الحوار المتمدن - موبايل



التنظيم( الجدل بين الأزمة و الضرورة ) [نقد ذاتي وموضوعي لتجربة شخصية]

ممدوح مكرم

2016 / 6 / 24
مواضيع وابحاث سياسية


توطئة
من أبرز الأساسيات التي قامت عليها الماركسية: النقد الذاتي و الموضوعي، وبذا رأينا أَنْنَّا بحاجةٍ ماسةٍ لممارسة ذلك النقد؛ لنعرف لماذا أخفقنا؟ و لماذا نخفق؟ هل العيب فينا؟ أم العيب في المجتمع؟ هل نحن على حقٍ وصوابٍ دائمًا؟ هل نحن بالفعل مؤهلون تأهيلًا كافيًا لفهم الواقع لمصري بكل تعقيداته و أمراضه؟ وهل هناك سعيٌ حقيقي وجاد ومخلص لفهم هذا الواقع واستخلاص خبراته، واستخلاص قوانينه وفق – ما نزعم أو ندَّعي من فهمٍ مادي-؟ لماذا دائمًا يكون الإنقسام و التشظي ملازمًا للحركة الشيوعية المصرية؟ وهو ما يؤدي إلى مزيدٍ من الضعف والإنحدار، ولا أبالغ إذ أقول الإنقراض، كما حدث مع تنظيمات سابقة!!
إنَّ طرح هذا النقد يحاول أنْ يهزَ كثيرًا من الرؤى المُحَنَّطْة، قد يغضب البعض، أو يفرح البعض، هذا لايهم، ما يهم بالفعل: هل نحن قادرون على تجاوز الأزمة؟ وهل يمكن بناء تنظيم ثوري حقيقي جماهيري ديمقراطي؟ أم أنَّ الأمر بات ضربًا من ضروب العبثِ و اللامعقول؟
ذلك ما سنحاوله مع نقد ذاتي أوجهه لنفسي، من خلال خبرة بسيطة، إذا ما قورنت مع خبرات أعمق لزملاء و رفاق، تَعَلَّمْتُ –ومازلت- منهم الكثير على مستوى النظرية، وعلى مستوى الممارسة، وأني لمدينٌ لهم بكثيرٍ من الفضل.
وأخيرًا نقصد بجدل الأزمة و الضرورة، أنَّ أزمة التنظيم في بنيته، وفي غيابه، تستدعي ضرورة وجوده وحتميتها، وضرورة وجوده تستدعي فهم أزمته و استعيابها بشكل عميق.
(1)
في حدود ما أعرفُ – إنْ كان خطئًا ليصحح لي البعض- في مصر تحديدًا، ليس هناك أدبيات تعاملت مع قضية التنظيم بشكل نظري، اللهم إلا تلك المقولات الجاهزة و المكررة و التي جاءت تقليدًا للنمط الروسي الذي أرساه [لينين] تحديدًا، والذي تحول فيما بعد إلى عبء على النظرية؛ وكان ضمن أسباب كثيرة؛ أدت للإخفاق و الفشل، ولذا لم نبدع أشكالَا تنظيمية تأخذ في الإعتبار خصائص و سمات المجتمع المصري و المراحل المختلفة التي يمر بها المجتمع، والأنكى عدم القدرة على التعامل مع تعقيدات الواقع المصري في علاقاته الجدلية[ عبر فهم تناقضاته وصراعاته الداخلية- في سياق بناه الاجتماعي والاقتصادي و السياسي والثقافي-، وعلاقاته مع الخارج- إقليميًا و عالميًا-]
الحديث عن التنظيم كان سطحيًا و ساذجًا،تم إهمال المضمون على حساب الشكل[ المفترض أنَّ علاقة الشكل و المضمون هي علاقة جدلية= وحدة وصراع في ذات الوقت، تغير كيفي يحدثُ بناءًا على تراكمٍ كمي، هناك علاقة جدلية أخرى بين التنظيم والخط السياسي- الرؤية السياسية - = البرنامج استراتجيًا و تكتيكيًا] فمثلًا يَكُثرُ الحديث عن الإنضباط الحزبي وضرورته و أهميته، و أنه من المبادىء التي يقوم عليها التنظيم، لكنْ في الواقع لا نجد أثرًا لهذا الكلام في الممارسة!!
