الحوار المتمدن - موبايل



منظومة أخلاقيات الرأسمالية

محمد عادل زكي

2016 / 5 / 8
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم



مقدمة
في خضم الصراع العالمي بين الرساميل الدولية على الصعيد العالمي يزيد الاستقطاب الاقتصادي وتتبلور منظومة أخلاقيات الرأسمالية(1) لتحتوي الجوانب السلبية للإنتاج الرأسمالي في دورانها حول نظام القيم السلعي: فالعلاقات الاجتماعية لا تقوم إلا بالمقابل المادي، أي إذا كانت على سبيل المبادلة، وكل شىء قابل لأن يشترى بالنقود، أي أن المبادلة النقدية هي التي تسود، وكل القيم الاجتماعية تدور حول هذا المحور، قانون السوق يطغى على قوانين الاجتماع. ولا تدخر هذه المنظومة من الأخلاقيات جانباً من جوانب الحياة الاجتماعية، وهي تتبع في تبلورها نفس قانون حركة الرأسمال، فهي تغزو الأفراد والمجموعات والطبقات السياسية وأشخاص المجتمع الدولي بمؤسساته. ثم هي تتسع مكانياً بعدوانية الرأسمال التي لا تقنع بمجال آداء محلي أو قطري أو دولي، وإنما تتطلع إلى العالم كحقل اقتصادي وقانوني وقيمي واحد تزول فيه كل قوة قد تعترض سبيل هذه الأخلاقيات.
وعليه، فهي تبرز لتقضي حتى على وهم العدالة الاجتماعية: عدالة توزيع الثروة، ومن ثم عدالة توزيع الدخل، ومن ثم عدالة توزيع فرص الحياة ومستوياتها. وعلى الأخص فيما يتعلق بالحق في الحياة والحق في العمل والحق في التثقف والحق في العافية.
وتبرز منظومة أخلاقيات الرأسمالية المعاصرة، كمنظومة للاأخلاقيات إنسانية، في العنصرية، وتبرز في ممارسات الإبادة البشرية وتبرز في العنف والإرهاب. وتبرز في الفساد. وتبرز في الجريمة المنظمة دولياً بموضوعاتها المختلفة ومؤسساتها المتعددة. وتبرز في الجاسوسية والقرصنة المعرفية كانتهاك للخصوصية النفسانية والاجتماعية على مستوى الأفراد والمجموعات الاجتماعية والدول(2).
كل من هذه اللاأخلاقيات المكونة لمنظومة أخلاقيات الرأسمالية المعاصرة يحتاج إلى وقفة يتضح منها مفهوم كل من فرائد هذه المنظومة وحدوده. وهو ما سوف ننشغل به عبر الخطوات الفكرية التي سوف ننتهجها في بحثنا، والذي سوف نقسمه إلى فصلين: ينشغل الفصل الأول بمعالجة التاريخ الاستعماري للرأسمالية ابتداءً من الغزو الاستعماري لأمريكا اللاتينية ومنه إلى باقي العالم المعاصر. أما الفصل الثاني فينشغل برصد أوجه الفساد والانحطاط والردة الحضارية التي أصبحت من أهم سمات الرأسمالية العالمية المعاصرة. وعليه سوف نقسم بحثنا إلى فصلين على النحو التالي:
الفصل الأول: التاريخ الاستعماري للرأسمالية
الفصل الثاني: منظومة أخلاق الرأسمالية


الفصل الأول
التاريخ الاستعماري للرأسمالية
(1)
يكننا أن نحدد التاريخ الاستعماري للرأسمالية في تاريخ النشاط الاقتصادي، ابتداءً من تاريخ المجتمعات الَّتي تكونت في رحم العالم الوسيط، وتميزت بهيمنة قانون حركة الرأسمال وإخضاعه مجمل النشاط الاقتصادي لقانون حركة واحد ويمكننا أن نحدد العالم المعاصر/الحديث زمنياً بالفترة الممتدة من القرن الخامس عشر حتى الآن. ولأن تاريخ أوروبا الحديث المتزامن مع هيمنة الصيغة العامة/ قانون حركة الرأسمال، هو تاريخ دموي حافل بحروب المجازر وحملات الإبادة؛ إذ هو تاريخ استعماري نهبوي أصيل، فلسوف نتخذ من التكون التاريخي للتخلف في أمريكا اللاتينية حقلاً للتحليل؛ لأنها تمثل حقيقة النموذج الأمثل لأعمال السلب والنهب والإبادة الَّتي قامت بها أوروبا الاستعمارية في فجر تاريخها الحديث. فجر الرأسمالية الظافرة!
(2)
عادة ما يجري تقسيم تاريخ أمريكا اللاتينية إلى أربع مراحل: المرحلة الأولى (1492– 1542) وهي مرحلة الغزو والاستعمار. المرحلة الثانية (1542–1810) وهي مرحلة المستعمرات. المرحلة الثالثة (1810– 1824) وهي مرحلة الكفاح من أجل الاستقلال السياسي. المرحلة الرابعة (1824وحتى الآن) وهي مرحلة الحياة السياسية المستقلة(1). ومن الواضح أن التقسيم على هذا النحو هو تقسيم سياسي بالدرجة الأولى؛ ولأن ما ننشغل به هو الاقتصاد السياسي للرأسمالية؛ فسوف نعتنق تقسيماً مختلفاً نسبياً؛ إذ سنقسم، ضمناً، تاريخ أمريكا اللاتينية إلى مرحلتين: الأولى: مرحلة ما قبل هيمنة الرأسمال. والثانية: مرحلة هيمنة الرأسمال. ولتكوين الوعي بملامح المرحلة التاريخية الَّتي شهدت مولد التاريخ الأوروبي الحديث، على جماجم ملايين البشر، وتبلور عصر النهضة، بإبادة قارة واستعباد الأخرى؛ فيتعين أن نتزود منهجياً بالآتي:(2)
1- الوعي بالعدوانية المباشرة للرأسمال الأوروبي الاستعماري (الإسباني والبرتغالي في مرحلة أولى) على مجتمعات الاقتصاد المعاشي (بكل خصوصيته، وحضارته المدهشة: الإنكا، والأزتك) في أمريكا اللاتينية. فحينما وصل الغزاة لم يكن السكان الأصليون، ومنذ آلاف السنين، يعرفون لا الملكية الفردية للأرض ولا ملكية العقارات بوجه عام، إلا أن مفهوماً واضحاً لديهم عن الملكية الجماعية للأراضي؛ فقرار الإنتاج يتخذ بشكل جماعي، وتوزيع المنتج، حتى ما كان نتيجة القنص والصيد، يتم بشكل جماعي. والنقود، والأرباح، والرأسمال، هي من قبيل الأمور غير المفهومة على الإطلاق! فالتبادل، مع ندرته، كان يتم عن طريق المقايضة. والذهب، إله الأوروبي الغربي، لم يكن يستخدم سوى في بعض الحلي وبعض الأدوات والمصنوعات البسيطة. ولم يرق هذا المعدن حتى إلى منزلة وسيط التبادل لدى المايا أو الإنكا أو الأزتك أو غيرهم في أرجاء أمريكا اللاتينية قبل مجيء المستعمر الَّذي يعبد هذا المعدن! أما هؤلاء الغزاة، عَبَدَة الذهب، فهم قادمون من مجتمع التجارة والأرباح والمضاربة والتبادل النقدي المعمم، ولكنهم، مع الغزو، لم ينقلوا التنظيم الاجتماعي والاقتصادي الآخذ في التشكل في بلادهم الأوروبية وباقي أرجاء العالم الحديث، أي لم ينقلوا نمط الإنتاج الرأسمالي الناشيء؛ إنما نقلوا جميع نظم الاستغلال الهمجية البالية(3)، إذ نشأ الإقطاع بكل قسوة العبودية في المستعمرات، في نفس الوقت الَّذي تحلل فيه الإقطاع في العالم الوسيط، وانزوت فيه العبودية في الأعمال المنزلية، وبعض الأجزاء اليسيرة المتفرقة من العالم المعاصر!
