الحوار المتمدن - موبايل



احداث تركيا انقلاب للعسكر ام انقلاب على العسكر

سامي عبدالقادر ريكاني

2016 / 7 / 17
مواضيع وابحاث سياسية


اظهرت الاحداث التي جرت في تركيا بانها تشير الى حدوث انقلاب عسكري لكن بخلاف كل الانقلابات العسكرية السابقة التي نجحت فيها تلك الانقلابات في تركيا، ظهر انقلاب اليوم كانه فلم سينمائي اومقلب، ولم يرتقي الى كونه انقلابا عسكريا باي معيار من المعايير التي وصفت بها الانقلابات العسكرية التركية السابقة عادة ،بل هو اشبه باستدراج للانقلابيين للانقلاب عليهم ان صح التعبير وعبر عملية محكمة ربما دبرها غرفة العمليات المكونة من رجالات رفيعة في سلك القضاء والعدل التركي والاستخبارات وبعض اكبر الجنرالات العسكرية وباشراف الحكومة وبقيادة الحزب الحاكم لاخراج اخر مجموعة من الانقلابيين الذين حشروا انفسهم بين المؤسسة العسكرية العملاقة، وذلك لتنظيفها والقضاء على اخر معقل وملجا للمعارضة في البلد، الذي لطالما كانت هذه المؤسسة تمثل الهاجس الاكبر للخوف لدى اردوغان ونظامه الحاكم منذ ان تسلم حزب العدالة والتنمية الحكم فيها والذي كان الصراع مستمرا بينهم مع كل التصفيات السابقة التي طالت اكبر الجنرالات العسكرية باحالة بعضهم الى التقاعد واعفاء بعضهم الاخر عن مناصبهم او تبديل مهامهم وكذلك بتقديم بعضهم الاخر الى العدالة بتهمة محاولة الانقلاب على الحكومة، الا ان هاجس الخوف من تلك المؤسسة بقي حائلا يحول بين اردوغان وطموحه في الانفراد بالحكم حيث برهنوا مرات عديدة معارضتهم ورفضهم وتهديدهم للسياسات والتوجهات الاردوغانية على المستوى الداخلي والخارجي في اكثر من موقف وخاصة في الاونة الاخيرة، وكما ان هذه الخطوة جاءة بعد صبر وتخطيط طويل وتمهيد للارضية تجنبا للاثار السلبية التي كانت سترافق مثل هذه العملية لو لم تكن قد سبقتها عدة ترتيبات سابقة من ضمنها تنظيف مؤسسات الدولة بدءا من مؤسسة الاستخبارات والداخلية وبعدها القضاء والاعلام وتهميش الاحزاب المعارضة المنافسة وعلى راسهم الحزب الكوردي الذي يتوقف اركان نجاح مشروعه الامبراطوري على نجاحه في انهاء دورهم على المستوى الداخلي والخارجي اضافة الى الركن الاخر والذي كان معلقا بمدى نجاحه في احتواء المؤسسة العسكرية والذي تم له ذلك اليوم وبمردود ايجابي جدا ماكان يحلم به ابدا بانها ستكون بهذا المستوى من النجاح الذي رافقه تاييد وتعاطف داخلي وخارجي مضاعف أضيف الى رصيده السابق ووفر له طريقا سالكا بدون أي عائق لشق طريقه الى الامبراطورية، وجاء وقت التنفيذ بعد ان هدا من اجواء الاحتقان السياسي مع محيطه الاقليمي والدولي وبعدها استفرد للتخلص من بؤرة الخوف الداخلية الاخيرة الكامنة في المؤسسة العسكرية وتم له ذلك وبامتياز.
ونستدل اكثر على كونه كان استدراجا للانقلابيين للقضاء عليهم وذلك لعدة اسباب منها:
