الحوار المتمدن - موبايل



آدم سميث: أبو الاقتصاد السياسي

محمد عادل زكي

2016 / 9 / 6
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


- كانت مارجريت دوجلاس حاملاً بالفعل عندما مات عنها زوجها المحامي المشهور وضابط الجمارك السابق في يناير 1723. وفي الخامس من يونيو، أضافت مارجريت في سجلات المواليد اسم طفلها الذي حمل اسم والده المتوفى: آدم سميث. مرت الأعوام ليصبح هذا الطفل فيما بعد واحداً من أهم مفكري عصره. ومؤلفاً لأحد أكثر الكتب تأثيراً في تاريخ البشر.
- ولد سميث في كيركالدي التي كانت ميناءً اسكتلندياً على لسان فورث البحري في إدنبره، وكانت مركزاً تجارياً تفد إليه السفن المحملة بالأسماك، وتخرج منه لتصدير الفحم المستخرج من المناجم المحلية، وتعود بالحديد الخردة لصناعة الحديد. وهكذا ترعرع سميث إلى جانب البحارة وتجار السمك ومصنعي المسامير وضباط الجمارك والمهربين، ولسوف يكون لذلك الدور المركزي في صوغ نظريات مؤسس علم الاقتصاد السياسي.
- لا نعلم إلا القليل عن طفولة آدم سميث، ومن ذلك أنه في سن الثالثة تعرض للخطف لمدة قصيرة على أيدي الغجر، حتى استطاع خاله أن يعيده سالماً.
- كان سميث متفوقاً في دراسته الجامعية في جامعة جلاسكو، التي انخرط فيها في سن الرابعة عشرة، ففاز بمنحة للدراسة في كلية باليول في جامعة أوكسفورد. ولكن منظومة التعليم في إنجلترا، بصفة خاصة في أوكسفورد، لم تنل إعجابه. الأمر الذي جعله يترك أوكسفورد ويعود إلى كيركالدي قبل نهاية المنحة الدراسية.
- بفضل الصلات العائلية، قام اللورد كامس، وهو محام ومفكر بارز، بدعوة سميث لإلقاء سلسلة من الحاضرات العامة في إدنبره حول الأدب الإنجليزي وفلسفة القانون. وقد أحرزت المحاضرات نجاحاً عظيماً.
- عندما بلغ السابعة والعشرين في عام 1751، قام سميث بتدريس المنطق وفلسفة الأخلاق والأدب والبلاغة في جامعة جلاسكو.
- في 1759 نشر سميث تأملاته في كتاب تحت عنوان"نظرية المشاعر الأخلاقية"، وحينما أرسل صديق سميث الفيلسوف ديفيد هيوم نسخاً من هذا الكتاب إلى عدد من الأصدقاء، ومنهم تشارلز تاونسند، قام الأخير بتوظيف سميث بمرتب قدره 300 جنيه استرليني طيلة الحياة، وذلك كمعلم خصوصي لابن زوجته دوق بوكليه.
- لم يمض وقت طويل حتى انطلق سميث مع تلميذه في رحلة إلى فرنسا، حيث كان السفر جزءا من العملية التعليمية لكل شاب أرستقراطي في ذلك الوقت، واستمتع كلاهما في باريس بالصحبة لديفيد هيوم الذي كان السكرتير الخاص للسفير هناك. لكن سميث لم يكن يتكلم الفرنسية بطلاقة، ووجد صعوبة في التواصل مع الآخرين؛ فبدأ الضجر يتملكه وأخبر هيوم:" لقد بدأت بتأليف كتاب من أجل تمضية الوقت". ولم يكن هذا الكتاب إلا "ثروة الأمم".
- رجع سميث مع تلميذه إلى لندن في عام 1766، وعاد سميث إلى كيركالدي ليقيم فيها، حيث استطاع توفير ما يكفي لشراء منزل عظيم في شارع هاي ستريت، وعاش فيه مع والدته وابنة خاله جانيت.