ويجب أن يكون من الواضح أنه من المؤكد تاريخياً أن أوروبا لم تكن أكثر تطوراً أو تقدماً من الحضارات الأخرى في عام 1500، بل كانت أوروبا الأشد تخلفاً والأكثر بلادة! إن الاستعمار النهبوي هو الوحيد القادر على تفسير نهضة أوروبا. وبفضل الموقع الجغرافي الَّذي احتلته القارة الأوروبية تمكنت سفن الغزاة، عَبَدَة الذهب، من بلوغ العالم الجديد. ولكن، كي تفرغ شحنات البارود في قلوب السكان الآمنين، وتملأ بدلاً منه الذهب! وفي المستعمرة؛ فبحصول الصراع الجدلي بين رغبة الغزاة المحمومة في الأرض الشاسعة، والذهب، وبين مجابهة السكان الأصليين(4)، الَّذين كانوا في الصل مالكين لشروط تجديد إنتاجهم، تبدأ العملية التاريخية (الدامجة) للأجزاء المستعمرة في الكل الرأسمالي الناشيء. تزامنت هذه العملية مع ضخ المزيد من قوة العمل (المستوردة، المقتنصة) من خلال تجارة سيطر عليها آنذاك التاج الإسباني والتاج البرتغالي، وتبعهما في ذلك في ما بعد باقي القوى الاستعمارية الأوروبية. بصفة خاصة فرنسا وإنجلترا وهولندا. يتعين هنا الوعي بمجموعة من الأحداث الجوهرية، ففي الفترة 1688- 1815، اشتبكت فرنسا وإنجلترا في سبع حروب، كان من أهم أسبابها على الإطلاق، التنافس في المستعمرات، وفرض السيادة والهيمنة على البحار، وكانت كلما نشبت حرب بين دولتين في أوروبا، امتد لهيبها إلى ما وراء البحار، واشتعلت نيران الحرب كذلك في المستعمرات. ومن جهة أخرى، عندما ورث الإمبراطور شارل الخامس، عرش الإمبراطورية الهولندية في أوائل القرن السادس عشر، نظمت الإدارة وتحسنت الأحوال الداخلية، كما أن اتسعت الحركة التجارية، لكن عندما ظهرت حركة الإصلاح الديني، اعتنق كثير من سكان الشمال مذهب كالفن، فأظهر شارل قسوة بالغة في معاملتهم، وأحرق عدداً كبيراً منهم، ولما خلفه إبنه فيليب الثاني، واصل سياسة الاضطهاد بعنف، مما أدى إلى اندلاع الثورات ضد الحكم الإسباني (حتى بلغت حدود المستعمرات). واستمر الصراع بين الفريقين طوال النصف الثاني من القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر؛ حتى انتهى الأمر باستقلال هولندا. وما أن استقلت هولندا، حتى صارت من أقوى دول أوروبا في البحار، وأوسعها تجارة، ولا سيما في الشرق. وقد ساعدها في ذلك ازدياد قوتها البحرية خلال حرب الاستقلال، وسطوها على السفن الإسبانية، وكذلك الاستيلاء على بعض المستعمرات الإسبانية الَّتي آلت لها من البرتغال بعد إخضاعها وضمها إليها. هذا إلى جانب ضعف قوة البرتغال بعد فقدانها لاستقلالها، وكذلك اضمحلال قوة إسبانيا البحرية، بعد انهزام أسطولها العظيم المعروف بـ "الآرمادا"، الأسطول الَّذي لا يقهر، أمام الأسطول الإنجليزي في عام 1588؛ مما شجع السفن الهولندية على معارضة تجارة إسبانيا في البحار، بل وانتصار أسطولها على الأسطول الإسباني في عام 1607 عند مضيق جبل طارق.(5)
2- الوعي بالهمجية والقسوة والبشاعة الَّتي اقترنت بالحقبة الاستعمارية وفجر الرأسمالية المشرق! فعلى سبيل المثال كان عدد سكان المكسيك في عام 1519 نحو 25 مليون نسمة، انخفض هذا العدد إلى مليون وتسعمائة ألف مع حلول عام 1579! وكي يبلغ ذروة انخفاضه مع عام 1629 حين بلغ مجموع سكان المكسيك نحو مليون نسمة! أي أن عملية الإبادة، الَّتي تمت في مئة وعشرة سنة، قضت على 24 مليون مكسيكياً تقريباً!. وفي منطقة الكاريبي، على سبيل المثال أيضاً، انخفض عدد السكان من 5,850 مليون نسمة في عام 1492 إلى نحو 1,960 مليون نسمة في عام 1825(6). كتب ماركس:"ان اكتشاف مناجم الذهب والفضة في أمريكا، واقتلاع سكانها الأصليين من مواطنهم واستعبادهم ودفنهم أحياء في المناجم، وبدايات غزو ونهب الهند الشرقية، وتحويل أفريقيا إلى ساحة محمية لصيد ذوي البشرة السوداء، إن ذلك كله يميز فجر عهد الإنتاج الرأسمالي، وإن هذه العمليات الرغيدة هي العناصر الرئيسية للتراكم الأولي". (7)
يتعين إذاً البحث في دور الغزو الاستعماري الأوروبي (الإسباني والبرتغالي تحديداً، في مرحلة أولى) في دمج الاقتصادات المستعمَرة ذات الاكتفاء الذاتي، أي الإنتاج خارج فكرة التداول النقدي، في اقتصاداتها المستعمِرة كأحد الأجزاء التابعة. فلقد ظل الإسبان، عقب استقرارهم في جزر الهند الغربية، يرسلون البعوث الاستعمارية لاستكشاف شواطيء أمريكا الوسطى، حينما سمعوا عن بلاد في الغرب، يكثر فيها الذهب، والفضة بكميات لا تحصى؛ فعهدوا إلى حملة صغيرة بقيادة كورتيز لغزو هذه البلاد، المكسيك حالياً، الَّتي كانت موطن قبائل ذات كنوز هائلة وحضارة رائعة وديانات وفنون راقية. إنها حضارة الأزتك، الَّتي أبيدت ومسحت من على خريطة العالم! وحينما سمع الإسبان عن بيرو، وهي موطن قبائل أخرى ذات كنوز وحضارة لا تقل فى روعتها عن الأزتك؛ إنها حضارة الإنكا؛ أعدوا حملة بقيادة بيزارو للاستيلاء عليها، وتحكي لنا المراجع المختلفة في هذا الشأن أن أهل تلك البلاد أهل سلام وسلم وسكينة، يملكون من الذهب مالم يخطر على بال أوروبي واحد؛ حتى أن ملك الإنكا، أتاهوالبا، افتدى نفسه لما أسر، كما يُروى(8)، بملء الحجرة الَّتي كان فيها ذهباً، ولكنه لم يدع كي يمضي، إنما تم تقديمه إلى المحاكمة بتهمة عبادة الأوثان وارتكاب الزنا، وأعدم في 1533!
3- الوعي بالكيفية الَّتي تم من خلالها فرض الزراعة الأحادية على أغنى أراضي قارة أمريكا اللاتينية وأخصبها وأوفرها إنتاجاً الأمر الَّذي كون، تاريخياً، بلداناً كالإكوادور على سبيل المثال، يتوقف مصير سكانها على تقلبات الأسعار العالمية للبن أو الكاكاو، أو الموز! هنا يجب الوعي أيضاً بالكيفية الَّتي تمت من خلالها عملية تعميق هذا الشكل من الزراعة من خلال هيكلة اقتصادات بلدان القارة على نحو يخدم، بإخلاص، اقتصادات الأجزاء الاستعمارية؛ بجعل بلدان القارة مورداً دائماً للمواد الأولية. الحال الَّذي أفضى، بعد استنزاف التربة، إلى استيراد المواد الغذائية؛ فالأرض آلت ألا تنتج سوى المحصول الواحد،(9) المحصول الاستعماري: سكر، كاكاو، مطاط، بن، قطن؛ وهو الأمر الَّذي تزامن مع نشوء المزرعة الاستعمارية (اللاتيفونديات) وتبلور الطبقات الاجتماعية المكونة تاريخياً في ركاب الرأسمال الأجنبي (الإسباني والبرتغالي والإنجليزي والفرنسي والهولندي، ثم الأمريكي كامتداد للهيمنة الإستعمارية الأوروبية) ومن هنا نشأت أرستقراطية السكر، وأوليجارشية الكاكاو، كما ظهر أثرياء الغابة (المطاط) وأباطرة البن. ولسوف تنهض هذه الطبقات، فيما بعد، بتأدية دور البطولة المطلقة، من خلال الأرباح الَّتي تجنيها بفعل القانون الموضوعي للقيمة، في تدعيم بنية الخضوع والهيمنة وتكريس عوامل التخلف التاريخي لدول القارة؛ فتلك الطبقات الَّتي تربّت في كنف المستعمر وتلقت تعليماً استعمارياً راقياً(10) لا توجه (ولا يمكن على هذا النحو أن توجه) هذه الأرباح إلى الحقول الاستثمارية الوطنية، بل يعاد ضخها في نفس العروق... إلى الخارج!