1- لايعقل ان يقوم الراس المدبر للانقلاب والذي يعتبر مستشارا لاعلى راس في الجيش بانقلاب بهذا المستوى الهابط من التخطيط والتنفيذ، فهل يعقل ان يجازف مستشار يستشار في كل امور ضبط الدولة على المستوى الخارجي والداخلي بدون ان يضع في الحسبان الردود العكسية الداخلية والظروف الدولية الغير ملائمة وقوة الحكومة ذو الشعبية الواسعة، وبدون الحساب للمؤسسات الفعالة كمؤسسة القضاء الاستخبارات والامن الداخلي، وبقية فروعها التخصصية داخل المؤسسة العسكرية التي تبينت بان كلها لم تكن مع هذا الانقلاب، الهم الا اذا كان هناك تعاون تام مع الانقلابيين من هذه المؤسسات للايقاع بهم مما مهدوا لهم الطريق حتى احسوا بنضج العملية وان ساعة التنفيذ قد حان وعند التنفيذ التفوا عليهم وعلى اتباعهم.
2- كما يشير الربط الهزلي بين القيادة الانقلابية وفروعها التنفيذية على الارض من خلال منظر الاستعراض العسكري في الشوارع وطريقة تنفيذهم للمهام بانها لم تكن توحي سوى بفقدان العسكر بوصلة مهامهم او عدم درايتهم اصلا بما يحدث، وذلك بفقدان الصلة بينهم وبين الجهات الامرة لهم،هذا يشير الى ان نقطة الوصل بين القيادة الانقلابية بين العسكر في الشوارع كانت بيد المتامرين عليهم من قيادات الجيش ، ويشير ذلك ما نقل من صور لجيش مهزوم يرثى له ويحظي بالشفقة عليهم مما شجع بضعة من المتظاهرين الى ضربهم واهانتهم بكل سهولة مما اظهر هشاشة مواقفهم امام الجمهور وسهولة تجريدهم من اسلحتهم والقبض عليهم وتجنبهم القيام باي عمل او رد فعل بخلاف كل ما علم من صلابة الجيش التركي وعدم التزامه باي من المعايير الانسانية او الدولية ولا الوطنية والذي عرف عنه خلال تاريخه الدموي منذ اتاتورك ولحد الان والذي برهن عليه في كثير من المواقف ومنها انقلاباتها المتكررة على الديمقراطية في اكثر من ثلاث انقلابات في تاريخ الجمهورية الحديثة، وكذلك عندما كانوا يقومون بالعمليات العسكرية ضد المناطق الكوردية المطالبين بحقوقهم المشروعة.
3- الاستهداف الغير منطقي من قبل الانقلابيين للاماكن والشخصيات التي تقف عادة عليها نجاح أي انقلاب عسكري او مدني يوحي بان في الامر لعبة مخفية وهناك من يتحكم بخطوط المسرحية الهزلية هذه خارج نطاق الانقلابيين
4- صغر المجموعة الانقلابية قياسا بالرافضة للانقلاب داخل مؤسسات الدولة والعسكر بالدرجة الاولى لايوحي الا اما الى نفسية مريضة تقود الانقلابيين او الى انها لعبة مدبرة ومحكمة.
5- قيام الانقلاب عبر رتب عسكرية ادنى بخلاف الانقلابات السابقة التي عادة كانت تقوم بقيادة رئيس اركان الجيش او الصف الاول من الجنرالات العسكرية.
6- سهولة القضاء وباقل الخسائر على الانقلاب يرجح بان خيوط العملية كانت بيد الحكومة لابيد الانقلابيين
7- كما ان غالبية من سقطوا بين قتيل وجريح في هذه العملية كانوا من بين من قاموا بتنفيذ الانقلاب مما يوحي بان التحضير للالتفات على الانقلابيين كان مدروسا وكان لديهم علم تام بتلك العملية.
8- النقطة الابرز في هذه العملية هو اظهار القيادات من حزب العدالة ومن قياداتها في الحكومة وفي البرلمان عبر التواصل الاجتماعي اسكايبى، وهذه تعتبر نقطة ضعف وانها خطيرة توحي بان الانقلاب محكم وقوي وقد نجح حقا في السيطرة على الحكم، ولايقدم على هكذا عمل من له خبرة سياسية ودراية بخلجات النفوس ومدى تاثيرها بظروف الدعاية في اوقات الانقلابات العسكرية، الهم الا اذا كان من يقوم بهذه الخطوة مطمئنا بان زمام الامور بيدهم وانهم خلف هذه اللعبة وخيوطها بايديهم.
