الحوار المتمدن - موبايل



أصدقاء سورية كأعداء

سلامة كيلة

2016 / 6 / 16
مواضيع وابحاث سياسية


هل من أصدقاء للشعب السوري؟ هكذا سمت العديد من الدول الإمبريالية والرجعية ذاتها، وتعاملت مع المعارضة السورية تحت هذه “اليافطة”. لكن هل هم أصدقاء؟


ليس المهم ما تقول هذه الدول بل المهم ما يمارسون، فأيًّ كان يمكن أن يدعي ما يريد، لكن المهم ما يمارس. وهذا يفرض تجاهل التصريحات والادعاءات والتركيز على المصالح والممارسة. لهذا حين نبحث في مواقف الدول التي ادعت أنها تدعم الشعب السوري لا بد من التدقيق في مواقفها الفعلية، وخصوصاً في مصالحها. ولا شك أنه بعد خمس سنوات من الثورة توضحت أكثر مواقف دول ادعت أنها تدعم الشعب السوري، وظهر أن الدعم لا يتعدى الكلام.



“أصدقاء سورية” هم أميركا وفرنسا (وأوروبا عموماً) وتركيا والسعودية وقطر بالخصوص، وهي الدول “المؤثرة”، رغم أن اجتماعات “أصدقاء سورية” تضم الكثير من دول العالم. ولا شك في أن هذه الدول هي المؤثرة، والتي تتصدى لـ “دعم الشعب السوري”. فهل أن هذه الدول تدعم الشعب السوري؟ وتساعده في ثورته من أجل “إسقاط النظام”؟



المسافة متسعة بين الكلام والواقع، وربما كان “اكتشاف” تواطؤ أميركا مع روسيا بعضاً من المشكلة. ولن يكون مستغرباً ذلك إذا ما عملنا النظر في مصالح الدول، وأولوياتها، وكذلك استراتيجياتها. والتصريحات غالباً مع تغطي على كل ذلك، هذا هو هدف التصريحات عادة. فالتغطية على السياسة الفعلية سياسة تمارس دائماً، لأن المهم هو تحقيق المصالح.



المسافة متسعة بين الكلام والواقع. والتصريحات غالباً مع تغطي على مصالح الدول، وأولوياتها، وكذلك استراتيجياتها. هذا هو هدف التصريحات عادة، فالتغطية على السياسة الفعلية سياسة بحد ذاتها تمارس دائماً.





ربما كان كل من السعودية وقطر وتركيا وفرنسا وأميركا هي الدول الأساس في مجموعة “أصدقاء سورية”. وهم الذين تصدوا لـ “دعم الشعب السوري”. لكن في الواقع سيظهر أن الوضع مختلف تماماً، وكان هؤلاء ممن أسهم في الوصول إلى حالة الاستعصاء القائمة، وإلى حالة التشوه التي تعيشها الثورة. إن كل هؤلاء يقفون ضد الثورة، كل ثورة، ولن يكونوا داعمي شعوب تريد التغيير، وبالتالي سيكون كل تصريح لهم حول “دعم الشعب” (وليس الثورة) هو تغطية على سياسة أخرى. فكل من هؤلاء كان يريد تدمير الثورة، وحاول بعضهم استغلالها من أجل تحقيق مصالحه، لكن عبر تشويهها. وكلهم كانوا ينظرون إلى الثورة السورية من منظور امتداد الثورات من تونس وصولاً إلى سورية، وبالتالي كانوا في حالة رعب من توسعها عالمياً. ولهذا كان كل تدخل من قبلهم يهدف إما إلى تشويهها وتخريبها، أو وضعها ضمن إطار يحقق مصالح هذا البلد أو ذاك عبر الشغل على فرض تدخل عسكري “خارجي”. وكل هؤلاء لعبوا بالمجموعات “الجهادية” في هذا الإطار.



