الحوار المتمدن - موبايل



تفجيرات على حدود الروح

تيماء حسن ديوب

2016 / 6 / 18
الادب والفن


على عتبات الروح تلهو الموسيقا أم في ثنايا الجسد!؟

سبق لي أن رأيتُ عيوناً تتراقص على أنامل من موسيقا، لرجلٍ هجر كل شيء قلبه إلا وطنه! استوطن الشقيُ القلبَ كما يستوطن الغجر بأرضٍ من كلأ و ماء... رأيتُ جُيوداً تتمايل، رأيتُ أكتاف رجال ترتجف، خصور نساءٍ وأردافَ تتلوى وترتعش الرعشة الأولى والأخيرة! رأيتُ كيف يطرب الجسد في ريح المساء!؟

باريسُ يا فردوسي المفقود! يسألني البرفسور "رئيسُ اللجنة الذي سينهي مسيرته الأكاديمية بتحكيم بحثي" بشعره الأبيض الطويل المربوط بعنايةٍ على ظهره النحيل: أفردتِ فصلاً كاملاً من بحثك يا سيدة، تتحدثين عن الفرق بين الروح والجسد، و سؤالي البسيط: ماذا تقصدين بالروح!؟ كنتُ قد قررت أن ذلك اليوم سيكون يومي "أنا" الأنا بكامل ألقها، فرحها وما حملت لي من أحلام تتحقق، لا مكان للهو اليوم! قلت له: روحي هي التي تدفع جسدي ليرقص، هي من تأمر عيني أن تدمع، من تصفع عقلي حيناً ومن تأذن له بالصمت أو الثرثرة أحياناً أخرى و روحي وحدها يا سيدي تستطيع أن ترهق قلبي عندما تزورها الآلهة في لحظات ضعفها، فقط و للأسف!

ساد الصمتُ، ابتسمت عينا استاذي الذي داعب زميله بمحبة لا تخلو من خبثٍ، قائلاً: آمل أنه اقنعك الجواب...

رائحة الخشب تملأ المكان، لا شيء يوحي بالدفء هذا المساء حتى الطقس! سورُ المكان الخشبي يوحي بأنكَ ستدخلُ مزرعة خيلٍ أو ربما مزرعة حيواناتٍ لولا الرائحة التي تسطو على الوقت فيرضخ لجبروتها، قلت لنفسي: من جديدٍ نسيت أن أتعطر! نخطو أكثر باتجاه الباب فتزداد الرائحة نفاذاً، تشعرُ بعبقٍ يزكمُ أنفك قسراً، لم يكن شهياً ولا بذلك السوء، كان فقط عبق من نوع مختلف لم تألفه وكفى... عَبَرتُ الباب كما عبرتْ أليس باب بلاد العجائب، لكن الأشياء لا تصغر إنها تتحول إلى خشب كأنما مسّها سحر مشعوذ أبله، تشعرُ أن ممسوساً فقيراً حُكِمَ عليه أن يلمس الأشياء فتمسي خشباً... تدوس أرضية المكان التي ماهي إلا نشارة خشب، الطاولات من خشب، المقاعد من خشب، الجدران من خشب، السقف من خشب، البار من خشب، منصة الرقص و يتراءى لك في النهاية أنّه حتى النادل من خشب! ما لفت نظري واستغربته فعلاً كيف أن الأقداح لم تكن من خشب!

المكان لا يتسع حتى لخيالي! تسعُ طاولات لا أكثر والقانون بسيطٌ و واضحٌ، إن كان الكرسي شاغراً وجارك راضٍ فعليك بالكرسي والجار... هكذا، يبدأ تدفق سيلٍ من نساء! مجموعاتٍ صغيرة من نساء، من مختلف الأعمار، ربما يختلفون بكل شيء ما عدا شعرهن القصير! دخلتْ المكان أكثرَ من خمسين امرأة بشعرٍ قصيرٍ! يقولون: تقص المرأة شعرها عندما تريد تبديل الرجل الذي تحب، لماذا شَعرُ كل النساء الألمانيات قصير!؟

لا شيء يوحي بالأمان في هذا الجو، يتربى الأمان في كنف الرجال فقط، وها هو أيضاً في هذا المساء يحمل حقائبه ويرحل من جو النساء الموبوء هذا!