9- كما ان عدم تواجد الرئيس في انقرة وكونه كان خارجها ايحاء اخر لعلمهم بالامر ولابعاده من اي خطورة خير متوقعة حتى ولو كان زمام الامر في ايديهم ولكنها غير مضمونة العواقب مما حتم عليهم ابعاده عن بؤرة التوترات.
10- في هذه الازمة صعد نجم احد الجنرالات العسكرية الى مرتبة رئيس اركان الجيش بالوكالة وهو اوميد دوندار تمهيدا لتسلمه هذا المنصب مستقبلا بصورة رسمية بعد ان اتهم الرئيس السابق لاركان الجيش خلوصي اكار بالضعف جراء وقوعه رهينة لدى الانقلابيين ، وللعلم ان اوميد هذا تصعد سلالم القيادة بسرعة منذ مجيء حزب العدالة والتنمية التركية الى الحكم وكان مكان تقدير واحترام هذا الحزب ويعتبر من المقربين لاردوغان والمؤيدين له.
وعندما نقف على مدى اهمية القيام بهذا الاستدراج وتبعاتها سنتيقن بانها كانت تستحق هذه المجازفة من الحكومة وسيزيد من شكوكنا بانها لم تكن انقلابا من العسكر بل بالعكس، وذلك بعد ان نتكهن ما سيترتب على هذه العملية من تبعات تاتي بمردود ايجابي على مشروع الحكومة وحزب العدالة والتنمية مستقبلا، ومن هذه الايجابيات:
1- انها قضت على هاجس الخوف لدى الشعب التركي من الانقلابات العسكرية ووحدة شعبها ولاول مرة جمعت بين جميع توجهاتها وانتمائاتها العرقية والدينية اضافة الى مواقف احزابها وعلى راسها حزب الشعوب الديمقراطي الكوردي ليقولوا كلمتهم الموحدة في وجه العسكر لا للانقلاب على ديمقراطيتنا، وبذلك برهن بان زمن الانقلابات في تركيا ولت ولاول مرة الى غير رجعة لعقود متعددة وربما بصورة شبه نهائي، وكما ان هذا الهاجس للخوف اضيف ليكون بعد تحولها الى احساس بامان لتعيش في كنف حزب العدالة والتنمية وتصبح قوة هائلة تصد عنها أي هجوم مستقبلي سواء من الداخل او الخارج وكما انها ستضيف الى رصيد انجازات اردوغان وستصل به الى اعلى درجات الكاريزما ليس في تركيا وحدها بل على مستوى المنطقة قاطبة وبدون أي منازع ليس سياسيا فقط بل دينيا ايضا خاصة بعد ان اصبح ملاحقة غريمه الذي ينازعه على المنصب الديني فتح الله كولن بعد هذه العملية ملاحقا دوليا بعد ان كان ملاحقا هو واتباعه داخليا مما سيسلب عنه لنفسه هذه الكاريزما الدينية بعد تهميش دوره نهائيا .
2- ان هذه العملية اضافة الى قضائها على دور المؤسسة العسكرية باعتبارها كان اخر ملاذ للجهات الداخلية والخارجية التي كانت تلجا اليها دائما عندما كانت تهدد مصالحهم مع سياسات الحكومة التركية ، انها اجبرت هذه الجهات لتوجه انظارها الى الحكومة المنتخبة بعد ان اصبح المرجع الوحيد الذي يمثل مصلحة الدولة التركية، والذي عليهم مراعات هذا التحول واحترام هذه السيادة بدل اللجوء الى المؤسسة العسكرية لتمرير مصالحها فوق هذه السيادة.
3- سيصبح كفة نفوذ تركيا ولاول مرة راجحة على كفة النفوذ الايراني في المنطقة وستضعها على راس قيادة اسلامية تقود السنة في مواجهة دولة اسلامية ذات طموح امبراطوري تقود الشيعة في المنطقة عبر ايران خاصة بعد التقارب العربي التركي بعد تعاظم دور ايران في المنطقة العربية والتقاربات التركية الاخيرة مع المحيط الاقليمي والدولي وخاصة مع العالم العربي تشير الى تعاظم هذا الدور التركي مستقبلا .
4- سيزداد دور تركيا على المستوى الدولي وسيكون صوته مسموعا اكثر من ذي قبل بعد هذه الالتفافة الجماهيرية والتعاطف العالمي جراء هذا الحدث.