4- الوعي بدور متطلبات عملية دمج الأجزاء المستعمَرة في الاقتصادات المستعمِرة، كأحد الأجزاء التابعة، في قلب الميزان الديموجرافي في معظم أجزاء القارة(11) وهو الأمر الَّذي معه يتعين الوعي بطبيعة نمط الإنتاج الَّذي استخدمته الاقتصادات المستعمِرة في سبيل إنهاك الاقتصادات المستعمَرة وتصفيتها مادياً، وسلبها لشروط تجديد إنتاجها. ونمط الإنتاج الَّذي استخدمته القوى الاستعمارية إنما يحتاج (لتمحوره حول السخرة والعبودية) إلى قوة عمل وفيرة، أكثر من وسائل الإنتاج (مواد العمل وأدوات العمل) ولذا سيكون من الضروري أن تقوم قوى الاستعمار الأوروبي بضخ نحو 8 مليون عبداً (إنسان) أفريقي إلى مناطق البرازيل وغرب الإنديز وجيانا في الفترة من 1550 وحتى 1850 بعد أن قضى الاستعمار على السكان الأصليين. تركز هذا الضخ في معظم جزر الكاريبي ومناطق زراعة القصب ومناجم الذهب ومزارع البن. الأمر الَّذي أفضى إلى تكون طبقة (الكريوليس) الَّتي ستنهض بدور هام في سبيل ترسيخ الهيمنة الاستعمارية حتى بعد تولت شطر القارة الأفريقية ابتداءً من النصف الثاني من القرن الثامن عشر؛ فلقد كرس الاستقلال في بداية القرن التاسع عشر تحويل السلطة إلى أيدي الملاك العقاريين والبورجوازية الكمبرادورية. عقب ذلك استمر التحويل وتدعيمه على امتداد القرن إزاء تكثيف التبادلات مع المتروبول الجديد، بريطانيا العظمى.
5- الوعي بالكيفية التاريخية الَّتي بمقتضاها أمست القارة اللاتينية للأوروبيين عالماً جديداً بما تحمله الكلمة من معنى؛ إذ تبين سجلات الأشخاص المرخص لهم بالذهاب إلى الهند الغربية أسماء وحرف كثير من أصحاب الحرف والصنّاع المهرة، ونستطيع أن نستخلص من تحليل هذه السجلات، وما تضمنته من حرف ومهن، الأحوال الاجتماعية المعقدة الَّتي كانت تتزايد في المجتمعات المدنية الآخذة في التطور، ليس في الأجزاء المستعمِرة فحسب، إنما في الأجزاء المستعمَرة كذلك. فمن الَّذين رخص لهم بعبور الأطلنطي في الفترة من عام 1509 حتى عام 1517: مزارع، وبغّال، وتاجر، ومحترف فلاحة بساتين، وصيدلي، وأربعة من صانعي الأحذية، وصانع آلات قاطعة، ومتخصص في أعمال السباكة، وفاحص معادن، ونجار، وحلاق، وحفار، وحائك ملابس، ونقاش، وحداد، وصانع أحذية، وصانع جوارب، وصانع عربات، وصانع فضيات، وصيرفي، وصانع شموع، وصانع معادن، وخياط، وجراح خلع أسنان، وراعي غنم، وزارع فاكهة، وثمانية بنائين، وخراطين، وخزافين، وصناع صهاريج، ومطرزين، وحدادي أقفال، وخبازين.(12)
6- من المهم أن نعلم أن الغزاة، عَبَدَة الذهب، قد نهبوا، من بوليفيا وبيرو والمكسيك والهند الغربية والبرازيل وتشيلي، في الفترة الممتدة من عام 1545 حتى عام 1800 نحو15173,1مليار ماركاً من الفضة، ونحو4572 مليار ماركاً من الذهب. وتكمن أهمية معرفة هذه الجرائم في فهم الكيفية الَّتي تحققت من خلالها عملية هيمنة قوانين حركة الرأسمال.
فلقد استقبلت أوروبا ثروات، هي بالأساس أدوات دفع، غير مسبوقة تاريخياً. الأمر الَّذي انعكس على الوظائف الَّتي تؤديها النقود في الحياة اليومية في داخل الأجزاء المستعمِرة، فقد زادت كمية النقود في نفس الوقت الَّذي نشطت فيه التجارة عبر بحار ومحيطات العالم الحديث، وتمكنت أوروبا من الوصول إلى مراكز التجارة البعيدة شرقاً وغرباً.
في الوقت نفسه، الَّذي بدأ فيه التراكم الرأسمالي، بدأت الاكتشافات المعرفية والمخترعات العلمية، وأصبحت النقود تلعب دوراً تعدى الاكتناز إلى الرأسمال. الرأسمال الَّذي يستخدم من أجل الإنتاج. وهو الأمر الَّذي تطلب البحث عن قوى الإنتاج الأخرى. فالرأسمال موجود بكثافة عالية، وأدوات العمل يجري اختراع المزيد منها وتطويرها بوتيرة متسارعة. يتبقى مواد العمل أي المواد الخام. حينئذ تكون المستعمرات المورد الرئيسي لهذه المواد مثل السكر والمطاط والبن والموز... إلخ.
يجب إذاً الوعي بطبيعة التراكم الرأسمالي على الصعيد العالمي(13) وحقيقة التكون التاريخي لاقتصاد المبادلة النقدية المعممة في أوروبا في القرن الخامس عشر، هذا التكون التاريخي الَّذي تم من خلال التواطؤ بين الرأسمال التجاري (عقب تبلوره الطبقي والاجتماعي) والسلطة المعبرة عن فكرة الدولة القومية الساعية إلى تحطيم الاصطفائية الَّتي نهض عليها نمط الإنتاج الإقطاعي، والمتجهة نحو الانسلاخ عن الجسد اللاتيني(14) وذلك حتى أواخر القرن السابع عشر، ثم توسع الرأسمال الصناعي حتى أوائل القرن الثامن عشر، والَّذي تزامن مع هيمنة نمط الإنتاج الرأسمالي في طريقه إلى خلق السوق العالمية وتدويل الإنتاج من خلال أنماط مختلفة للتقسيم الدولي للعمل والتغلغل في هياكل المجتمعات المتخلفة مشكلاً بذلك أجزاء للاقتصاد الدولي بمستويات مختلفة من التطور. فأضحت أجزاء متقدمة، وأمست أجزاء متخلفة.
7- الكيفية التاريخية الَّتي تبلور من خلالها التاريخ النقدي "للهيمنة" الأمريكية في القرن التاسع عشر، بعد سلسلة متصلة من العلاقات الجدلية بين القوى الأوربية(15) المتصارعة (هولندا، إنجلترا، فرنسا، روسيا، النمسا، المانيا، إيطاليا، بروسيا، الدولة العثمانية) وانتهاءً بالحرب العالمية الأولى الَّتي خرج منها الاقتصاد الأوروبي حطاماً، بينما خرجت الولايات المتحدة الأمريكية كأغنى وأقوى دولة رأسمالية في العالم، يزيد مجموع أرصدتها الذهبية عن مجموع الأرصدة الذهبية الَّتي تملكها روسيا وفرنسا والمانيا وبريطانيا، وكأن الحرب لم تفعل شيئاً سوى تحريك التراكم، أي نقل ثروات أمريكا اللاتينية من أوروبا إلى الولايات المتحدة. هنا ينبغي أن نعي الظروف التاريخية الَّتي سادت في القرن التاسع عشر، والَّتي تمكن الذهب من خلالها من إرساء الأثمان المعبر عنها بعملات وطنية مختلفة نظير سلع تم إنتاجها في أماكن متفرقة من العالم وفي ظل ظروف إنتاجية مختلفة.
ولم يكن من الممكن للذهب أن يؤدي هذه الوظيفة إلا ابتداءً من تداوله كنقود في داخل الاقتصاد الرأسمالي القومي الأكثر تطوراً والَّذي كان في سبيله للسيطرة على الجزء الأكبر من المعاملات الدولية: الاقتصاد البريطاني. وتمكن قاعدة الذهب الدولية بدورها الرأسمال البريطاني من تأكيد هيمنته داخل الاقتصاد العالمي، وهي هيمنة استمدها من تفوق الإنتاجية النسبية للعمل عمقاً ومدى، وبفضل هذه الهيمنة يصبح الجنيه الإسترليني، العملة الوطنية البريطانية، سيد العملات دولياً، ويمكن أن يحل محل الذهب لعملات بلدان أخرى تخضع لهيمنة الرأسمال البريطاني.