لقد وقفت السعودية ضد كل الثورات العربية، احتضنت بن علي، وسحقت ثورة البحرين، وتدخلت في اليمن لإفشال الثورة عبر “المبادرة الخليجية”، ودعمت تدخل الأطلسي في ليبيا، وتعاطفت مع حسني مبارك. فهل كانت مع الثورة السورية؟ بالتأكيد لم تكن مع الثورة، وكل ما يتردد عن تناقضها مع النظام نتيجة تحالفه مع إيران ليس حقيقياً، لأنها تصالحت مع النظام سنة 2010، وأعادت علاقتها الوثيقة به. وبالتالي كان همّها يتمركز حول امتداد الثورات من تونس إلى مصر واليمن والبحرين وليبيا وسورية، أي أنها أصبحت محاطة بالثورات، في وضع داخلي هش، ظهر من خلال توزيع الملك عبدالله الأموال “على الشعب”. هذه هي النقطة الجوهرية في الموقف السعودي، لهذا نسَّق مع النظام منذ البدء، ودعمه مالياً، وعمل على تنفيذ مخططه لأسلمة الثورة، بدءاً بتصدُّر عدنان العرعور وقناتي صفا ووصال، وتعميم قناة العربية لصورة تُظهر الثورة كحراك “إسلامي”، وصولاً لـ “شراء” كتائب مسلحة وفرض اتخاذها أسماء إسلامية، وصولاً إلى دعم كبير لجيش الإسلام. وكان الهدف السعودي هو تدمير الثورة عبر تفكيكها وإدخالها في متاهات الأسلمة، وصل الأمر إلى حدّ دعم جبهة النصرة من خلال “تصدير” “الجهاديين”، وأيضاً بالتعاون مع النظام.



ويمكن أن نشير على ضوء ذلك أن موقف السعودية من النظام مرَّ بمرحلتين، الأولى تتمثل في الدعم الكامل لسياسة النظام سراً، مع موقف عام علناً. ولقد استمرّ ذلك إلى بداية سنة 2013، حيث بدأت المرحلة الثانية بتدخل إيران عبر حزب الله، ثم عبر الميليشيا التي ترسلها من العراق، وأخيراً عبر الحرس الثوري، وتطور دورها إلى أن باتت تهيمن على القرار في دمشق، في هذه المرحلة أصبح موقف السعودية قائماً على استمرار تعزيز الكتائب الأصولية، لكن باتت تطرح ضرورة رحيل الأسد بهدف إبعاد إيران (وهذا ما جعلها تغض النظر عن التدخل، أو الاحتلال، الروسي، الذي بات هو المتحكم بالقرار). هذا الأمر هو الذي يجعلها تتمسك برحيل بشار الأسد إلى الآن على الأقل، لكن العلاقة المتطورة مع روسيا يمكن أن تجعلها تقبل كذلك بالمنظور الروسي.



إذن، كانت السعودية على علاقة جيدة قبيل الثورات، وعملت على تدمير الثورة بالتنسيق مع النظام، ونجحت إلى حدّ كبير، ومن ثم باتت معنية بوضع الأسد فقط. وكل حديث عن دعم سعودي لا يعبِّر سوى عن أوهام، أو مصالح. السعودية ربما كان تلعب الدور الأخطر دون الثورة السورية، وهذا ما كان يجعلها في “تناقض” مع كل من قطر وتركيا.



لقد كانت تركيا، وكذلك قطر، حليفين للنظام، وكانا في أساس “محور الممانعة”، حيث حصلا على مصالح اقتصادية كبيرة من النظام. مع تركيا، وقّع النظام اتفاقاً استراتيجياً، وفتح السوق السوري للسلع التركية، ولمرور السلع إلى الخليج العربي، وأيضاً لنشاط الشركات التركية التي غزت سورية. وكان كل ذلك جزءاً من المشكلة التي أدت إلى انهيار قطاعات اقتصادية وتزايد البطالة والفقر. هذه العلاقة الوثيقة جعلت الحكومة التركية تضغط على النظام لكي يجري إصلاحاً سياسياً لكي لا يكون مصيره كمصير النظم التي سقط رؤساؤها. الأمر الذي جعل داوود أوغلو يتبع سياسة مكوكية لأشهر من أجل ذلك، قبل ان تتخذ تركيا موقفاً “متشنجاً”، ويسارع إلى فرض التدخل، ومن ثم تشكيل معارضة مسيطر عليها من قبل جماعة الإخوان المسلمين هي الخيار الذي أرادت فرضه. وأيضاً لم تحسم قطر موقفها من النظام لأشهر، قبل أن تعمل مع تركيا (ولقد دخلت فرنسا على الخط) من أجل تشكيل بديل يحافظ على مصالحهما في سورية، أي يكون تابعاً لهما (ولفرنسا). لهذا عملت على تعزيز وضع الإخوان المسلمين، والتحشيد على أمل التدخل العسكري. وكل ذلك كان يضرّ بالثورة، حيث كان الإخوان هامشاً صغيراً فيها، لهذا عملت الجماعة على الأسلمة منذ الأشهر الأولى، والنقل المشوه لمسار الثورة. كما كان التدخل العسكري مضراً كذلك، ومدخلاً لتبرير تدخل إيران وحزب الله، ثم روسيا.



