الحوار المتمدن - موبايل



الدين أم الضمير الإنساني

محمود يوسف بكير

2016 / 9 / 2
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


القارئ لتاريخ أوروبا يعلم ان ما تنعم به من تقدم واستقرار مقبولين "باستثناء ما تمر به من مصاعب اقتصادية حالياً " كان نتاج نضال مرير بدأ في القرن السادس عشر بحركة الاصلاح الديني ثم عصر النهضة وما تلاهما من مرحلة العقلانية ثم عصر التنوير. وفي رأينا فإن تاريخ أوروبا يحمل الكثير من الدروس والعبر ودليل لمراحل التقدم التي تنطبق على معظم المجتمعات البشرية منذ بدء الخلق، وقد توج هذا التقدم بالمقولة التالية:
"بعض من أفضل البشر عبر التاريخ الإنساني لم يؤمنوا بوجود إله، بينما بعض من أسوأ الجرائم بحق الإنسانية ارتكبت باسمه " أي الإله "
هذه الجملة قالها البابا فرانسيس "الاول" عام 1936 في شجاعة يصعب أن تجد مثيلا لها في كل الأوساط الدينية ويستحيل أن ينطق بها رجل دين مسلم. وهي تعني ببساطة أن الإيمان بوجود إله ليس شرطا كي يكون الإنسان جيدا، كما أن الكثير من الجرائم والمذابح تمت ولازالت تتم تحت رايات دينية مختلفة يدعي حملتها انهم ينفذون مشيئة آلهة متعطشة للدماء.
ولو أننا تأملنا هذه المسألة بعمق لوجودنا أن الضمير الإنساني هو العامل الحاكم والمؤثر في حياة البشر وليس الدين أو الإله، فالبشر يمكن أن يكونوا خيرون دون أن يلزموا أنفسهم بالإيمان بالأساطير والخرافات والطقوس الدينية التي لا معنى لها، وهو ذات الضمير الإنساني الذي غاب عن هؤلاء المتدينين الذين يقتلون ويخربون ويسبون النساء ويستغلون الضعفاء دون أدنى إحساس بالذنب أو الخجل مما يفعلون.
وكما قلت مراراً من قبل فإن بلادا عريقة مثل سوريا واليمن والعراق وليبيا يجرى تدميرها الآن وإذلال شعوبها باسم الدين. وبلادا أخرى مثل مصر ودول الخليج يجري استعباد شعوبها ونهب ثرواتها تحت سمع وبصر من يسمون أنفسهم برجال الدين الذين ينعمون برغد العيش والأمن والشهرة ولا يبالون بتسلط الحكام على العباد ومقدرات البلاد.
إنه الضمير الإنساني مرة أخرى الذي مات لدى هؤلاء مما جعلهم يعيشون في سلام وانسجام مع كل ما حولهم من ظلم وفساد وخراب دون ان يعتريهم أي احساس بالألم أو الندم أو حتى الخجل من تسمية أنفسهم "برجال دين"!
إذن فالدين دون ضمير حي لا قيمة له، كما أن الضمير الفردي الحي ليس بحاجة لأي دين.
نعم لعب الدين قديماً دورا هاما في ضبط وربط حركة المجتمعات البشرية القديمة التي كانت تتسم بالبساطة في تركيبها وتعدادها وتنوعها ومؤسساتها. ولكن مع الوقت ثبت ان الاديان تتسم بالجمود وعدم القدرة على التطور وتحارب التغيير وتعادي إعمال العقل والمنطق " من تمنطق فقد تزندق" "وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" . كما ان الاديان مدعاة للفرقة والاختلاف حتى داخل الدين الواحد حيث يبدأ الخلاف في الرأي بين المذاهب المتعددة بتراشقات كلامية سرعان ما تتحول إلى حرب وقتال وخراب.
