الحوار المتمدن - موبايل



أنا الشيطان

مصطفى برشيد

2016 / 5 / 14
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني



أنا الشيطان


أنا أصل البلايا ورمز الشرور ، أنا زعيم الخطايا والآثام ، أنا قائد الحروب وسفاك الدماء ، أنا داهية الغواية وملك الظلام ، أنا إبليس العظيم ...

أيها السيدات والسادة ..أقدم لكم نفسي :أنا الشيطان.

اختلفت الأديان التعددية ثم التوحيدية في كثير من الأمور الأساسية بدءً من هيئة الآلهة والإله وانتهاءً بالأحكام والتعاليم ، ولكنها جميعاً اتفقت على وجودي ، وتناقلت ذات قصة نشأتي ، وجاء الإسلام بصفته آخر الأديان التي تسمونها سماوية وشكل صورتي الحالية في أذهانكم.

يقال أنني كنتُ ملك الجن وكبيرهم ، خلقني الله من النار ، ولا أدري ما حاجة الله إلى مادة خام ليخلق أي شيء رغم كماله وقيامه أصلاً بصنع الكون من العدم ، ولكنني على أي حال كنت أرفل في الديباج وأستمتع بالتسكع في جنبات الجنة دانية الثمرات ،سعيداً هانئاً لا يعكر صفوي شيء ، حتى خطرت ببال الله فكرة غريبة مفاجأة ، أن يخلق إنساناً واحتاج مجدداً لمادة أولية وهذه المرة اختار الطين.

هنا يقوم الله باستشارة الملائكة في الأمر حيث أخبرهم أنه يريد أن يجعل في الأرض خليفة ، واكتفى بذلك فلم يوضح لهم أن هذا الخليفة سوف يتناسل ويتكاثر ويخوض الحروب ويسبب المآسي ، لكن بطريقة ما استطاعت الملائكة أن تعلم الغيب وتدرك كل شيء سوف يحدث مستقبلاً فسألوا الله مستنكرين جميعاً بصوت واحد:

- أتجعل فيها من يسفك الدماء؟!!

و"فيها" هذه راجعة على الأرض ، التي هي كوكب هامشي يقع في زاوية إحدى المجرات العالقة في كون شاسع والتي ظلت خالية من الحياة ملايين السنين! ثم أخذت الملائكة تمن على الله أنهم يسبحون له ويقدسونه كما يحب وأكثر ، آملين ان يصرف النظر عن قراره الغريب ، طالما أنهم قائمين بواجب التملق الذي يحبه ويطرب له مما يغني عن البشر وإزعاجهم ، ولكن الله لم يقتنع وأخبرهم أنه يعلم ما لا يعلمون ، وكان يفترض به أن يخبرهم لماذا استشارهم منذ البدء طالما أنه يعلم وهم لا يعلمون!

نظرت إلى هذا المخلوق فوجدته تمثالاً من طين لازب أو حمأ مسنون أو لا أدري ماذا ، فأخذت أتسلى بالدخول من فيه والخروج من دبره والدخول من تلك الأذن وأخرج من الأخرى وأنا أضحك مسروراً ، والغريب أن الله لم يمنعني من العبث بهيكل خليفته في الأرض وتركني ألهو مبتسماً ، حتى قرر أن ينفخ في آدم من روحه فبدأ الموضوع يأخذ جدية أكثر، وبشهيق إلهي كبير ثم نفخة في الطين الأجوف وإذا به يصير إنساناً بشراً حياً ،ثم قام الله بجمع الملأ الأعلى كله في اجتماع طاريء ، وأنا من بين الحضور ، وأمر الجميع بالسجود لآدم دون إبداء الأسباب.

فكرت بسرعة: الله يقول بأنه المعبود الأوحد ، ولا يجوز السجود لسواه ، فلماذا هذا الأمر الغريب وغير المبرر؟ لم أفهم ، ولهذا أبيت السجود لمخلوق كما سبق أن أمرني الله بنفسه ، ولستُ معنياً بأن يغيّر رأيه فجأة بعد أن أرسى القواعد.

هنا بدأ الله يغضب مني بالفعل ، فاحمرت عيناه وانتفخت أوداجه ، ولكنه بكل حلم سألني:

- ما الذي منعك أن تسجد له؟

فأجبته على البديهة لأبين له الفرق الذي فاته:

- خلقتني من نار وخلقته من طين.