وهكذا تحل هيمنة رأسمال أحد البلدان على الصعيد الدولي محل سلطة الدولة على الصعيد القومي، وتمكن هذه الهيمنة عملة الرأسمال المهيمن من القيام في المعاملات الدولية بدور النقود الدولية، سواء كانت هذه العملة تستند إلى الذهب أو لا تستند، وإن يكن من الضروري أن تبدأ فترة سيطرتها التاريخية، بحكم تاريخية النقود، بالاستناد إلى الذهب.
ويكون من الطبيعي، كما كتب د. محمد دويدار، عند انتقال الهيمنة من رأسمال قومي إلى رأسمال قومي آخر أن ترث عملة المهيمن الجديد وظيفة النقود الدولية حالة بذلك محل عملة الرأسمال الَّذي فقد هيمنته على الاقتصاد الرأسمالي الدولي. وذلك هو ما حدث في فترة الحربين العالميتين عندما فقد الرأسمال البريطاني هيمنته على الاقتصاد الدولي (تاركاً الاقتصاد الدولي كي يقسم عدة كتل نقدية)؛ فقد ظهر الرأسمال الأمريكي كي يفرض هيمنته، ولكي تأتي الحرب العالمية الثانية لتؤكد الهيمنة الجديدة الَّتي تفرض جميع تبعاتها في الفترة التالية للحرب.(16)
8- كما يتعين التقدم خطوة إلى الأمام، تاريخياً، ومِن ثم منهجياً، بالبحث الواعي في دور الشركات الأجنبية العملاقة، دولية النشاط، ورساميلها القومية في تعميق التخلف والتبعية في أجزاء القارة المختلفة كمورد رئيسى للمواد الأولية، من دون أي مشاركة من هذه الأجزاء في عملية التجارة في أي مرحلة من مراحلها (الإنتاج، التسويق(17)، التوزيع، التخزين،... إلخ)، مع الحفاظ دائماً على إثارة القلق في أسواق تلك المنتجات، حفاظاً على التحكم في أسعارها العالمية وإمكانية التلاعب بها. وتعتبر شركات النفط العالمية الكبرى من أقدم الشركات دولية النشاط في هذا الشأن.
9- وإذ ما اتخذنا من النفط أداة فكرية تنقلنا نوعياً من التحليل المنهجي لتخلف القارة اللاتينية إلى محاولة تكوين الوعي بطبيعة العلاقات الاقتصادية الراهنة على الصعيد العالمي، من خلال فهم الدور الَّذي يلعبه النفط على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي في عالمنا المعاصر (الرأسمالي)، فإنه يتعين الوعي، إنما الناقد، بثلاث أفكار أساسية:
- الدور التاريخي للنفط في تثوير الإنتاج الزراعي والصناعي بل والخدمي، على الصعيد العالمي، وبصفة خاصة في الأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي العالمي المعاصر، وما استصحب ذلك من صراع محموم على الزيت متزامن مع تطوير متسارع في الهياكل الصناعية، ومن ثم تطوير عمليات الإنتاج من أجل السوق الدولية بوجه عام، بعد تقليص الدور الَّذي كان يلعبه الفحم، ابتداءً من النصف الأول من القرن العشرين.
- الوعي بطبيعة النفط، وقيمة استعماله، كسلعة محولة، ويعد فعل التحويل هذا في ذاته شرط تحقق تلك القيمة (البنزين، المازوت، زيوت التشحيم، الكيروسين، البتروكيمياء،... إلخ). الأمر الَّذي يستلزم الوعي بأدوات تحويله، ومن باب أولى يوجب الوعي بأدوات إنتاجه (صوراي الحفر ومواسيره، ومصاطبه"البحرية والبرية"، والروافع، والمناضد، والدوارات، والكلابات، والحفارات، والمضخات، والمحركات، والأنابيب، والمصافي... إلخ) وإذ ما أضفنا إلى ذلك الوسائل المساعدة (النقل مثلاً) فإنه يمكن افتراض افتقار الأجزاء المتخلفة للسيطرة على شروط تجديد إنتاج النفط.
- تلعب الشركات دولية النشاط، والرأسمال الخاص بوجه عام، الدور الأكثر أهمية؛ ويتبدى مدى نشاط الشركات دولية النشاط بوضوح حينما نعلم أن مصر، على سبيل المثال، تفتقر إلى السيطرة على شروط تجديد إنتاجها من النفط، لأنها تعتمد على هذه الشركات في جل مراحل العملية الإنتاجية ابتداءً من تقنية البحث والتنقيب والاستخراج، ومروراً بأدوات الإنتاج ومواد الإنتاج. وانتهاءً بالتسويق ووسائل النقل ومعداته. والأجزاء المتخلفة حالها حال جل البلدان المصدرة للنفط لا تشارك، بشكل فاعل، إلا بقوة العمل، في أية مرحلة من مراحل إنتاجه (الكشف، التنقيب، الاستخراج، التكرير، التصنيع، النقل) فالتقنية أجنبية، والآلات أجنبية، والمواد أجنبية، ومعدات الشحن والتفريغ أجنبية، وسفن النقل أجنبية! ولا تقدم الأجزاء المتخلفة المنتِجة للنفط (بدقة: المنتَج لها النفط) إلا قوة العمل!
10- ولنتقدم خطوة فكرية إلى الأمام كي نرى الصورة الأكبر أوضح: فالعلاقة بين الزيت والقوة العسكرية تعود إلى السنوات الأولى من القرن العشرين؛ حينما حولت القوتان المتحاربتان، ألمانيا وبريطانيا العظمى أسطوليهما البحريين من التسيير بالفحم إلى التسيير بالنفط. ولما كانت بريطانيا تفتقر إلى الزيت، فقد وجدت نفسها معتمدة على احتياطيات النفط في الشرق الأوسط، ولهذا أصبحت حماية هذه الاحتياطيات حاسمة مع اندلاع الحرب العالمية الأولى. فظهور الدبابة والغواصة والطائرة المقاتلة الَّتي تعمل بمحرك ديزل، عمل على تعميق أهمية الزيت. وعند نهاية الحرب كان الوصول إلى النفط عاملاً رئيسياً في التخطيط الاستراتيجي للقوى المتنافسة. واستمر الوضع على ما هو عليه بعد الحرب. وحاولت بريطانيا، الَّتي كانت حينئذ مسيطرة فعلياً على حقول الزيت في إيران(18)، أن تمد نفوذها إلى الحقول في العراق والكويت. وكانت فرنسا أيضاً تبحث عن موطيء قدم في هذه المنطقة. وركزت اليابان على منطقة الهند الشرقي الهولندي، الَّتي كانت آنذاك منطقة منتجة للنفط. وبدأت الولايات المتحدة بحثها عن النفط على امتداد الحافة الجنوبية للخليج، وكانت هذه القوى كلها، إضافة إلى ألمانيا والاتحاد السوفياتي، تعرف أن الوصول إلى الزيت سيكون حاسماً في الحرب القادمة، ولهذا كرس الجميع، عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية، قوات أساسية للحصول عليه. ولقد قدمت اليابان نموذجاً واضحاً للإقدام على الحرب من أجل النفط؛ فلم تكن اليابان مؤمنة من تلك الجهة، وكان شبح فقد أو نقصه النفط دائما ما كان يلوح أمام أعين القادة في طوكيو، ولذلك كان القرار هو الاستيلاء على الحقول المنتجة في منطقة الهند الشرقي الهولندي، فأقدمت اليابان على ذلك العدوان على حقول النفط وهي تعلم يقيناً أن أمراً كهذا لا شك سيثير غضب الولايات المتحدة، فكان القرار الثاني هو توجيه ضربة عسكرية استباقية إلى الأسطول الأمريكي في بيرل هاربر في هاواي. ومن ثم صارت الولايات المتحدة أحد الأعضاء الرئيسيين في دائرة القتال العالمي. ولم يكن التقدم، المؤقت، الَّذي أحرزه الزحف الألماني في الأراضي السوفياتية عام 1941، إلا من أجل النفط، بالسيطرة على الآبار في القوقاز.