- أمضى سميث أعواماً كثيرة في كيركالدي وهو يكتب وينقح ويصقل مخطوطته على حساب صحته، لكنه تحسن بعد مدة طويلة أمضاها في لندن من 1773 إلى 1776، مستمتعاً بصحبة مفكرين عظماء آخرين من أمثال الرسام السير جوشوا رينولدز، والمؤرخ الكبير إدوارد جيبون، والسياسي الراديكالي إدموند بيرك.
- نشر"ثروة الأمم" أخيراً في مارس 1776، وحقق نجاحاً تجارياً هائلاً، وطبع عدة مرات وبلغات متنوعة خلال بضعة أعوام فقط، كما أنه حقق نجاحاً تطبيقياً أيضاً؛ فالوصفات التي قدمها، كتحرير التجارة، أخذت طريقها في السياسة العامة.
- بعد نجاح "ثروة الأمم" على هذا النحو، كوفيء سميث بتعيينه في منصب مفوض الجمارك في إدنبره، براتب قدره 600 جنيه استرليني. وهكذا، أصبح حينها أكبر المنتقدين لمنظومة الجمارك الاعتباطية الفاشلة في بريطانيا، متبوئاً لمنصب يمكنه من فعل شيئاً ما إزاء هذا الواقع. وقد أبدى سميث قدراً كبيراً من الجدية في القيام بمهام منصبه.
- اصطلاح "اليد الخفية" ليس بالمصطلح الشائع في كتابات سميث؛ كما يتوهم البعض، فهو يظهر لأول مرة في كتاب نظرية المشاعر الأخلاقية في الفصل الأول من القسم الرابع.ثم يظهر مرة ثانية، وأخيرة، في ثروة الأمم، في الفصل الثاني من الكتاب الرابع.
- كان سميث يحب الجدل والنقاش مع الأصدقاء، وفي يوليو 1790، وبينما كان يقضي أحد أمسيات الجدل الكثيرة في إدنبره، أحس سميث بالتعب وذهب ليرتاح في فراشه مودعاً أصدقاءه قائلاً:"ان للنقاش بقية في مكان آخر". والواقع أن سميث قد ودع أصدقاءه في تلك الليلة الوداع الأخير.
(1)
"يعتبر آدم سميث المؤسس الحقيقي للمدرسة الكلاسيكية. تلك المدرسة التي كان لكتاباتها تأثير أوسع وعلى مدى أطول من أية مدرسة أخرى، ويمكن القول بأنه قد تجمعت طائفة من الظروف، بشكل غير مألوف، لتكوين الوسط الذي هيأ لآدم سميث أسباب النجاح، فهناك أولاً المذهب الحر الجديد... والذي لم يكن مبعث الإلهام للطبيعيين بفرنسا فحسب، بل واكتسح كل ما أمامه في الدوائر الفكرية التقدمية بإنجلترا...، ولقد سافر سميث نفسه إلى فرنسا، وحضر ندوات الطبيعيين في مسكن فرنسوا كينيه. لقد عاش سميث في بداية الثورة الصناعية حين عملت الآلات... على مضاعفة الإنتاج بسرعة كبيرة. لقد ثبتت دعائم الثورة التجارية من قبل ذلك الحين بفترة طويلة، ولا شك في ذلك، ولكن فرص الكسب في الصناعة والتجارة أصبحت الآن أضعاف ما كانت عليه بالنسبة إلى أولئك الذين عرفوا كيف يستفيدون من المخترعات الكثيرة التي أخذت تبرز وتتولد بوتيرة متسارعة من العلوم وعناصر التقدم الفني الحديثة. لقد بدأت الثورة الصناعية... فتطلب النظام الجديد... أفكاراً لتبريره لا ضد الأرستقراطية الزراعية كما كانت الحال بالنسبة إلى التجارة، وإنما ضد الاحتكارات التي فرضتها