ومن أشهر من اصطدمت بهم الأديان كانت الفلسفة ثم العلم. حيث أثبتت الفلسفة ان الأديان لا تتسم بالعدل أو المنطق لأنها تميز بين البشر بحكم تصميمها حيث يتميز الرجال على النساء والأحرار على العبيد والأمير على الغفير ومن يعلم "رجل الدين " على من لا يعلم "أنا وأنت" بعد أن تحولت الأديان إلى لوغاريتمات ومعضلات ومتضاربات لا يفهمها إلا رجال الدين الذين ابتكروا كل الحيل مثل نظرية الناسخ والمنسوخ للالتفاف حول تناقضات النص وإضفاء طابع من القدسية عليه.
كما رأت الفلسفة أن أي إله يدعو إلى الحرب والقتل والدمار لابد ان يكون إلها مزيفا، إذ كيف يدعو الإله مخلوقاته الى قتل واستعباد بعضهم البعض ثم محاسبتهم مرة اخرى يوم العرض عليه بالرغم من أن الاحداث كلها من صنعه وبإرادته.
أما العلم فقد أثبت أن الاديان ما هي إلا اساطير وان الميتافيزيقا ما هي إلا خرافات لا يمكن إخضاعها للبحث أو التنظير العلمي. والكلام في هذه المواضيع يطول ولكن وباختصار شديد فإن أوروبا تقدمت عندما نجحت في التحرر من هذه الخرافات ومن نفوذ الكنيسة ونظام الحاكم المطلق وأحلت محلهما ثقافة الضمير الفردي والحرية ودولة القانون. هذه هي الحداثة في أبسط معانيها وبأقل الكلمات وبدونها يمكننا القول بإن منطقتنا العربية لن تتقدم أبداً وستظل أسيرة للاستبداد والفساد وأديان جامدة لازلت تخضع لنفوذ وتفسيرات رجال ماتوا منذ مئات السنين.
إننا لا ننادي بأي حال بقتل الحس الديني أو الروحاني لدى الانسان لاستحالة هذا حيث سيبقى هذا الحس ملازما وسندا له خاصة في أوقات المحن والشدائد وغياب الأحبة، ولكن ما ننادى به هو أن يكون الدين فضاءا خاصا بكل انسان وألا يستخدم كوسيلة لخداع البسطاء والتسلط وكسب النفوذ والثروة، وبمعنى آخر أن يكون الدين حالة عقلية خاصة أكثر منه فتاوى وإملاءات ونزاعات ودعاوى للاقتتال والتدمير. وباختصار شديد علاقتي بالإله هي علاقة خاصة بيني وبينه وليست بيني وبينه وبينك. وينبغي ألا ننسى أبدا أن الدين هو مكون اعتقادي وقناعات شخصية أكثر منه مكون علمي أو حقيقي يمكن إثباته.
تاريخ أوروبا يعلمنا ان الحرية هي مفتاح التقدم وان تحرير الانسان من كل أشكال الاستبداد واحترام حقه في التعبير عن ذاته وحرية تواصله الروحاني مع ما يشاء من آلهة دون وساطة رجال الدين وتنمية ثقافة الضمير الفردي والعلم هم البداية الحقيقة لتحفيز الإبداع الإنساني وتحقيق التنمية الاقتصادية والإنسانية الناجزة التي تنشدها كل الشعوب.
وفي اللحظات التاريخية القليلة التي غاب فيها الوعي والضمير، مرت وتمر أوروبا بمصائب وكوارث وحروب رهيبة ولكنه ذات الوعي والضمير هو ما يعيدها إلى مسار الاستقرار والتقدم مرة أخرى.
يمكنك بالحيل وملايين الفتاوى الدينية أن تخدع العالم كله ولكنك لن تستطيع أن تخدع ضميرك أبدا.