أدركت الولايات المتحدة، بعد الحرب، أن الدور الَّذي يلعبه الزيت هو دور حاسم، ويتعلق بالأمن القومي، ومن هنا عملت دوماً على ترسيخ وجودها في الخليج العربي ضماناً لانسياب النفط. ولم يقتصر هذا التواجد فقط على الخليج العربي، بل امتد إلى العديد من الأجزاء على مستوى العالم؛ وتظهر اعتبارات أمن
الزيت بالنسبة للولايات المتحدة في برنامج المساعدة العسكرية لآذربيجان وكازخستان؛ فوفقاً لوزارة الخارجية الأمريكية فإن جزءاً مهماً من مبلغ الخمسين مليون دولاراً المخصص لآذربيجان في السنة المالية 2004 سينفق من أجل تعزيز"أمن الحدود البحرية" للبلد. وفي كازخستان تستخدم المساعدة الأمريكية لتجديد القاعدة الجوية القديمة من العهد السوفياتي في أتيروا على الساحل الشمالي لبحر قزوين، قرب حقل زيت تنجيز الغني بالزيت(19) ومن أجل الزيت كان الزحف السوفياتي على أفغانستان وصولاً إلى المناطق الأبعد الغنية بالنفط، ومن أجل الزيت تم قذف العراق، ومن قبله أفغانستان، وإن كان السبب الأكثر أهمية، في تصوري، هو ضبط أسواق المخدرات الَّتي كادت تشهد الانفلات على صعيد الإنتاج والتوزيع العالميين. ومن المعروف مدى ارتباط بارونات المخدرات وأباطرة الدواء بتلك السوق!
ومن أجل الزيت تم قصف ليبيا. وكما ذكرنا، فإن الأمر لا يقتصر على العدوان العسكري من أجل تثبيت الأقدام وضمان الإمداد المستمر، وإنما يصل إلى المشاركة الفعالة في الانقلابات العسكرية وتأجيج الحروب الأهلية والصراعات الإثنية خلقاً لبؤر التوتر على الصعيد العالمي، وهو الأمر الَّذي يضمن عدم تولي حكومة وطنية السلطة في بلاد الزيت!
ومن أجل الزيت، كذلك، تدور حروب مريرة في نيجيريا، البلد الرئيسي المنتج للنفط في أفريقيا بعد أن نهب الجنرالات الثروة! ولم تكن دول حوض بحر قزوين أحسن حالاً؛ فلقد شهدت تلك المنطقة صراعاً دموياً عنيفاً سقط فيه عشرات الضحايا، وبصفة خاصة في أوزبكستان في مارس 2004!
ومن أجل الزيت، أيضاً، حدثت المجازر في الشيشان، الَّتي يتم تقديم الصراع الدامي فيها عادة على أساس من كونه صداماً بين قوى معادية، إثنية ودينية، أو صراعاً على السلطة بين الحكومة المركزية في موسكو وسكان يسعون إلى الاستقلال، بيد أن ثمة بعداً جيوبولتيكياً مهماً: فقد كانت جروزني، في ظل الحكم السوفياتي، مركزاً رئيسياً لتكرير الزيت، كما كانت نقطة ترانزيت حرجة لأنابيب النفط الَّتي تحمل طاقة بحر قزوين إلى روسيا، وأوكرانيا، وأوروبا الشرقية.
الفصل الثاني
منظومة أخلاق الرأسمالية
(1)
"في الأسواق الجديدة لم يعد نمط الإنتاج الإقطاعي، أو المشغل الحرفي في الصناعة، يسد الحاجة المتنامية، فأزاح الصناعيون المتوسطون أصحاب المشاغل الحرفية. بيد أن الأسواق كانت تتسع والطلب كان يزداد باستمرار. وظهرت الآلة فأحدثت ثورة في الإنتاج الصناعي. وحل الصناعيون أصحاب الملايين محل الصناعيين المتوسطين. والصناعة الكبيرة أوجدت السوق العالمية. والسوق العالمية أنمت التجارة والملاحة والمواصلات البرية. وبقدر ما كانت الصناعة والتجارة والملاحة والسكك الحديدية تتوسع، كانت البرجوازية تتطور، وتنمي رساميلها، وتدفع إلى الوراء جميع الطبقات الَّتي خلفتها القرون الوسطى. ومنذ أن توطدت الصناعة الكبرى وتأسست السوق العالمية استولت البرجوازية على كل السلطة السياسية في الدولة التمثيلية المعاصرة. والبرجوازية حيث ظفرت بالسلطة دمرت كل العلاقات الإقطاعية من كل لون، التي كانت تربط الإنسان بسادته الطبيعيين، ولم تبق على أية رابطة بين الإنسان والإنسان سوى رابطة المصلحة البحتة، والإلزام القاسي بـ الدفع نقداً وأغرقت الحمية الدينية، وحماسة الفروسية، وعاطفة البرجوازية الصغيرة، في أغراضها الأنانية المجردة من العاطفة، وحولت الكرامة الشخصية إلى قيمة تبادلية، وأحلّت حرية التجارة الغاشمة وحدها، محل الحريات. لقد انتزعت البرجوازية عن المهن والأعمال التي كان ينظر إليها حتى ذلك الحين بمنظار الهيبة والخشوع، كل بهائها ورونقها وقداستها. فجعلت الطبيب ورجل القانون والكاهن والشاعر والعالم في عداد الشغيلة الأجراء. ومزقت البرجوازية الحجاب العاطفي الذي كان مسدلاً على العلاقات العائلية وأحالتها إلى علاقات مالية صرف. والبرجوازية لا تستطيع البقاء بدون أن تثور باستمرار أدوات الإنتاج، وبالتالي علاقات الإنتاج في المجتمع... وهذا الانقلاب المتواصل في الإنتاج، وهذا التزعزع الدائم في كل الأوضاع المجتمعية، والقلق والتحرك الدائمان، هذا كله يميز عصر البرجوازية عما سبقه من عصور. فإن كل العلاقات الاجتماعية التقليدية الجامدة، وما يحيط بها من هالة المعتقدات والأفكار، التي كانت قديماً محترمة مقدسة، تنحل وتندثر؛ أما التي تحل محلها فتشيخ ويتقادم عهدها قبل أن يصلب عودها. وكل ما كان تقليدياً ثابتاً يطير ويتبدد كالدخان، وكل ما هو مقدس يعامل باحتقار وازدراء، ويضطر الناس في النهاية إلى النظر لظروف معيشتهم وعلاقاتهم المتبادلة، وبدافع الحاجة المستمرة إلى أسواق جديدة تنطلق البرجوازية إلى جميع أنحاء الكرة الأرضية. فينبغي لها أن تدخل وتتغلغل في كل مكان، وتوطد دعائمها في كل مكان، وتقيم الصلات في كل مكان. والبرجوازية، باستثمارها السوق العالمية، طبعت الإنتاج والاستهلاك، في جميع البلدان، بطابع عالمي، وانتزعت من تحت أقدام الصناعة أرضيتها القومية. فالصناعات القومية الهرمة دمرت وتدمر يومياً لتحل محلها صناعات جديدة، أصبح اعتمادها مسألة حيوية بالنسبة إلى جميع الأمم المتحضرة، صناعات لم تعد تستعمل المواد الأولية المحلية، بل المواد الأولية من أقصى المناطق، صناعات لا تستهلك منتجاتها في البلد نفسه فحسب، بل أيضا في جميع أنحاء العالم. لقد أخضعت البرجوازية الريف للمدينة، فأنشأت المدن الكبرى وزادت سكان المدن زيادة هائلة. واخضعت البلدان الهمجية ونصف الهمجية للبلدان المتمدنة، الأمم الفلاحية للأمم البرجوازية، الشرق للغرب. وتقضي البرجوازية أكثر فأكثر على تبعثر وسائل الإنتاج والملكية والسكان. فقد كدست السكان ومركزت وسائل الإنتاج وجمعت الملكية في أيدي أفراد قلائل. وخلقت البرجوازية، منذ تسلطها الذي لم يكد يمضي عليه قرن واحد، قوى منتجة تفوق في عددها وعظمتها كل ما صنعته الأجيال السالفة مجتمعة". (كارل ماركس وفريدريك إنجلز، بيان الحزب الشيوعي).