فلا يوجد أدنى إنضباط لا في مواعيد الاجتماعات الدورية للأجهزة الحزبية، و لا يلتزم لا القيادات و لا الأعضاء بأ ي توقيت، وهو ما فتح المجال للشللية و الإنتهازية التي نخرت في أجساد الأحزاب اليسارية و الماركسية سواء القديمة، أو المستحدثة؛ بل بات الأمر يدار بشكل مفياوي عصبوي، التجمع كنموذجٍ واضحٍ للعيان!.
أيضًا غابت المحاسبة و مواجهة الأخطاء؛ فأدى إلى تساهل في كل شيء، وهو ما مهد الأمور ووطَّئها للإنتهازية كي تتسيد الموقف( كما في الشيوعي المصري و كذلك التجمع ) وترتب على ذلك كوارث كثيرة نجني ثمارها المُرة الآن. ولم تنجْ التجارب الجديدة بعد يناير من الفشل التنظيمي المصاحب للتجارب السابقة!!
(2)
ليست الظروف المحيطة، و بيئة العمل السياسي في مصر صحية بالدرجة الكافية، فالطبيعي أن أزمة التنظيم في مصر تأتي عاكسةً لأزمة الوضع العام، ونكون قساةً إذا ما حمَّلنا أنفسنا فقط الأزمة؛ لكنْ يجب أن نحترس من أنْ تتحول الأزمة العامة لمشجب/ شماعة؛ نُعَلْقُ عليه فشلنا و أخطائنا؛ التعلم من الأخطاء يجب أنْ يكونَ سمة أساسية لأي ماركسي حقيقي، وإلا بات بوقًا أجوف لا يقدم ولا يؤخر!!
هذا يرجع إلى قصور نظري في فهم وضع مصر، رغم محاولات جادة قُدمت [ أحمد صادق سعد، أنور عبد الملك، عيداروس القصير، محمد دويدار، عبد الباسط عبد المعطي، شحاتة صيام...وآخرون] إلا أن ذلك ظل نخبويًا، بل أنَّ البعض كان ينظر إلى تلك الرؤى نظرة سلبية، بل و يتهمها؛ وهو ما عاق تعميم تلك الرؤى داخل الأحزاب و التنظيمات في عمومها، إلا القليل منها، ومن ثم وضعها في سياقها الموضوعي و البناء عليها في المستقبل؛ لتركيم( وهي على وزن تفعيل:من مراكمة) معارف و خبرات علمية خاصة بمصر؛ وأنْ تكون هناك رؤية ماركسية لمصر، أي نابعة من الواقع المصري، ليست جاهزة ودخيلة عليه، وبالتالي يكون هناك رؤية مصرية للماركسية (الجدل بين الخطين)، كما فعل [لينين] في روسيا، و[ماو] في الصين، وبعض التجارب [الأفريقية]، وأمريكا [اللاتينية]، ما يمكن أن نسميه مصرنة الماركسية أو تمصيرها.
فالأزمة النظرية ساهمت بشكلٍ مباشر وغير؛ في أزمة التنظيم؛ لأن التنظيم هو ترجمة= ممارسة= البراكسيس(بالتعبير العلمي) للرؤية النظرية في الواقع المحسوس= المعاين، والرؤية النظرية هي التي تحدد طبيعة ومحتوى الممارسة، والممارسة تثري الرؤية النظرية وتتطورها؛ لأن الواقع هو الإطار الحي للممارسة، هو وحدة التحليل، وفي ذاك الوقت هو ما يٌخَلًّق النظرية من تناقضاته وأزماته؛ النظرية هي روح الواقع، والواقع هو الجسد الذي تسري فيه هذه الروح. لذا لم يكنْ مستغربًا أنْ يغيب جرامشي مثلا، أو سمير أمين، أو جورج لو كاتش، ومدرسة فرانكفورت! لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل أنّْ تدهور الكادر النظري بات واضحًا، وذلك لا ينفصل عن التدهور التنظيمي وتخلخل البناء الحزبي وميوعته؛ الذي يعكس موضوعيًا تخلخل البناء الاجتماعي في مصر وميوعته ؛ المرتبط بمتغيرات عميقة وجذرية في الداخل المصري؛ في تجادل مع الخارج، وهو ما يندرج تحت عنوان عريض هو: العولمة وبكل العواصف التي هبت معها[ التكنولوجيا فائقة التقدم، ووسائل الإتصال الحديثة فائقة السرعة] هي تحديات من نوعٍ جديد هل آخذناها في الإعتبار؟