توقعت أن الله سوف يعاقبني فوراً على عصيان أمره خصوصاً أنني أعرفه مهووساً بالطاعة والامتثال لكل ما يعنّ له ، لكنه هذه المرة بدا صبوراً لدرجة أنه أمهلني دهوراً أعيشها دون عقاب ، وذلك بمجرد أن طلبت منه أن ينظرني إلى يوم يبعثون ، فاقسمت به رغم عدم سجودي له أنني سوف أغوي معظم البشر من أحفاد آدم إلا عدداً محدوداً من المؤمنين به المطيعين له ، وقد صدقني الله وقبل اقتراحي رغم أنني شيطان! ونسى في خضم حماسه أنني مجرد شيطان طائش لا أعرف أي شيء عن المستقبل ، ولم أكن أعرف بعد أنني سأتمكن من آدم لاحقاً وأغريه بعصيان الله ، وأنه سوف ينزل إلى الأرض مع حواء ويبدآن في التناسل وصنع المشاكل البيئية ، بفضل وسوستي المستمرة لهم أنا وأعواني من شياطين الجن والإنس الخاضعين لدهائي منقطع النظير الذي سوف أتحصل عليه بفضل عمري الطويل جداً على الأرض وخبراتي المتراكمة ، لم ينتبه الله إلى هذا لحسن حظي ولم يسألني من أين عرفت ما سوف يحدث!


ثم رُفعت الجلسة وذهب كل منا في حال سبيله ، أما آدم فقد أخرج لي لسانه ثم غادر برفقة الله ليتعلم منه الأسماء كلها ، وقد استطاع أن يتعلم كل الأسماء بدون استثناء منذ الديناصورات وحتى آخر إنسان و في وقت قياسي مما أثار حفيظتي ، وقررت أن أبدأ في تنفيذ الخطة التي عرفت أنها ستحدث بطٌرقي الخاصة سلفاً ، فأغريت آدم وحواء بالأكل من ثمار الشجرة المحرمة ، وقد نجحت في ذلك من المحاولة الأولى ، وباقي القصةأنتم نتيجته وتعرفونه جيداً.


بعد أن أصبحت معكم على الأرض وجدت نفسي أنصب الفخاخ لكم بكل مكر ، ولا ذنب لي في ذلك فأنا أنفذ ما كلفني الله به يوم وافق على اقتراحي بالعمل على إفساد الأمر كله والتسبب في حرق أكبر نسبة ممكنة من أبناء آدم في جهنم إلى الأبد ، ولا أدري لماذا تكرهونني على طاعتي لله والتزامي بكلمتي معه طيلة الوقت ، إذا كان هناك أحداً جديراً بالكراهية فهو الله لا أنا ، لأنه هو من سوف يقوم بحرقكم بعد أن قمت بإيصالكم إليه كما سمح لي ، ولكنكم بدلاً من ذلك تتعوذون به مني رغم تشجيعه لي على إغوائكم منذ البدء ، وجعلي مختفياً أراكم ولا ترونني وأحدثكم وأتلبس بكم ولا تستطيعون ضدي من ذلك شيء!
لاحظوا أنني محروم من القدرة على التوبة وإصلاح خطأي على عكسكم أنتم ، وأنني أعرف يقيناً أن مصيري إلى النار في نهاية المطاف حتماً، وومع ذلك لم أتوانَ لحظة عن القيام بمهمتي على الوجه الأمثل في ظنكم دون أن أطمع في أي جزاء على مجهوداتي المتواصلة ، بل سوف يعذبني الله بدلاً من مكافأتي ، على طول الخط سواء قمت بمهمتي أو لم أقم!


أيها السيدات والسادة ..كما ترون..قصتي ملأى بالثغرات التي تؤكد عدم منطقيتها ، وتدل على أنني من ابتكار خيالكم البسيط ضمن الآلهة والأديان الخرافية.

واجهوا الحقيقة فما أنا إلا شخصية وهمية اخترعتموها لتتنصلوا من نوازعكم الشريرة وتتهموني بأنني السبب من ورائها ، وكلما جائكم معتوه يدعي النبوة صدقتموه وألصقتم بي كل ما يخالف تلفيقاته باسم الله المشخصن الخيالي بدوره ، فأنا أكبر مظلوم وهمي على مر التاريخ الإنساني

لم أسلم من خبث الله المزعوم ولا خبثكم الحقيقي ، ورغم أنني مجرد خرافة إضافية إلا أنكم تصرون على أنني حقيقة إصراراً عجيباً.







اخر الافلام

.. بروفايل:سيمون غرونوفسكي..يهودي نجا من المحرقة النازية..ما ال


.. الفلبين.. مطالب بتشريع الطلاق في مواجهة الكنيسة والمجتمع الم


.. دعوات لحماية التراث اليهودي في لبنان بعد اعتداءات على مدافن




.. ألمانيا: محاكمة لاجئ سوري اعتدى بالضرب على شخص يرتدي قلنسوة


.. كيف استقبل التونسيون زواج المسلمة بغير المسلم؟