تدخل جوقة العازفين، يخترق العبق الذكوري الرائحة، تبتسم النساء و يتنفس المساء الصعداء. تخفت ألوان الصالة، تتركز الإضاءة أكثر فأكثر على منصة العزف، للموسيقا يركع حتى الضوء! يتناوب اللون الأصفر، البنفسجي، الأزرق و الأخضر على تحية الموسيقا، يضحك غيتاران الكترونيان ويطرب أورغ غربي متعالٍ، الميكروفونات جاهزة لِغَزَل الأقداح... حدقةُ عيني تتسع لما سيأتي، فالرجل الذي اعتلى منصة الغناء توقعته كل شيء إلا أن يكون مطرب الحفل! ملامح وجهه تقول أنه: آمر سجن في فرع أمن فلسطين رقم 293! ربما منفذ أوامر الإعدام أو التعذيب الجماعي أو على أقل شأن المحقق المسؤول عن انتزاع الاعترافات في غرف التحقيق السورية!

بدأ الرجل يغني: Take Your Love فعادت حدقة عيني المسكينة لتضيق، هل سبق لكَ أن رأيت وجه رجل يلبس عباءة أنثى؟ يقولون: لوجهِ الرجل عادةً طقسٌ واحدٌ، و لوجهِ المرأة طقوس!

سألني مرافقي الجميل إلى برج ايفل في أول زيارة لي إليه، و بين قضبان العملاق: بماذا تفكرين أمام هذا الصرح العالمي، غابت ابتسامة دهشتي، قلتُ بعفوية: بمن أحب لو أنهم معي! قال الرجل: أجمل ما في وجهك طقوسه المتقلبة، الثائرة، العصيّة، الحنونة و المؤلمة، لم يسبق لي أن رأيت الفصول الأربعة معاً في وجه امرأة قبلك!

هذا المساء، استيقظ الربيع في وجه الرجل القاسي عندما نطق لسانه بكلماتِ حبٍ، فرحت طبيعة جسده الأنثوية فتلون وجهه بالربيع، ما أجمل ألوان طقوس الحياة في وجوه الرجال والنساء!...

تعلو الموسيقا وتهبط، تتلوى كثعبان في قفير هنديٍ جليل، يتوه وجه الرجل في موسيقا كل أغنية، تضيّعه الكلمات، ووجوه النساء تخف قسوتها كلما أبحرت الموسيقا في غياهب المساء، كأنما قسوة وجه المرأة الألمانية لا يروضّها إلا الموسيقا، أم أن "للكلمات" وحدها تركع الأنوثة!؟

تختفي لغة اللسان، يضمحل الصوت الإنساني، يجلجل صوت الآلة، تحضر لغة الشفاه، اليد والعين، كأنما بحضور الموسيقا لابد و أن تنتصر فقط لغة الجسد! بدأت حوارات الجسد، نقاشاته، تتلاقى العيون، تتقاطع اشارات الأيادي، تتراقص بين المسافات، تتعرى الشفاه في محراب الوقت بلا جدوى، فما من نديم!

تزداد سخونة الجسد طرداً مع سرعة الموسيقا، ينضج الجسد، يقف على عتبة تفجيرات الروح وأنا أعود إلى عتبة تفجيرات باريس، باريس يا حلم الأمس الجميل، كم ترهق الحضارة الأغبياء!؟ كم تعذبهم!؟
تعلو الموسيقا في المكان وصور تفجيرات باريس تعلو في مخيلتي، بماذا يختلف هذا الحفل الموسيقي عن الحفل الموسيقي الباريسي؟

تمرُ اللحظات ثقيلة، أحدق "أنا العربية الوحيدة" بوجوه الحاضرين، ملابسهم، أحزمة بنطلوناتهم. أخاف، أجزع، أعيش حالة فوضى غريبة، ماذا لو كانت فعلاً لحظات حياتي الأخيرة!؟ سأنفجر بعد قليل، سأتحول لروح فقط وسيغيب جسدي! ماذا يجب أن أتذكر؟ من يجب أن أتذكر؟ على ماذا لابد أن أندم؟