السياسة التجارية ذاتها. وكما لعب الطبيعيون دور المتحدث بلسان الزراعة في ثورتها ضد الامتيازات التجارية، كان آدم سميث وأتباعه المدافعين عن طبقة رجال الصناعة الناشئة وعن المستعمرات التي كانت موضع الاستغلال. لقد امتاز سميث بدقة الملاحظة مع القدرة على التعلم من عالم النشاط والعمل، حتى ولو لم يتفق ما يتعلمه مع المذاهب المقررة. وتميز كذلك بذكر الأمثال التي توضح المسائل، مما جعل الكل يقبلون على مطالعة ما يكتب، وأكسبها التقدير بصفة خاصة من جانب الرجال العمليين. وفي الوقت نفسه كان سميث ذا اتجاه فلسفي ممزوج بالدوافع الأخلاقية، مما مكنه من صياغة أفكاره على هيئة نظام منطقي في الوسع إثباته وتأييده...". (صول، المذاهب الاقتصادية الكبرى)
والواقع، تاريخياً، أن آدم سميث لا يعد أول مَن أرسى دعائم الاقتصاد السياسي، إذ توجد جذور هذا العلم في كتابات رواد العلم مثل الإحصائي الإنجليزي وليم بتي (1623-1687) ورجل المال والأعمال الأيرلندي ريتشارد كانتيون (1680- 1743) والطبيب الفرنسي فرنسوا كينيه. وسبب اختياري آدم سميث كنقطة بدء- والعرض الموسع نسبياً لمجمل موضوعاته العامة في الاقتصاد السياسي، على الرغم من الروائع الفكرية والاجتهادات المرموقة السابقة عليه- يُبنى على أمرين:
- أن سميث كان لديه الوعي بأنه يرسي دعائم العلم، علم جديد. إذ كانت الأفكار الخاصة بالقيمة والإنتاج والتوزيع والسوق والأثمان والأجور والأرباح، وغيرها من الأفكار الَّتي فرضت نفسها آنذاك على الواقع الأوروبي، متفرقة في الكتابات السابقة، وتظهر عرضاً إلى حد كبير.
- أنه الملهم الأول، والأهم، لِمَن سيأتي من بعده من مفكري الاقتصاد السياسي، وفي مقدمتهم ريكاردو، ومالتس، ورامساي، ومِلْ، وساي، وماركس، بصفة خاصة في مبحث القيمة. إذ ستمثل أطروحاته المركزية، بعد نقدها وتطويرها، الأساس النظري الَّذي سيشيَّد عليه علم الاقتصاد السياسي كما هو بين أيدينا الآن. ولم تزل محاولات الرجوع إلى سميث مستمرة حتى أيامنا هذه.
(1)
ابتداءً من هدف الكشف عن القوانين الَّتي تحكم زيادة الثروة ونموها على الصعيد الاجتماعي، وهو هدف يرتكز على تصور محدد لموضوع العلم محل انشغاله، يطرح سميث على نفسه سؤالين: ما هي طبيعة ثروة الأمة؟ وما هي أسباب زيادتها؟ ووفقاً لمحاولته الإجابة على هذين السؤالين يتشكل لديه مجمل البناء النظري الَّذي يقدمه لعلم الاقتصاد السياسي، والَّذي يحدده بأنه ذلك الفرع من فروع المعرفة الَّذي:
"يستخدمه رجل الدولة أو المشرع، لأنه يمدهما بأمرين: الأول: كيف يوفرون عوائد وفيرة للمواطنين أو كيف يوفرون هم عوائدهم. والثاني: كيفية تزويد الدولة أو الكومنولث بالإيرادات الكافية للخدمات العامة وإثراء الشعب والسلطة".(ثروة الأمم، الكتاب الرابع، المقدمة).