هكذا لخص ماركس وإنجلز فترة الانتقال. فماذا يمكننا قوله بعد تغلغل الرأسمال في مسام خلايا عالمنا المعاصر عبر قرنين من الزمان؟
من أجل الإجابة يمكننا أن نسأل عالم اليوم، العالم الرأسمالي، السؤاليين التاليين: ما الحياة؟ وما الهدف منها؟
ربما عالم اليوم، وحده، هو القادر على الإجابة على هذين السؤالين؛ يجيب: لا أعرف!
وكيف يعرف بعد أن صار عبر خمسمائة عام من الانحطاط لا يعرف سوى الهذيان؛ بعدما أصر على الانتحار الجماعي، لقد صمت فينا صوت الحياة... وغفل بداخلنا ضمير الإنسان، حتى كاد الإنسان أن ينسى أنه إنسان؛ بعد أن فقد عبقرية مشيته المستقيمة حين ألف السجود للطغاه فزحف على بطنه من الفاقه والجوع... أو تحول إلى حشرة كافكا... إن حشرة كافكا هي التجسيد الرائع لعالم يترنح إنسانه بعد أن صارت الحياة بلا معنى وبلا هدف، وبلا مشروع حضاري لمستقبل آمن.
كيف يعرف عالمنا اليوم معنى الحياة والهدف منها! وقد مهد له دانتي حين فصل تاريخياً، وبمنطق أرسطو المقدس بين الحياة والدين، واختزل له ديكارت الإنسان إلى آلة مفكرة؛ المشاعر... الأحاسيس... العواطف... كلها صارت عمليات عقلية تخضع، مع التطور التكنولوجي، إلى القياس الدقيق على أحدث أجهزة بيل جيتس، ويمكن حسابها طبقاً لسعر الصرف العالمي.
كيف يعرف عالمنا اليوم معنى الحياة والهدف منها! وقد أعلن له نيتشه أن الناس هم الَّذين أقاموا الخير والشر فابتدعوهما وما اكتشفوهما ولا أنزلا عليهما من السماء!
ابتداءً من اللامعنى صار الإلحاد إبداعاً. والدين أسطورة. والرسل مرتزقة. حتى الإلحاد صار مسخاً. ابتداءً من اللامعنى لعن فاوست كل شيء صالح على الأرض واتبع مارجريت!
ابتداءً من اللامعنى واللاهدف أمسى الانسلاخ عن حضارة الإنسان حداثة، وهجر التراث الإنساني المشترك تجديداً، أما وحدة المعرفة الإنسانية فقد باتت عتهاً! كيف يعرف عالمنا اليوم معنى الحياة والهدف منها! وقد همس له حلاق أشبيليه:"إن للذهب قدرة على تفتيح مدارك الإنسان".
كم هي عبارة مهذبة، مقارنة بما صاح به كولومبس في جاميكا:
"الذهب شيء مدهش. من يملكه يملك كل شيء، من يملكه يملك كل ما يرغب فيه، بل بالذهب يستطيع المرء أن يدخل الأرواح إلى الجنة".(20)
(4)
ابتداءً من اللامعنى صار الهوس العقلي مرحاً في موسيقى "الهارد روك" و"الميتال" و"التكنو" و"الفانكي"، ولقد أمسى الخواء تجريباً، وتدمير المعنى واللون انطباعية، وإهدار الشكل والأبعاد تكعيباً، والاختزال والتسطيح أسموه تجريداً. ومع اللامعنى تجرعنا مر تراث الدين الوضعي... التراث الَّذي جرد النصوص الخلاقة من قوتها المتسائلة عن معنى حياتنا والهدف منها، حتى صرنا لا نميز بين وقت الفراغ وبين الوقت الفارغ؛ لأن تجريد تلك النصوص من قوتها تلك إنما تم في نفس اللحظة الَّتي تحولت فيها من أيقونة إلى وثن... من نقطة بداية إلى خط نهاية العابر له مرتد!
ولنتقدم خطوة فكرية أبعد كي نتعرف آنياً إلى عالمنا الحقيقي، بالتعرف إلى معالمه الرئيسية الَّتي تكشف عن اتفاق جماعي عالمي... ولكن على الانتحار... إنهذا الكوكب بمن فيه يتجه مسرعاً صوب الأعماق، أعماق
الانحطاط... إنها سكرة الموت؛ موت عصر وميلاد عصر. فهل من الضروري أن نسحق تحت عجلة حتميته؟
ومَن كان لا يروقه قولي فلينظر إلى الخواء في الفن، وإلى الاضمحلال في الأخلاق، وإلى الفساد والفوضي في الاقتصاد، وإلى القمع في السياسة، وإلى التجارة بالدين،... فلينظر إلى التحلل في الرغبة الجماعية... وإلى النهضة في الفردية والأنانية. فلينظر إلى الأحادية في المعرفة، وإلى الثيوقراطية في الإيمان، وإلى الهوس في الدين، وإلى الصنمية في الرآي... فلينظر إلى ادعاء امتلاك الحقيقة الاجتماعية، ورفض الآخر من باب أنه آخر، فلينظر إلى الحروب... إلى الإبادة... إلى طمس حضارات، وإزالة ثقافات من على خريطة العالم!
حقاً، هذا هو العالم الَّذي أفرزته الخمسمائة عام الماضية. أنه العالم الَّذي شرع يرنم ترانيم هلاكه على مذبح الإله الأبطش: الرأسمالية، بقيادة كاهن معبدها: اقتصاد السوق، وفي هستيريا جماعية أطلق خدام المذبح (المرصّع بالدولار) بخور الجنائز بعد أن تليت عليه إصحاحات من كتاب الانحطاط في معابد "وول ستريت" وفروعها في طوكيو وبرلين ونيويورك وباريس!
ها هي الآلهة اليونانية العائدة في صيغة هندية، تعود من جديد. إله السوق. إله الرأسمالية. إله الإمبريالية، الثلاثة في واحد (أمين)؛ إنهم في إله واحد نهم عطش إلى مزيد من دماء الشعوب الَّتي اختلطت بأوراق "النقد" في خزائن "صندوق" الموت الحامل لعرش أسياد العالم ومفسديه، محركي الفتن فيه وجلاديه. طليعة الانحطاط أمريكا وخدام معابدها!
الجات... البنك الدولي... صندوق النقد، ثلاثة عناصر في مركب عضوي واحد. سام... يسري ببطء ويتغلغل بلا هوادة في كل خلية من خلايا اقتصاد عالمنا ولا يغادرها إلا وهي في دمائها غارقة... إنه المركَّب الَّذي يتجرعه زعافاً كل من آمن بعقيدة الوحدانية. وحدانية السوق الكريمة! الموزعة بالعدل! واتبع الكاهن الأعظم: اقتصاد السوق الواحد الأحد!
أزمة المديونية... أزمة الطاقة... أزمة النقد، تلك هي قرابين المذبح الدولاري، وأضحية العيد الرأسمالي، المسمى بالأزمة الدورية!
البطالة... الجوع... الفقر... الكساد... الإفلاس، تلك هي آلهة الفتك العوالى الساكنة في سماء عالم دنس"اليد"؛ يد الإنسان، الَّتي بفضلها انفصل عن مملكة الحيوان... تلك هي النتائج الحتمية لعبادة صنم التداول ليقرب إلى الأرباح زلفى، بعد إطاحة النصوص المقدسة الحقيقية الَّتي جاء فيها: أن الأرباح لا تلدها عذراء؛ فهي تتكون في مجال الإنتاج، لا التداول، بتفاعل قوة العمل مع وسائل الإنتاج، وأن الثمن هو المظهر النقدي الَّتي تتخذه القيمة حين التبادل، ولايفترض على هذا النحو أن يكون الثمن تعبيراً صادقاً عنها. إن الأزمة، أزمة فهم الأزمة، في بعد كبير من أبعادها تكمن في القطيعة بين القيمة والثمن على المستوى الأول، وتتبدى في الثمن نفسه في المستوى الأول مكرر. هي إذاً النتائج الطبيعية لمسخ علم الاقتصاد السياسي. إنها نتائج أولية لسيادة ثقافة واحدة، وهيمنة حضارة وحيدة ليس في إمكانهما سوى صناعة نَعش... يلفظ العالم بداخله أنفاسه الأخيرة!