(3)
تجربتي التنظيمية بدأت من خلال حزب التجمع، وعبراللجنة المصرية لمناصرة الشعب الفلسطيني، وتجربة التجمع اقترنت بتجربة أخرى، فرضتها ظروف موضوعية ( الشيوعي المصري) كان الإزدواج سمة عامة في التجمع، ثم بعد يناير: تجربة حركة الديمقراطية الشعبية المصرية، لا أنكر هذه التجارب لأنها أفادتني و أثرتني، لكنها كانت تجارب في عمومها فاشلة، بعض هذا الفشل يعود لهذه التنيظمات نفسها، والبعض الآخر يرجع لشخصي، وأنا هنا أتحدث من خلال بيئتي المحلية ( أسيوط)
1- نظرتي للأمور كانت قاصرة، ارتبطت بممارسة مراهقة و رومانسية حالمة، وضحالة نظرية، في بداية العلاقة بالتجمع و المصري.
2- رغم وعيي الشديد بتكويني النفسي والاجتماعي للبرجوزاي الصغير؛ إلا أنَّ ذلك كان يغيب في ممارستي؛ بشكل خاص الجانب الرومانسي و الحالم، الذي يتجاوز الواقع، هو نابع من عدم فهم علمي جدلي للواقع و كيفية التعامل معه، كان الإهتمام بالنظري كهروب من مواجهة الواقع- هروب غير مقصود، هروب روحي من خلال اللاوعي- .
3- رغم القدرة على بلورة علاقات، إلا أنًّ تقييم العلاقات؛ لا يكون دقيقًا ولا موضوعيًا في بعض الأوقات، هو ما يفسر تكوين مجموعات ثم إنفجارها، وذلك يرتبط بالوسط البرجوزاي الصغير الذي عملت من خلاله( الوسط الطلابي، الوسط الثقافي) والذي يحمل كمًا هائلا من المتناقضات.
4- في تجربة التجمع و المصري استهلكتني صراعات الجبهات و التكتلات، وهو حال دون فهم مبكر للوضع في مصر( وصلت الذروة في الصراعات 2009) ثم أتت يناير على حين غرة!!
5- في حركة الديمقراطية الشعبية رغم ما قدمته أدبياتها من رؤية نظرية، وبرنامج متميز، إلا أنها أخفقت وفشلت تنظيميًا رغم الحيوية التي تمتعت بها منذ ظهورها للعلن بعد مؤتمرها الأول في نيسان/ أبريل 20011م، بعد وفاة مؤسسها و قائدها الرفيق عيداروس القصير في أيلول/ سبتمبر نفس العام، حدثت أزمات متعاقبة انتهت بانكماش شديد وتآكل، بسبب انقسامات وخروج الكثيرين، ورغم محاولة مقاومة هذا التآكل؛ لست متأكدًا مِنْ أننا سنستطيع الإستمراية أم لا خاصة مع انسداد الشرايين في مصر؛ و غياب الشكل التنظيمي للحركة في حده الأدنى، وحالة الجزر التي بدأت بعد 30 يونيو؟!
6- سيطرة الطابع البرجوازي الصغير، مع غياب عمال وفلاحين فقراء وكادحين بشكل عام، هذا الطابع يحول التنظيم لمجرد شكل نخبوي معزول؛ فخلق مجموعة من الأمراض- أمراض المتثقافين،وليس المثقفين- من قبيل الذاتوية و حب الظهور، والزعامة؛ مما خلق أجواء غير صحية في الممارسة وهو ما انعكس على بنية التنظيم، وأدى إلى عزلته و ضعفه وتفتته، وهذا لا يفهم إلا في السياق الموضوعي للأزمة ككل( أي أزمة مصر عمومًا).