التعليقات


1 - الأدلجة هي العدو
عبد القادر أنيس ( 2016 / 9 / 2 - 10:15 )
شكرا على هذا الجهد التنويري.
(الحرية هي مفتاح التقدم) كما قلت سيد محمود. لكن ألدّ أعداء الحرية لا يتمترسون وراء الأديان فقط، بل تمترسوا ولا زالوا وراء الأيديولوجيات الدينية و(الوضعية) القومية والاشتراكية... وتسببوا في المآسي التي عرفها العالم قديما وحديثا. الأيديولوجيا، بما فيها الدين، تعادي الحرية لأنها مجموعة أفكار تدعي لنفسها الكمال سواء باسم مصدرها المقدس (الله) أم باسم ما زعمته لنفسها من علم (الاشتراكية العلمية) أو نقاء عرقي (النازية وكل القوميات). عندما تقتنع جماعة بشرية بأن الحق معها والباطل مع غيرها لأن الله هداها إلى الحق أو لأن (العلم) يقف إلى جانبها، وأنها بالتالي أفضل من غيرها وأقرب إلى تمثيل الحق من غيرها، حينها فقط تكون مستعدة لارتكاب أبشع الجرائم باسم مذهبها دون أن يشعر أفرادها بأي تأنيب ضمير، بل العكس، فهم يتوهمون أنهم يفعلون خيرا وهم يحررون الناس من الوثنية أو من العدو المختلف أو من الطبقية.
التناقض الحقيقي هو بين المجتمع المؤدلج دينيا أو سياسيا وبين المجتمع المؤسس على الحرية، المحتكم لأرقى ما بلغته البشرية من علوم وخبرات وتجارب وتسامح مؤسس على النسبية.
تحياتي


2 - الله الحقيقي
سامى غطاس ( 2016 / 9 / 2 - 11:58 )
الضمير الانسانى هو الله الحقيقى الموجود داخل كل إنسان وليس فى الكِتب المٌتقدسة.لكن مع الاسف ضل اهل الاديان عن تلك الحقيقة وشغلوا انفٌسهم بطقوس و تفاهات لم ولن ترتقى يوماً بحياتهم الروحية.

عندما قيل ابان الثورة الفرنسية عن شنق آخر ملك بامعاء آخر رجل دين
لم تكٌن مقولة خاطئة ابداً بل كانت قِمة الحكمة فى علاج الجٌرح المٌذمن التى تٌعانى منه البشرية .
كل التقدير والإحترام


3 - أستاذ سامي غطاس
د. محمود يوسف بكير - مستشار اقتصادي ( 2016 / 9 / 2 - 20:48 )
شكرا على تعليقك الجميل فالضمير الانساني سيكون بالفعل هو دين أجيال المستقبل بعد الفشل الزريع الذي منيت به الاديان في تحقيق أي تنمية أقتصادية مستدامة بل انها تحولت الى أداة للحرب والدمار.

مع شكري وتقديري.


4 - أستاذ عبدالقادر
جلال البحراني ( 2016 / 9 / 2 - 23:07 )
لا توجد حرية سياسية بدون حرية اقتصادية ولا توجد مساواة سياسية بدون مساواة اقتصادية
أوربا لم تتقدم لأنها حاربت عدم المساواة الدينية بل عدم المساواة الاقتصادية، تقدمت فرنسا عندما قتلت الملك بأمعاء رجل الدين لأجل أن يأكل الفقير وليس لان الفقير لا يساوي الملك دينيا!
في الهند، وهي أسوأ بلدان العالم في الطبقية حيث يفرض الدين الهندوسي شكل عبودي صارخ على الهندوس استطاعت ولاية واحدة فقط أن تتخطى العبودية كممارسة، هي ولاية (كيرلا) لماذا
أنا ذهبت مئات المرات لهذه الولاية، لأن الحزب الشيوعي الماركسي (نبودري بارتي) هو يكون أغلبية ساحقة بدون الحاجة لأي تحالفات مثل حزب المؤتمر، وأعتقد أنهم نجحوا أيضا في الانتخابات الأخيرة هناك
لقد علم الماركسيين الشرفاء هناك المجتمع كيف يكون حر حتى من الدين!
وأقسم لك أن كيرلا هي الولاية الوحيدة التي لن تجد بها من يتبول في الشارع، درت الهند طولا وعرضا، كيرلا هي الوحيدة التي لن تجد بها هذه الظاهرة، بل شعب يحاول أن يقرأ ويتحضر ويتعلم، على الرغم من أنها أفقر ولاية!
هذا هو فعل الشيوعيين والماركسيين


