًعذابات السنين
آ ن أن نعبـر
بمجاذ يفنا المحطمة
بحار رعبنا القاتم
وأن نعتـلي أسـوار البحار لنرى أشجار الياسـمين
تلملم الورود ندية
وتصوغها قلائدا لجيد الأيام الآتية
وكذلك :
فرميت ُ نفسـي الى ينبوعك الـدافيء
حتى بـدأ الطلع الأخضر
يرقص جـذلاً للصبح .

وتتوافق منّور مع شعراء قصيدة النثر في وظيفتها الحداثوية .. أدونيس ، يوسف الخال وغيرهما فما يتعلق بمغادرة القوالب التقليدية وأن على النص الشعري الحديث التغلل عميقاً لرؤية ملامح الأمل والخلاص في حياة الناس اليومية فتحمل المفردة شحنة قوية للنهوض بمسؤولية المعرفة الحدسية ، أي التحلي بقدرة التنبؤ والظن والتكهن بما يمكن أن يحصل غداً ، وبذلك فإنها تركن الى البدائية المتجذرة في ذات الإنسان المتحضر الباحث عن الحماية والأمان المفقود :

كي تملأ الأيام شعراً
إما أن تكون سحابة خضراء
تمطر كلمات خضراء
أو تكون عرّافاً يتكهن بما تأتيه الأيام ! .

إن منوّر إذ تمنح الأشياء أسمائها وألوانها وهواجسها , وتلجأ الى الفرار من الأ لم إلى اللون والأخضر بالذات لتلوين ما حولها , فإ نما تجعلنا نلتفـت في النهاية الى أن لا نرى سـوى العشب , مكتسحا ً , طاغيـا ً وفي الوقـت ذاته هادئاً , مبتسما ً, يلّوح عبر نافذة المرفأ الذي يلفه الضباب , باحثا ًعن مواسم الصبا المنسية :

قنديل مكسور
يغدو في قلب الشاعرة قيثارة
ينشد لمواسم الصبا المنسية
شطحات عشق أخضر .

إنها نبوءة الخلاص لدى منورملا حسون .. قنديل مكسور يتشظى في الفؤاد ويتحول الى قيثارة ثم يغدو الى أنشودة تتغلغل في نسيج الطبيعة وتغني للعشق الأخضر !! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) شاعرة وناقدة تمارس الكتابة باللغتين العربية والتركمانية ، شاركت في عدد من المهرجانات المحلية والعربية, لها مؤلفان مطبوعان (مرافئ ضبابية) مجموعة شعرية و( قراءات ورؤى) دراسات وبحوث ، ومطبوع باللغة التركمانية باسم حزن بلا حدود .







اخر الافلام

.. عمرو سعد في صباح العربية : محمد رمضان لا ينافسني وأجور الفنا


.. هذا الصباح-عاصم الطيب.. مناهضة الحرب بالموسيقى


.. عبد الجليل الرازم.. فنان تشكيلي مقدسي متعدد المواهب




.. هذا الصباح-فنان فلسطيني يقدم عروضا كوميدية بلندن


.. فنانة سورية تتفنن في رسم البورتريه واللوحات الزيتية في طرابل