7- هناك اعتقاد يتم ترسيخه عن قصد أو بدون، وهو أننا دائمًا على حق وصواب، هذا راجع في جذره النظري لسيطرة الحتمية بشكل ميكانيكي( الأزمة النظرية) وهو ما انعكس على التنظيم بحد ذاته.
(4)
تمرين على طرح أسئلة لفهم الأزمة وتجاوزها
1- كيف يتم بناء تنظيم ثوري؟وما هي طبيعته؟
2- كيف يكون شكل هذا التنظيم؟
3- كيف يمكن تطوير وإثراء مبدأ المركزية الديمقراطية؟ للحيلولة دون البقرطة من جهة، والإستبداد داخل التنظيم من جهة أخرى؟
4- كيف يتم الإرتقاء بالتنظيم ليتحول من تنظيم نخبوي لتنظيم جماهيري؟ وما هي الأدوات الأساسية اللازمة للوصول إلى جماهير الكادحين؟
5- ما هي طرق ووسائل و أدوات ممارسة الديمقراطية داخل التنظيم؟
6- كيف يمكن التعامل مع وسائل التواصل الحديثة وتوظيفها والإستفادة القصوى منها في التواصل و المناقشة و بناء المواقف و السياسات...إلخ؟
7- ما هي الأساليب الدعائية المثلى؟ وكيف يتم الإستفادة من تطورات علم النفس العام، وعلم النفس الاجتماعي و السياسي في بناء التنظيم وتربية الكوادر والأعضاء وطرق التواصل مع الجماهير؟
8- ما هي طبيعة المرحلة الحالية في مصر و المنطقة و العالم؟وكيف سيتعامل التنظيم ؟
9- كيف يتم التغلب على ضعف الأدوات والإمكانيات المادية؟
10- كيف يتم التغلب على التفاوت في درجات الوعي بين الأعضاء و الكوادر؟ وكيف يتم بناء الوعي أصلا؟
لا نزعم أننا نملك إجابات واضحة عن هذه الأسئلة، لكنه مجرد تمرين لشحذ أذهاننا للتفكير فيها.
(5)
رغم حالة الإحباط المخيمة، وحالة الجزر التي نعيشها بعد 30 حزيران، إلا أننا مازلنا نرى ضرورة و أهمية بناء تنظيم ثوري، وقد ظهرت أكثر في يناير، وعاد الحديث عنها بقوة في تظاهرات 15و 25 أبريل الفائت؛ على إسر بيع جزيرتي صنافير و تيران للعربية السعودية، نعرف أن هناك تجارب عفوية وليدة هنا و هناك، لكنها تفتقد الخبرة و النظرية، وذلك بسبب غياب التنظيم القدوة(النموذج) الذي يرتبط فعليا بالجماهير، ومن ثم يكون جامعًا لكل الحلقات المتفرقة التي تعمل في جزرٍ منعزلة، لهذا وجود التنظيم بات أمرًا ضروريًا و حتميًا، خاصة أننا نقترب من استحقاقات إنتخابات رئاسية، والمحليات.
فهل نحن جادون ؟
أخيرًا: فشل التجربة الشخصية لا يعني نهاية المطاف، ولا نهاية التاريخ.
ممدوح مكرم
أبنوب: 23 حزيران 2016 م







اخر الافلام

.. النشرة الجوية الأولى 2017/10/22


.. #صباح_العربية: زورو مكة المكرمة بالواقع الافتراضي


.. بالفيديو: لماذا يعانق رجل أسود البشرة احد المنتمين للنازيين




.. خاص | #الإرهاب يؤثر سلباً على مستقبل #الشباب وتحقيق طموحاته


.. 22-10-2017 | تراجع أعداد #الحشرات يهدد #الحياة على #الأرض ..