الحوار المتمدن - موبايل



الماعون-قصة قصيرة

غفران محمد حسن

2016 / 7 / 10
الادب والفن


قصة قصيرة- الماعون
غفران حداد
إنتابتني لحظات خوف ورعب لم أشعر بها في حياتي منذ برهة ليست بالقصيرة،ساقاي ترتجفان وهما يتسلقان كالسلحفاة سُلًّم عمارة مالكها الحاج أبو عمار،كانت الوجوه مختلفة بين جالس وواقف،طالعتني نظارت شاب في الثلاثين من العمر بملابس نصف عارية وعيناه قبيحتان ومخيفتان تنظران إلي بإستغراب،مع نظرات تقاطيع وجه محروق لأمراة قبيحة وكف يدها اليمنى مشلولة على ما يبدو كانت ضحية لإحدى الإنفجارات في بغداد التي أسمع عنها في التلفاز،وداهمتني فجأة إبتسامة من شفاه فتاتة جميلة خرجت من الغرفة المجاورة .
إستدار رأس أبو أحمد الشريك لصاحب العمارة –أختي الفاضلة هذه الغرفة الوحيدة الغير مستأجرة عندي –قال لي
إلتفت إلى هامة الباب مكتوب قطعة صغيرة رقم"304" قد أكل منها التراب والأوساخ والقِدم الكثير ،دخلتها بقدمي اليمنى لأنني أتفائل بهذه العادات النفسية ،أربعة زائدا ثلاثة يساوي سبعة إنّ هذه الغرفة ستكون قدري ووطني الذي يحتويني رقم سبعة لازمني في جلّ أقدار حياتي-قلتُ في سرّي.
كانت جدران الغرفة متشققة،زجاج النوافذ مهشّم وفضلات الحمام الزاجل يفترش أرضيتها ونائمة بعضها على الخرق البالية في السرير.
وبإبتسامةٍ باردة-نعم أبو أحمد أنا موافقة عليهاولكن السعر النهائي كم ستحسبه لي؟
-مائتان وخمسون ألف دينار عراقي في الشهر والدفع في الاول من كل شهر.
-كيف؟ إنه مبلغٌ كبير لا أملكه فالراتب الذي احصل عليه من الجريدة التي أعملُ بها لا يتجاوز المائتي ألف ،ساعطيك مائة وخمسون ألفاً مارأيك؟.
شعرت من نظرات عينيه إنه أشفق عليّ ورفع بصره للشاب عمار إبن اخيه –أوافق على الإقتراح الآن ولكن للشهر الأول فقط –قال لي
أوما عمار برأسه بالإيجاب،كان يوماً فاصلاً في حياتي برغم أنه لم تكن المرة الأولى التي أنام فيها خارج المنزل فأنا على مدى سنوات دراستي الجامعية كنت أعيش في دار حكومي لإسكان الطالبات ،ولكن هذه المرة تختلف عن سابقاتها من مئات الليالي التي عشتها،أنا أسكن في عمارة سكنية تفوح منها رأئحة الخمر ،تتوسط منطقةٍ مشهورة ببيوت الدعارة والعمليات الإرهابية والخطف والإغتصاب والمتاجرة بالأعضاء البشرية والمخدرات،ولكن ما من بديل فهذه المنطقة الأقرب لمقر عملي .
شعرت بالقلق والألم والغربة والخوف من الآتي يعتصر قلبي الخافق..... قلبي الذي عانى ماعانى وهو صبي،قررت ان اتأقلم مع سكان الطابق العلوي للعمارة التي أسكنها ،فأنا أسكن في غرفة تقابلها غرفتان الاولى لرجل يدعى فريد وزوجته شيماء هذا الرجل يحتسي الخمر ليل نهار وهومترنح على مدى الوقت ،يضرب زوجته ضربا مبرحا لا يحتمله جسد رجل،بل ويهينها أمام مرأى وأسماع كل سكان العمارة دون الخجل من كشف امور حياته الشخصية أمام الجميع، أما الغرفة الثانية تسكنها سيدة شابة تدعى "أم حسين" زوجها لا يحتسي الخمر ولكنه معتاد على خيانتها كما تقول،والغرفة الثالثة المجاورة لغرفتي تسكنها فتاة إسمها فرح ،وبمرور الأيام أكتشفت إنها سيدة مطلقة لديها أولاد وتعيش وحيدة ،أخوتها يصغون لثرثرة زوجاتهم ويرفض كل واحد منهم أن تسكن معه وبمرور الوقت كانت تبوح لي بسرها ووثقت بي كثيرا وتستشيرني كيف تتصرف مع عناد ومزاجية حبيبها الذي تقيم معه علاقة غير أخلاقية .
أخذت نفسا عميقا........ وقلت في سرّي يا إلهي وأنا الفتاة العذراء سأعيش وسط هذا العالم الملوث ،رفعت بصري إلى السماءودعوت الله أن لا يتركني ويحميني .
إرتشفت مرارة وشظف العيش في هذه الغرفة وفي هذه الحياة الجديدة التي تصورت أنها الأفضل لي لسبب بسيط موقعها الجغرافي القريب من الجريدة التي أعمل فيها محررة ،ولولا القوانين الصارمة من المدير الجديد ان يكون الدوام بشكل يومي لما سكنتها.
لا أعرف كم ساحتمل من هموم وأوجاع في الآتي من الأيام،كم سأحتمل من العيش براحة وسط هؤلاء التماسيح؟
تناولت سيكارتي الرشيقةوأخذت نفساً عميقا ،تأملت آلامي وأسأل وجهي المعكوس في أمواج نهر دجلة ،وطيور النوارس تحلق فوق رأسي ،أتأمل النهر من شارع المتنبي ،أتأمل بعمق ما يجري ليمن معاناة ،ترى كيف سيكون مستقبلي ؟،كيف ستكون حياتي؟ لم أجد الإجابة.
حملت الكتب التي أشتريتها من بعض المكتبات وعدت الى الغرفة فلا جدوى من بقائي على الجسر العائم هنا.
حين وصلت الى غرفتي ،رنّ هاتفي الجوّال كان ابو عمار صاحب العمارة
-هل أنتِ موجودة في الغرفة يا ابنتي؟
-نعم ياحاج موجودة ،لماذا هل يوجد شيء ما؟
- لا، لا شيء

قبل آذان المغرب بدقائق قليلة دقّ باب غرفتي ،كان الحارس البنغلادشي"إدريس"
-هذا من الحاج "أبوعمار أرسله لكِ
وهبط السلالم على عجلٍ من أمره لكي يفطر،غلقت الباب وكشفت عن وجه الماعون ،كان صحن رز تعلوه قطعة لحم،إنتابتني نوبة بكاء لم تنتابني منذ شهور طويلة
أيعقل هكذا يصبح حالي،يشفق عليّ الآخرون؟، كل ماأمرُّ به كابوس حقيقي لا أصدق أنني أعيش.







اخر الافلام

.. زحام شديد على سينمات وسط البلد فى ثالث أيام عيد الفطر


.. ازدحام على سينمات وسط البلد فى ثالث أيام عيد الفطر والشرطة ت


.. المخرج «رؤوف عبد العزيز» :عن فوق السحاب« أنا ضد المزايدة علي




.. ما لم تعرفه عن الفنان الشاب الراحل ماهر عصام


.. يسرا الهواري.. موسيقى مستقلة تتحدى آليات السوق