إن مواقف هذه القوى بنيت على مصالح تحصلت عليها من النظام، لهذا اشتغلت على “فبركة” معارضة لكي تكون بديلاً يلتزم مصالحها. ولا زالت تقاتل من أجل مصالحها، ولهذا باتت تتناقض مع روسيا التي أتت لكي تفرض مصالحها، واختلفت مع أميركا التي “باعت” سورية لروسيا منذ أمد. وهذا الأمر هو الذي جعلها تسهّل دخول “الجهاديين”، وخصوصاً داعش، وتحاول الاستفادة منها لتقزيم وضع الأكراد، وهو ما تعتبر أنه الخطر الرئيسي عليها. ومن ثم تبنت، مع قطر، جبهة النصرة وأحرار الشام. وعززت من الطابع الأصولي للكتائب المسلحة.



وتركيا الآن تصارع لكي تبعد روسيا بعد أن حطت القوات الروسية في سورية. وتدعم ترحيل بشار الأسد لكي توجد لها موقعاً في “النظام” الذي يجري تشكيله. وربما كانت الطرف الأكثر تشدداً في سورية، بالضبط لأنها تريد أن تكون هي المسيطر فيها وليس روسيا أو إيران، بعد أن كان وضعها أفضل من إيران قبل الثورة. وفي كل ذلك لم تكن مع الشعب السوري، رغم احتضان أكثر من مليوني لاجئ سوري، بل كانت ولا زالت مع مصالحها التي تعني السيطرة على الاقتصاد السوري، وبالتالي على السلطة. وخيارها مع قطر (وحتى فرنسا) هو توصيل الإخوان المسلمين للسلطة كطرف مهيمن، رغم رفض الشعب لهم، وهامشية وجودهم، وبعد كل التخريب الذي قامت به في الثورة.



وإذا كانت فرنسا قد شكلت تحالفاً مع تركيا وقطر في السنوات الأولى للثورة، ولا زالت تصرّ على “دعم الشعب السوري”، وعلى رحيل بشار الأسد، فربما أدت العمليات الإرهابية في باريس إلى ارتباك كبير في موقفها، حيث بدت أنها تعتبر “الحرب ضد داعش” هي الأساس، وبالتالي أن تميل للتقارب مع روسيا، رغم أن العمليات كان هدفها، أولاً جرّ فرنسا للتدخل العسكري، بما في ذلك البري، وثانياً أن تميل للتقارب مع روسيا، وقبول منظورها السوري. ورغم التمسك اللفظي برحيل الأسد ربما تقبل أخيراً بهذا المنظور.



إن مواقف الدول تعتمد على المصالح وليس على الأخلاق أو القيم، ولهذا وإن لامست مصالح تلك الدول بعض مطالب الشعب السوري إلا أنها في النهاية ستقبل بما يناسب مصالحها وليس مطالب الشعب السوري



في كل ذلك نجد أن المواقف تعتمد على المصالح وليس على الأخلاق أو القيم، ولهذا فإذا لامست بعض مطالب الشعب السوري فإنها في الأخير تقبل بما يناسب مصالحها وليس مطالب الشعب السوري. ولا شك في أن التشدد في رفض “النظام” (أي بشار الأسد) يكون نتيجة شعور الدولة بأن مصالحها سوف تنهار نتيجة الوضع الجيوسياسي، وليس لأنها تتمسك مبدئياً بذلك. لهذا حين يتغيّر الوضع سوف تقبل ما ترفضه الآن. هذا ما يظهر في الموقف التركي خصوصاً، حيث تظهر تركيا كخاسر أساسي رغم مصالحها الكبيرة السابقة، ورغم احتضانها للعدد الأكبر من اللاجئين السوريين. أما الدول الأخرى (السعودية وقطر وفرنسا) فيمكن أن تتراجع عن “تشددها” بعد أن تحقق مصالحها، أو بعض مصالحها.