وعلى الرغم من أن هذا التعريف يجيء على نحو متأخر منهجياً في ثروة الأمم، إذ يستهل به سميث الكتاب الرابع، فهو في الواقع يأتي على نحو منسجم تمام الانسجام مع ابحاث سميث عبر أقسام مؤلفه، بوجه خاص في الكتاب الأول، إذ وكما سنرى تفصيلاً بعد قليل أن موضوع العلم عند سميث، على هذا النحو، إنما يرتبط بابحاثه في حقل الإنتاج، الإنتاج المتزايد بفضل عمل العمال عبر نمو مطرد. فلسوف ينشغل سميث بدراسة مصدر الثروة ومكوناتها وطبيعتها، وأسباب زيادتها، وأنواع الدخول ومنابعها، وتوزيع الناتج الفائض وتداوله بين طبقات المجتمع. وهو في كل ابحاثه تقريباً، حتَّى وهو يدرس قوانين السوق وأثمان السلع وتأرجحاتها، يبدأ من حقل الإنتاج؛ ولذا كان الاقتصاد السياسي لديه علماً يمد أصحاب القرار السياسي في الدولة بالأدوات الفكرية الّتي ترشدهم إلى القوانين الموضوعية الَّتي تنظم الإنتاج الاجتماعي الَّذي يحفظ للأمة حياتها، ويضمن لها تجديد إنتاجها، ويؤمن للحكام والمحكومين مصادر ثرائهما.
(2)
وبعد أن حدد سميث موضوع بحثه، كان عليه بالتالي أن يحدد المنهج الَّذي سوف يستخدمه في هذا البحث، وهنا نجده يعمد إلى استخدام المنهج التجريدي والمنهج الوصفي جنباً إلى جنب، واعتمدت طريقته على أن يعقب شرحه التجريدي لكل فكرة من أفكاره في جميع أجزاء ثروة الأمم باستدلال واقعي، وبضرب الأمثلة التاريخية، من إنجلترا، أو فرنسا أو اسكتلندا أو الصين أو روما أو حتى مصر القديمة. فلقد كان سميث يحرص على البرهنة بأمثلة، من الواقع ومن التاريخ القديم والمعاصر، تؤكد على صحة تصوراته وصواب أفكاره. بل ولقد حرص سميث في بعض المواضع الفكرية في ثروة الأمم على تعريف قارئه صراحة بطريقته في التحليل، والَّتي قد تبدو، كما يقول، مملة في تفاصيلها ومرهقة في تجريدها!
(3)
وإذ يحدد سميث الموضوع محل انشغاله، والمنهج الَّذي سيستخدمه، يذهب راسماً ملامح الأساس النظري للعلم الجديد. ومنطلقاً من أسئلته المركزية: ما هي طبيعة ثروة الأمة؟ وما هي أسباب زيادتها؟ ولأن سميث يبدأ تحليله للنشاط الاقتصادي في المجتمع بتحليله لعملية العمل ذاتها. العمل الَّذي اعتبره سميث مصدر الثروة، فقد وجد سميث نفسه مباشرة أمام أهم ظاهرة، في تصوره، تقود إلى زيادة إنتاجية العمل، وبالتالي زيادة الثروة الاجتماعية. هذه الظاهرة هي ظاهرة التقسيم الاجتماعي للعمل؛ وبناء عليه، يبدأ كتابه المركزي، ثروة الأمم، بعبارته الَّتي توضح مدى وعيه بأهمية العمل في حياة الأمة؛ فالسلع الَّتي يستهلكها المجتمع إما أن تكون نتاج العمل المبذول في المجتمع، أو نتيجة مبادلة السلع الَّتي أنتجها المجتمع بسلع أخرى أنتجها العمل كذلك في مجتمع أخرى:
ويتخذ سميث، للتبسيط، من معمل صغير لإنتاج الدبابيس مثالاً، يوضح من خلاله مدى أهمية تقسيم العمل في زيادة الإنتاجية، ومن ثم زيادة ثروة الأمة، بحيث ينتج في يوم واحد ما كان يمكن إنتاجه ربما في عشرات الأيام:
"لنأخذ مثالاً من صناعة بسيطة جداً... إنها صناعة الدبابيس؛ فالعامل غير المدرب على هذه الصناعة، والتي جعلها تقسيم العمل صناعة مستقلة، وغير المعتاد على استعمال الآلات، التي أدى تقسيم العمل إلى ابتكارها في الغالب، قد لا يتمكن، وإن بذل أقصى ما يستطيع، أن يصنع أكثر من دبوس واحد في اليوم. ولكننا إذا نظرنا في الطريقة التي تزاول بها هذه الصناعة اليوم، وجدنا أن العمل فيها ليس مجرد صناعة محددة فحسب، بل إنه مقسم إلى عدد من الفروع التي يشكل معظمها أيضاً صنائع مختلفة. يشد رجل السلك، ويقومه رجل ثان، ويقطعه ثالث، ويدببه رابع، ويشحذه ويعده لتركيب الرأس خامس. أما صناعة الرأس نفسها فتحتاج ثلاث عمليات مختلفة، فوضعه في مكان عمل، وتبييض الدبابيس عمل آخر، كما أن وضع الدبابيس في الورقة صناعة قائمة بذاتها. ولقد رأيت معملاً صغيراً يعمل فيه عشرة رجال، ورأيت البعض منهم يقوم بعمليتين أو ثلاثة. وبالرغم من أنهم غاية في الفقر وغير مزودين بالآلات الضرورية، فقد كان في استطاعتهم إذ ما أجهدوا أنفسهم أن ينتجوا تقريباً إثني عشر رطلاً من الدبابيس في اليوم، والرطل يحتوي على أكثر من أربعة آلاف دبوساً من الحجم المتوسط. ولذلك كان في استطاعة هؤلاء العشرة رجال أن ينتجوا أكثر من ثمانية وأربعين ألف دبوساً في اليوم... فإذا ما اعتبرنا أن كل عامل يصنع عُشر الثمانية والأربعين ألف دبوس، أمكننا القول أن العامل الواحد يصنع أربعة آلاف وثمانمئة دبوساً يومياً، ولكن لو أن كل واحد منهم عمل بمفرده، فالمؤكد أنه لن يكون في إمكانه أن يصنع عشرين دبوساً، ولا حتى دبوساً واحداً في الغالب...". (ثروة الأمم، الكتاب الأول، الفصل الأول).
ويستكمل سميث؛ مبيناً مدى حيوية التقسيم الاجتماعي للعمل:
"راقب وسائل معيشة العامل العادي... ولسوف تدرك أن عدد الأشخاص الذين استعمل جزء من كدهم مهما كان هذا الجزء صغيراً في تأمين وسائل معيشته يفوق الحصر، فالمعطف الصوفي، على سبيل المثال، الذي يرتديه العامل إنما هو نتيجة العمل المشترك لعدد غفير من الصناع؛ فالراعي، ومنقي الصوف، وماشطه، وصابغه، والغزال والحائك والقصار، ولفيف من الصناع الآخرين يتعين أن يضموا صنائعهم المختلفة جميعها من أجل إنجاز هذا المعطف العادي. ناهيك بالتجار، والحملة، وبناة السفن، والبحارة، وصناع الأشرعة، والحبالين...". (ثروة الأمم، المصدر نفسه).
وإذ يلاحظ سميث ميل الأشخاص الطبيعي نحو المبادلة مقايضةً ومعاوضةً، فإنه يصل بأهمية التقسيم الاجتماعي للعمل إلى المنتهى حينما يؤكد على أهمية تلك الظاهرة، ليس فحسب في زيادة ثروة الأمة، إنما أيضاً في تشكيل المواهب الإنسانية ذاتها، ويضرب على ذلك مثلاً بالفيلسوف والحمال:
"والاختلاف بين الناس في المواهب الطبيعية أقل في الواقع مما ندركه... فالفرق بين... فيلسوف وحمال من بعض حمالي الشارع... يبدو غير ناشيء عن الطبيعة بقدر ما هو ناشيء عن العادة والعرف والتربية. فطوال السنوات... الأولى من حياتيهما ربما كانا متشابهين جداً... وعند تلك السن أو بعدها شغلا في صناعتين مختلفتين. وعندئذ يبدأ الاختلاف في المواهب يتسع تدريجياً ويلفت النظر... ولولا الاستعداد للمقايضة والمعاوضة والمبادلة لتعين على كل واحد منهما أن يؤمن لنفسه جميع ما يحتاج إليه من ضروريات الحياة وكمالياتها؛ ولتعين على الجميع القيام بذات المهام وإنجاز نفس الأعمال، ولكان ما بينهم من الاختلاف في العمل ما يفضي بحد ذاته إلى أي اختلاف كبير في المواهب...". (ثروة الأمم، الكتاب الأول، الفصل الثاني).