التخلف... التنمية، مفردتان لا يجوز فهمهما إلا من خلال شروح كهنة المؤسسات الدولية للإبادة الإنسانية؛ فلقد سطر في كتاب الانحطاط أن التخلف هو أن تحيا عاصياً لرب السوق، مارقاً عن شريعته المدونة في ملاحق الجات المقدسة. التنمية هي محبته والفناء فيه... التخلف هو الفرار من الهلاك، أما أن تهرول نحوه فتلك هي التنمية... التنمية الَّتي تمتليء أحشاؤها بالمزيد من ضحايا البطالة والجوع والفقر والمرض... حقاً، 500 سنة من الانحطاط قاد المخبولون فيها العميان على ظهر كوكب ينتحر! ولنتقدم خطوة أخرى كي نقترب أكثر من رؤية عالم اليوم(2) وهو يقف عاجزاً عن الإجابة على السؤالين الجوهريين: ما الحياة؟ ما الهدف منها؟
- تبلغ ثروة ثلاثة من أغنى أغنياء العالم ما يعادل الناتج المحلي لأفقر 48 دولة، كما أن ثروة 200 من أغنى أغنياء العالم تتجاوز نسبتها دخل 41% من سكان العالم مجتمعين. وتوضح الدراسات أنهم لو ساهموا بـ 1% من هذه الثروات لغطت تكلفة الدراسة الإبتدائية لكل الأطفال في الأجزاء المتخلفة!
- يعيش نحو 85% من سكان العالم في الأجزاء المتخلفة من النظام الرأسمالي العالمي المعاصر!
- بلغ متوسط نصيب الفرد في عام 2005 من إجمالي الناتج القومي في الأجزاء المتخلفة نحو 1750 دولاراً سنوياً، على حين بلغ هذا النصيب 35130 دولاراً سنوياً في الأجزاء المتقدمة!
- 10% من أطفال تنزانيا يموتون خلال سنتهم الأولى من الحياة، ويقترب الدخل القومي لهذه البلد من نصف ما ينفقه الأمريكيون على ورق الحائط!
- نحو مليار شخص يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم، ومثلهم يعانون من سوء التغذية!
- 70 مليون طفل جنوب الصحراء في سن التعليم الأساسي خارج المدرسة، ويموت سنوياً أكثر من عشرة ملايين طفل قبل أن يكملوا عامهم الخامس!
- يعيش 76% من سكان العالم في بلدان فقيرة، بينما يعيش 8% في بلدان متوسطة الدخل، ويعيش 16% من سكان العالم في بلدان غنية!
- يبلغ عدد الفقراء من بين سكان العالم ما نسبته 78%، بينما نسبة الطبقة الوسطى تبلغ 11%، والطبقة الغنية 11%!
- أكثر من مليار شخص حول العالم لا يتمكنون من الوصول إلى مصدر مياه عذبة ونظيفة، وغالبيتهم من سكان الريف! وقد أفادت منظمة العمل الدولية (في: 17/1/2011) بأن أعداد الأشخاص العاطلين عن العمل في أنحاء العالم قد ارتفعت إلى معدَّلات تاريخية لتبلغ 212 مليون شخص، أو 6,6% من القوى العاملة، ومن المتوقع أن يتدهور الوضع في أوروبا. وفي التقرير السنوي بشأن العمالة في العالم، قدرت المنظمة أن 34 مليون شخص انضموا إلى صفوف العاطلين عن العمل عام 2008 و2009، مما دفع بأعداد العاطلين إلى أرقام غير مسبوقة! إضافة إلى فقدان ثلاثة ملايين شخص لوظائفهم في الاتحاد الأوروبي والأجزاء المتقدمة. وقال التقرير إنه على الرغم من الحوافز العالمية الَّتي ساعدت على تجنب كارثة اقتصادية واجتماعية أكبر، إلا أن عدد الشباب العاطل عن العمل قد ارتفع لأكثر من 10 ملايين شخصاً خلال العامين الماضيين، كما أن ملايين النساء والرجال بلا عمل أو مساعدات اجتماعية. وأشار التقرير إلى أن 633 مليون عامل وأسرهم كانوا يعيشون على أقل من 1,25 دولار في اليوم عام 2008!
- في الأجزاء المتخلفة نجد أن نسبة 33,3% ليس لديهم مياه شرب آمنة أو معقمة صالحة للشرب والاستعمال، و25% يفتقرون للسكن اللائق، و20% يفتقرون لأبسط الخدمات الصحية الاعتيادية، و20% من الأطفال لا يصلون لأكثر من الصف الخامس الإبتدائي، و20% من الطلبة يعانون من سوء ونقص التغذية!
- تمتلك الدول الصناعية 97% من الامتيازات العالمية كافة، كما تمتلك الشركات دولية النشاط 90% من امتيازات التقنية والإنتاج والتسويق. وإن أكثر من 80% من أرباح إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في الأجزاء المتخلفة يذهب إلى 20 دولة تنتمي إلى الأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي العالمي! (3)
- بينما يموت 35 ألف طفل يومياً بسبب الجوع والمرض، ويقضي خمس سكان البلدان المتخلفة اليوم وهم يتضورون جوعاً، تقل المساعدات المخصصة للدول الفقيرة عن طريق منظمة الأمم المتحدة عما تنفقه تسعة من البلدان المتقدمة على غذاء القطط والكلاب!
- مليار جائع في العالم معظمهم أطفال بإفريقيا وآسيا!
- معدل المخاطر الَّذي تتعرض لها المرأة الحامل في الجنوب، يزيد 300 مرة عنه في الشمال!
- يسيطر20% من سكان العالم على 80% من الموارد الطبيعية!
- الغالبية العظمى من وفيات الأمهات (أكثر من 99%، حسب وكالات الأمم المتحدة المشتركة عام 2005) حدثت في الدول النامية، وحدث نصفها (265,000) في إفريقيا جنوب الصحراء، كما حدث ثلث آخر منها (187,000) في جنوب آسيا، وقد شكلت هاتان المنطقتان فيما بينهما نسبة 85% من وفيات العالم المتعلقة بالحمل والولادة، وشكلت الهند وحدها نحو 22% من المجموع العالمي للوفيات. وطبقاً لليونيسيف كذلك فإن معدلات وفيات المواليد تصل إلى 45% في غرب ووسط أفريقيا، ونحو 40% جنوب الصحراء. بينما لا تتعدى هذه المعدَّلات نسبة 2% في دول وسط أوروبا!
- يسيطر20% من سكان العالم على 83% من الثروة، و82,7% من المنتج العالمي، و81,2% من التجارة العالمية، و96,6% من القروض التجارية، و80,6% من المدخرات، و80,5% من الاستثمارات، و94% من بحوث العمليات!
- طبيب لكل 647 فرداً في سويسرا (8 مليون نسمة). وطبيب لكل 57300 فرداً في بوركينافاسو (17 مليون نسمة)!
- في نيجيريا، وحيث يبلغ عدد السكان نحو 175 مليون نسمة، فإن70% من هؤلاء يعيش على أقل من دولار واحد في اليوم. وفي نيجيريا كذلك فإن معدَّلات الفقر في الريف تقدر بحوالي 64% في عام 2004، وهي أعلى بمقدار مرة ونصف تقريباً من معدلها في المدينة الَّذي يبلغ 43%، وعلاوة على ذلك فإن معدَّل الفقر في الإقليم الشمالي الشرقي يبلغ 67%، وهو ما يعادل تقريباً ضعفي مستوى الفقر (34%) في الجنوب الشرقي باعتباره أكثر ازدهاراً!
- يموت يومياً 50 ألف شخص لأسباب مرتبطة بالفقر!
- يبيت 800 مليون إنسان جوعى بشكل يومي!
- 880 مليون إنسان لا يتمتعون بالخدمات الصحية!
- الجوع وسوء التغذية يوديان بحياة نحو 6 ملايين طفل سنوياً!
- يعاني نحو 850 مليون شخص سوء التغذية في مختلف أرجاء العالم، بمن فيهم 815 مليون في البلدان النامية، و28 مليون في البلدان الَّتي تمر بمرحلة انتقالية، و9 ملايين في البلدان الصناعية. وبوجه عام تؤكد الأرقام أن كل شخص لا يعاني من نقص التغذية المزمن على الصعيد العالمي، يقابله تسعة أشخاص يعانون من هذا الداء!
- في الأجزاء المتخلفة، وبسبب الملاريا: 530 ألف إمرأة تلقى حتفها أثناء الحمل والولادة، و300 مليون إصابة، وأكثر من مليون حالة وفاة!