وإذا كان التصور الرائج بأن أميركا كانت ضد النظام ومع الثورة، فإن الواقع كان يوضّح غير ذلك. فقد كانت تميل إلى الانسحاب من “الشرق الأوسط”، وبالتالي إذا حاولت الالتفاف على الثورات في تونس ومصر، ودعمت الدور السعودي في اليمن، وتدخلت بعد تردد في ليبيا، قررت أن تكون بعيدة عن الوضع السوري، حيث لم يعد في أجندتها لا تغيير النظام (ولقد تصالح أوباما معه)، ولا الشعور بأنها معنية بها. هذا ما ظهر في تصريحات مسؤوليها خلال العام الأول من الثورة، حيث اتخذت موقفاً عاماً، ينتقد العنف ويدعو إلى الإصلاح، ولم ينطق اوباما برحيل بشار الأسد إلا متأخراً، وبشكل موارب، حيث قال أنه يبدو أن الشعب السوري يريد رحيل بشار الأسد. منذ بداية سنة 2012 أفهمت روسيا أن عليها أن ترعى مرحلة انتقالية في سورية كما حدث في اليمن.



منذ هذه اللحظة تمركز النشاط الأميركي في ترتيب وضع المعارضة بما يتناسب مع الحل الروسي. وإذا كانت المعارضة لم تفهم ذلك حينها فلأن أوهامها كانت تقود إلى أنها ستكون “الطرف الآخر” في النظام الذي يشكله الروس. ولم تلمس مشكلة الموقف الأميركي، ويجري رفض المنظور الروسي إلا حينما ظهر واضحاً أن روسيا تريد بقاء بشار الأسد، وأن أميركا لا تمانع في ذلك.



أميركا “لا تمانع” كل التدمير والقتل والتشريد الذي يمارسه النظام، بل إنها رأت أن ما يتحقق هو ربما أكثر مما حققته في العراق، في منظور سياستها في إعادة المنطقة إلى “العصر البدائي”.





لكن يجب أن نفهم الموقف الأميركي من زاوية أخرى، فقد كان همها تدمير الثورة، ومجمل المسار الثوري، ولهذا كانت أميل لدعم الموقف السعودي في السنتين الأوليين. ومن ثم وافقت على تعميم دور “الجهاديين” الذي بدأه النظام وإيران، وسهّلت له تركيا، ووسّعت الأمر بتعميم “الحرب ضد داعش” لكي تتدخل لفرض مصالحها في العراق، وبالاتكاء على سورية. وبهذا ظهر أنها “لا تمانع” كل التدمير والقتل والتشريد الذي يمارسه النظام، حتى بعد أن تدخلت إيران، ورأت أن ما يتحقق هو ربما أكثر مما حققته في العراق، في منظور سياستها إعادة المنطقة إلى “العصر البدائي”.



هؤلاء هم “أصدقاء سورية”، بكل الأبهة التي تليق بهم، وكل خطابات المديح التي أطلقتها أطراف المعارضة، والأوهام التي عممتها حول دورهم. ونتيجة كل ذلك لم تسلّح الكتائب المسلحة بما يجعلها قادرة على حسم الصراع، ورفضت حسم الصراع أصلاً لأنها تريد “الحل السياسي”. وعممت الأصولية، بتقوية المجموعات “الإسلامية” مما شوه الثورة وأضعفها كثيراً، وسمح بأن تصبح تلك الدول هي المتحكمة في مسارها نتيجة التحكم بالمجموعات “الأكبر” تلك. كل ذلك من أجل تحقيق مصالحها هي من خلال وضع “رجالاتها” في “النظام” الذي يجري إنتاجه.







اخر الافلام

.. ما أبرز المواضيع التي يتناولها ترامب مع قادة حلف الأطلسي؟


.. النشرة الجوية الثانية 2017/5/25


.. أردوغان يدعـو حلف الناتو للتعاون ضد الإرهاب




.. معلومات جديدة حول منفذ هجوم مانشستر ورحلته مع التطرف


.. غضب في السعودية يجتاح صحفها .. من قطر