5 - جلال البحراني
عبد القادر أنيس ( 2016 / 9 / 3 - 15:19 )
حول قولك: ( لا توجد حرية سياسية بدون حرية اقتصادية ولا توجد مساواة سياسية بدون مساواة اقتصادية)
أولا ( لا توجد حرية سياسية بدون حرية اقتصادية)، هذا أساس المجتمع اللبرالي. لا ديمقراطية إلا في الأنظمة اللبرالية (على الأقل حتى يومنا).
ثانيا: (لا توجد مساواة سياسية بدون مساواة اقتصادية): ماذا تعني بالمساواة الاقتصادية حتى يمكن مناقشتك على بينة؟ في الأنظمة الديمقراطية اللبرالية يتمتع جميع المواطنين بنفس الحقوق السياسية مهما كان مستواهم الاقتصادي.
الثورة الفرنسية هي ثورة برجوازية بامتياز. قامت لتوطيد أسس المواطنة بما تعنيه من مساواة الجميع أمام القانون. لكنها لم تحقق المساواة الاقتصادية، ولا حققتها الثورة الروسية. عظمة الديمقراطية لا تكمن في تحقيق المساواة الاقتصادية، بل تكمن في إقامة أنظمة سياسية تتيح للجميع التنظيم والدفاع عن النفس عبر التظاهر والإضراب والتنظيم النقابي والحزبي وحرية التفكير والاعتقاد والتعبير والإعلام.... وقد تحققت مكاسب خارقة.
لا تنس أن الحزب الشيوعي في كيرلا ينشط ضمن نظام اقتصادي لبرالي. العكس لم يكن ليحدث في أي بلد تحكمه أيديولوجيا دينية أو يسارية.
تحياتي


6 - أستاذ عبد القادر
جلال البحراني ( 2016 / 9 / 3 - 22:29 )
بالتأكيد فهمي لـ لا مساواة سياسية بدون مساواة اقتصادية هو فهم ماركسي
كما يمكن أن ندل على وجود هذه المساواة السياسية من خلال المجتمعات الشيوعية البدائية في إندونيسيا وبعض القبائل لهنود أمريكا الحمر التي لازالت موجودة، فيها مساواة اقتصادية تحتم المساواة الحقوقية والسياسية لأفراد هذه المجتمعات
البشرية تناضل لأجل سد الفجوات (الطبقية)، وليس لأجل سد الفجوات (السياسية الحقوقية) أو سن القوانين التي هي مجرد حبر على ورق وتشابه الشرائع الدينية، كلما اقترب مجتمع أي مجتمع من تقليص الفارق الطبقي كلما اقترب مما تسمية الليبرالية مجتمع العدالة الاجتماعية
أما الماركسيين فيفهمون سد الفجوات الطبقية كما في المجتمعات الشيوعية في مثلنا أعلاه
تسمية الثورة الفرنسية بالثورة البرجوازية التامة هو إجحاف بحق مئات الآلاف من الفقراء الذين حاصروا قصور لويس السادس عشر وقتلوا وليس لهم علاقة بالبرجوازية
كم برجوازي فرنسي ساهم وقتل في هذه الثورة، كم أعدادهم قياسا لفقراء العمال والفلاحين وغيرهم من ذوي الحرف الوضيعة؟
الهند لها وضع خاص، حتى حزب المؤتمر أكبر أحزاب الهند هو ذو توجهات يسارية اشتراكية ببداية تأسيسه

اخر الافلام

.. جدل متواصل بمنصات التواصل الروسية بشأن مذبحة المسجدين بنيوزي


.. السلطات النيوزيلندية تنقل منفذ هجوم المسجدين إلى سجن شديد ال


.. سوريا: مقاتلون من تنظيم -الدولة الإسلامية- يسلمون أنفسهم غدا




.. نيوزيلندا: تشكيل لجنة -ملكية- للتحقيق في ظروف الهجوم الدموي


.. قوات سوريا الديمقراطية تعلن هزيمة تنظيم -الدولة الإسلامية- و