أحدق مليّاً في الوجه العابس أمامي!؟ أفكرُ كم أحببتُ وجه أبي، وكم أشتاق إليه!؟ كم قال لي: تقود العاطفة التي لا تخضع لمنطق إلى الهلاك! القلب عضلة تتوقف والمنطق عجلةٌ تدور بلا نهاية... كل الحياة رياضيات، هناك الإنسان الصفرْ، وهناك الإنسان القابل للقسمة، للجمع وحتى للطرح! هناك إنسان المجهول الواحد السهل للحل وهناك إنسان بمجاهيل متعددة وحلول مستحيلة...

تغزل عينُ مرافقي الوسيم أجساد كلِ النساء، شرنقةً ألبسها هذا المساء وكل مساء، أتعمد داخلها، يرقص موت والدي بكل ما يملك وجع الغياب من قوة! كم أشتقت وجه أبي، نادرٌ هو الرجل الذي يعرف كيف يعلّم المرأة أن تنسى وجه والدها، تباً لكَ يا فرويد، تباً لترهاتكَ، لماذا أفكر بهذا الآن و المكان سينفجر قريباً!؟ أحس بنقطة عرقٍ تمشي بدلالٍ حتى أسفل ظهري! لماذا كل هذا الخوف و أنا العربية الوحيدة في المكان، أنا حتماً لن أفجر نفسي!؟ و لم يسبق لي أن سمعتُ أن ألماني/ة فجر نفسه/ها في أي مكان من هذا العالم، الألمان ضد مبدأ الاشتراكية حتى في هذا! ابتسمُ في سري للفكرة وأَحمَدُ الآلهة على قلة العرب، أتساءل مع نزار قباني: متى يعلنون انقراض العرب، وأحزن؟ أفكرُ بجديةٍ، هل يجب أن نحزن على العرب أم يجب أن نفرح للإنسانية جمعاء إذا ما انقرضوا فعلاً!؟

عاتبني صديقي الفرنسي عندما صحح لي مخطوط أطروحتي، كيف جزمتِ أن الحيوانَ لا يفكر؟ كنت قد كتبت في مقدمة بحثي: "إن ما يميز عقل الإنسان عن عقل الحيوان هو قدرة الأول على التفكير و قيامه بالعمليات العقلية العليا" اليوم أقرُّ أن لصديقي كامل الحق في التساؤل، من قال أن الحيوان لا يفكر؟ يبدو أن الحيوانات تفكر، و جيداً أيضاً، و أكبر دليلٍ هؤلاء الذين قاموا بتفجيرات باريس...

تهدأ الموسيقا، يصدح فرع فلسطين بأغنية جديدة: "when a man loves a woman" أعود إلى الصالة، يرتاح وجهي أكثر، انتبه إلى وجه مرافقي الجميل، يقول شيئاً لا أسمعه ويبعد شعره الطويل عن وجهه، ابتسم لحركته، " يقول علم تفسير حركات الجسد: يبعد الشخص شعره عن وجهه لتشعر أن ما يقوم به أو ما يقوله واضح لك، وهي حركة تعبر عن رغبته أن تصدق كلامه و تشعر به، و كذلك حركة قد يريد بها أحدهم جذب الانتباه إليه." ينظر إليّ من جديد ويقول: ألا تصدقين!؟ تزداد رقعة ابتسامتي وأهز رأسي بأني أصدق...







اخر الافلام

.. الشاعر الكبير موفق محمد في ذكرى83 عيد الحزب الشيوعي العراقي


.. أخبار حصرية - مأساة الشعب السوري بعيون أصغر #مخرج_سينمائي


.. #صحتك_تهمنا - الإشتراطات الفنية لمخازن #الأعلاف




.. ست الحسن - -مصطفى أبوسريع- ورأيه في الفنان محمد رمضان وأعمال


.. حوار خاص مع الفنان -مصطفى أبوسريع- - في ست الحسن