اما عند النظر الى تبعات النتائج السلبية لهذه العملية على الداخل التركي وخارجها فنستطيع الاشارة الى اهمها وهي كالاتي:
1- ان المؤسسة العسكرية مع سلبياتها كانت تعتبر صمام الامان التي حالت دون نجاح سعي اردوغان الى الانفرادية في الحكم لحد الان، وبذهابها اصبح الساحة مفتوحة امامه للوصول الى طموحه، وان المؤسسة العسكرية بعد تصفيتها من الانقلابيين وتعيين الموالين له فيها ستصبح رهن اشارته وسيستعمله في تنفيذ مشروعه الكبير داخليا وخارجيا، مما سيولد دكتاتورية جديدة وسيكون ذراعها المؤسسة العسكرية وستصبح هذه المؤسسة من اليوم وصاعدا الة لتثبيت اركان طموح اردوغان الانفرادية وستتحول مستقبلا الى تثبيت اركان دكتاتورية جديدة في تركيا.
2- ستقبل المنطقة على تغيرات كبيرة وغير مستقرة وستزداد الاستقطابات الطائفية والمذهبية
3- بعد ان يستتب الامر الداخلي لصالح اردوغان سيبدا بمشروعه الخارجي الذي اوقفه في الاونة الاخيرة والذي اعتبره العالم بانه مؤشر على تراجعه عن سياساته الخارجية التي جلبت الازمات للمنطقة وحملوا احمد داود اغلو تبعات هذه السياسة وبرؤوا ساحة اردوغان من تبعات فشلها والحقيقة عكس ذلك تماما ، فالمشروع التوسعي بضاعة اردوغانية وهي قائمة، ومحطة الوقوف هذه عرقلته مخاوف الحكومة من الازمات الداخلية وعلى راسها تحركات العسكر المريبة، وباعتقادي بعد هذه الاحداث انها ستبدا بعنفوان وقوة اكبر وستزيد من تدخلاتها في الشؤن الداخلية لدول الجوار وعلى مستوى العالم الاسلامي اجمع.
4- القضية الكوردية ستدخل في انعطافة خطيرة ليس في تركيا وحدها بل وعلى مستوى المنطقة عامة لان رؤية اردوغان لحل القضية الكوردية معارضة للطموح الكوردي وللمعايير العالمية الحديثة لكونها نابعة من الخلفية الدينية العثمانية والتي تهدف في معالجتها للقضية الكوردية الى استرجاع الواقع الكوردي الذي كان قائما وقت الامبراطورية العثمانية بتقسيمها الى ادارت غير مترابطة على شكل ولايات اسلامية ضمن حدود هذه الخلافة، والذي يتطلب من الكورد قبل كل شيء التعاون مع اردوغان وارتقاب ذلك اليوم الذي سينتصر على اعدائه وكما عليهم ان يضحوا بارواحهم ويتنازلوا عن كل مطالبهم وحقوقهم القومية في انتظار ذلك اليوم وهذه الدولة التي سيمنها عليهم اردوغان في نهاية المطاف باعطائهم ويلاية او ولايتين ضمن حدود هذه الخلافة، وبخلاف ذلك فانهم سيعتبرون كفار وعملاء ومرتدين عن الاسلام، وعلى العالم الاسلامي التخلص منهم باسم محاربة المرتدين.
فهل نحن مقبلون على مرحلة جديدة من الحروب الدينية في المنطقة ونوعية اخرى من الحروب المشابه للحروب الصليبية؟.







اخر الافلام

.. 24-5-2017 | موجز الخامسة عصراً لأهم الأخبار من #تلفزيون_الآن


.. احتجاجات الحسيمة..هل تتوقف؟


.. وائل الخالدي: علي مملوك يتحكم بالقاعدة؟




.. المدير السابق للاستخبارات الأمريكية يؤكد حصول -اتصالات- بين


.. حشود تشيع التونسي الذي قتل في الكامور بولاية تطاوين