- في عام 1999 أصدر البنك الدولي تقريره السنوي عن التنمية في العالم تحت عنوان "المعرفة من أجل التنمية". وفي هذا التقرير أقر البنك بأن الفجوة في المعرفة، وليس في الدخل، أصبحت هي المحدد الرئيسي لتقدم الأمم، وأكد أن الفجوة في القدرة على اكتساب المعرفة بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة، أوسع من فجوة المعرفة ذاتها. وفي ابتعاد ملحوظ، ولأول مرة، عن نهج الحرية الاقتصادية المطلقة، شدد التقرير على الحاجة إلى دعم الدولة لجهود اكتساب المعرفة، حيث تعرف سوق المعرفة بالفشل، إذ لا يكفي حافز الربح وحده لتنشيط إنتاج المعرفة، فتبقى احتياجات الفقراء، والضعفاء عامة، من المعرفة غير مشبعة!
- عبر بوفييه عن تطور"سوق الفن"حسب المواصفات الأمريكية بقوله:
"الجهل في الرسم قد أرسيت قواعده، وكلما كان الفنان جاهلاً اعتبروه رائداً، ليس مهما أن تدرس أو ترسم، كل ما يهم هو أن تبحث عن أشياء جديدة، مهما كانت، حتى إن كانت لوحات من براز الإنسان، إذ أن المقياس أصبح مالياً ولم يعد جمالياً"(4).
- إن النظرية الاستهلاكية الأمريكية (المشبعة بقوانين السوق) دخلت عالم الفن، وحددت قواعد سوق الفن. فالمعيار الوحيد هو الغرابة، واجتذاب المتحذلقين من المشتريين، وإدخال التبذير في سوق الفن. تماماً كما عبر أحد التجار:
"يجب، وبأي شكل إدخال الطريقة الأمريكية: إن الأشياء عندما تتقادم تصبح متخلفة في عالم الأعمال الفنية. يجب أن نعلّم مقتني وجامعي اللوحات إلقاء اللوحة في صندوق القمامة حين تصبح قديمة، مثلها مثل السيارة أو الثلاجة، عندما تأتي لوحات أخرى جديدة لتحل محلها".(5)
- وفي عام 1991 باعت صالة كريستي الشهيرة "لوحة" للرسام دي كونينج، أحد المشاهير الَّذين تم تسويقهم إعلامياً، مع فرساتشي، وكلفن كلاين، وأرماني، من أجل إفساد الذوق العالمي! بنحو مئة مليون دولاراً.
- في أثر تفكك الاتحاد السوفياتي، وانتشار الدعارة على أوسع نطاق، تم اجراء دراسة على فتيات المدارس الروسيات بعمر الخامسة عشرة، فأعربت70% منهن عن رغبتهن بأن يصبحن مومسات، في حين كن قبل
ذلك بعشر سنوات يرغبن في أن يصبحن رائدات فضاء وطبيبات ومعلمات!
- تم تقدير قيمة للدعارة على الصعيد العالمي عام 2010 بما يعادل 175 مليار دولار!
- تعد إسرائيل من أكبر موردي البغايا "السلافيات" على الصعيد العالمي، وبحسب تقديرات عدة مصادر، يبلغ عدد الرجال الإسرائيليين الَّذين يستعينون بخدماتهن المليون رجل في كل شهر. ووفقاً لما أوردته لجنة الاستيضاح البرلمانية الإسرائيلية، فإنه يتم الإتيان بحوالي 3,000 إلى 5,000 إمرأة (من الاتحاد السوفياتي السابق) إلى إسرائيل سنوياً وبيعهن للعمل فى مجال الدعارة... وتعمل هؤلاء النسوة 7 أيام في الأسبوع بمعدل يصل إلى 18 ساعة يومياً، ولا يحصلن إلا على 20 شيكلاً (ما يعادل 4,5 دولار) من أصل 120 شيكلاً (27 دولاراً) يدفعها العميل. ويتم الاتجار بهن في مقابل أسعار تتراوح بين 8,000 إلى 10,000 دولاراً للمرأة الواحدة!
- إن مَن يعلنون أنفسهم مدافعين عن"حقوق الإنسان" على الصعيد العالمي، والذين يجتمعون دائماً لمكافحة الإرهاب، هم الَّذين شربوا نخب الإرهاب في كؤوس من جماجم البشر، وانتشوا حتّى أطاحوا كل ما هو مقدس! هم في الحقيقة رؤساء الدول الأكثر إرهاباً في تاريخ العالم وحاضره؛ وهم أبشع المعتدين على حقوق الإنسان. وليس تاريخهم القديم وحده هو الدليل على ذلك (إبادة الهنود، واستعباد الزنوج، وشن الحروب واستعمار الدول والقارات) وإنما جرائمهم تتواصل، مثل البشاعة الأمريكية في فيتنام حين استخدم النابلم على نطاق واسع. وليس عنا ببعيد قذف الشعب الأفغاني الأعزل البائس بأطنان من القنابل!
- هم كذلك المسئولون عن قتل ما يزيد عن 250 ألف طفل لا تزيد أعمارهم عن خمس سنوات في المستشفيات وخارجها، بإصرارهم على فرض الحصار على العراق، والآن إشعال نار الفتنة وتركه، إن حدث، خرباً. ولن ينسى التاريخ خبراء التعذيب والإبادة في رواندا؛ مما أسفر عن 400 ألف قتيلاً. كذلك توريد السلاح للحكومات الدكتاتورية وتمويلها، لا لشيء سوى "حفظ السلام، وتحقيقي الأمن والأمان"، وهي الأهداف النبيلة الَّتي تتحقق على رفات الشعوب... ملايين القتلى وملايين الجرحى!
- هم الَّذين ساندوا سفاح جواتيمالا(جراماجو) وطاغية كوريا الجنوبية (تشون) والعميل الزائيري (موبوتو سيسي سيكو)، وهم الذين وضعوا شامورو على سدة الرئاسة في نيكاراجوا، وأطاحوا محمد مصدق في إيران، وسوكارنو في إندونيسيا، وباريستد في هاييتي! وهم أيضاً الذين أداروا مذبحة ريوسومبول على الحدود السلفادورية الهندوراسية! وهم ذاتهم الَّذين توجهوا إلى أفغانستان وأشعلوا نار الحرب كي يتمكنوا من ضبط أسواق الأفيون والتحكم في إنتاجه!
هذا هو عالم اليوم، وما ذكرناه لا يمثل سوى جزءً يسيراً تتمكن من الإضافة إليه كما يحلو لك. عليك فقط أن تمسك بواحد من آلاف التقارير الصادرة دورياً عن المنظمات أو المؤسسات الدولية المعنية عن أحوال الجوع والفقر والمرض والتنمية، وسيصيبك الاندهاش لتجاهل تلك التقارير من قبل النظرية الرسمية، ولسوف تتيقن من أن هذا العالم بحالته الراهنة، ونظامه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الراهن لا يستطيع بحال أو بآخر التقدم لإعطاء إجابة بشأن ما الحياة؟ وما الهدف منها؟
الأمر الَّذي يحتم علينا البحث عن الخلاص من خلال مشروع حضاري لمستقبل آمن. مستقبل إنساني. مستقبل يطمح خلاله الإنسان إلى أكثر من وجوده. مستقبل يبدأ من نهاية الاقتصاد السياسي للرأسمالية، وبزوغ آفاق جديدة تحمل معها المشروع الحضاري لمستقبل إنساني آمن. وهو الأمر الَّذي بات مطلباً ملحاً في تلك المرحلة من عمر النظام الرأسمالي، إنها المرحلة الَّتي معها نرى السهم آخذاً في اتجاهه نحو الهبوط، نحو الانهيار. وحينما يصل السهم إلى منتهى انحداره لن يكون للبشرية سوى المشروع الحضاري الَّذي يرسم للبشرية مستقبلها الآمن. المشروع الَّذي يضع أسس نظامٍ أخر بديلاً لذلك النظام الَّذي أخذ فرصته كاملة خلال خمسة قرون من الإبادة والجوع والمرض والفقر. قرون خمسة لم تسفر إلا عن تجويع ربع سكان الكوكب وإبادة الربع الآخر، وتشريد الربع الثالث! ولم يزل الجرح نازفاً ولم تزل، كما قال جاليانو، الشرايين مفتوحة!







اخر الافلام

.. مكافحة الإرهاب... الفكر والفكر المضاد


.. هل تدفع بريطانيا ثمن إيواء الجماعات الإرهابية


.. أطماع إيرانية... ذراعها حرس ثوري




.. الحصاد-مدنيو الموصل.. خارج حسابات العبادي


.. الحصاد-سيناء.. هجمات تتطور وتتوسع