وبعدما يقوم سميث بإخضاع ظاهرة تقسيم العمل للتحليل على هذا النحو، ينتهي إلى التأكيد على أن التزايد الكبير لمختلف السلع في المجتمع، وبالتالي تطور قوى الإنتاج، ومن ثم تزايد ثروة الأمة، إنما يرجع إلى التخصص؛ فهو الَّذي يمكن المجتمعات من إنتاج أكبر قدر من السلع في أقل وقت ممكن، وحينما ينتج هذا القدر الكبير من السلع يحدث الفائض، على الأقل بين المنتجين المباشرين، ومن ثم تكون احتمالات المبادلة أكبر وأوسع نطاقاً، وبذلك تنتشر الوفرة بين مختلف طبقات وفئات المجتمع. ولكن، كل ذلك إنما يرتبط، في رأي سميث، بمدى اتساع السوق ذاته؛ فكلما اتسع السوق كلما وجد الشخص الحافز من أجل التخصص في عمل ما يمكنه من مبادلة الفائض من إنتاجه مقابل ما يحتاج إليه من منتجات عمل المنتجين الآخرين:
"هناك أنواع من الأعمال، وحتى الأدنى منها مكانة، لا يمكن القيام بها إلا في مدينة كبيرة. فالحمال، على سبيل المثال، لا يستطيع أن يجد عملاً يكسب منه قوته؛ إذ إن القرية مكان ضيق للغاية عليه، وكذلك في البلدة القائمة على سوق ليست كبيرة إلى قدر يمكنه من العمل بشكل مستمر. في المنازل والقرى الصغيرة جداً، المتناثرة في أرجاء بلد مقفر كأعالي اسكتلندا، يتعين على كل مزارع أن يكون قصاباً، وخبازاً، وصانع جعة لأسرته الخاصة...". (ثروة الأمم، الكتاب الأول، الفصل الثالث).
(2)
وإذ يتم تحليله للتقسيم الاجتماعي للعمل، الَّذي عدَّه شرطاً لإنتاج ثروة الأمة وازديادها، يجد سميث نفسه أمام ضرورة التعرف إلى كيفية تداول هذه الثروة. بعبارة أدق: التعرف إلى القوانين الموضوعية الَّتي تحكم هذا التداول على الصعيد الاجتماعي، الأمر الَّذي جعله يتجه صوب السوق، حيث تطرح وتتبادل السلع الَّتي تمثل أحد أشكال ثروة الأمة. وحينما توجه إلى السوق، من أجل تحليل طبيعته والكشف عن قواعده، وجد أن عليه الانشغال بالإجابة على مجموعة من الأسئلة المرتبطة مباشرة بانشغاله المركزي بكيفية زيادة الثروة، إذ انشغل سميث بالإجابة على:
- كيف يمكن لمجتمع يسعى جميع أفراده إلى مصلحتهم الفردية أن يستمر ولا ينهار؟
- وما الَّذي يجعل تصرفات أفراد المجتمع، على الرغم من أنانيتها تلك، تأتي متفقة مع المصلحة الجماعية؟
- بل كيف ينجح المجتمع في تأدية المهام اللازمة لبقائه على الرغم من أن الحكومة، كما يفترض سميث، يقتصر دورها على الدفاع، وإقامة العدالة، وحفظ الأمن الداخلي؟
وإذ يقدم سميث الإجابات على ما يثيره من أسئلة، فإنما يتوصل، ربما، إلى أول صياغة دقيقة لقوانين السوق الَّتي ترتكز على فكرة "اليد الخفية" (أُرجح أن تكون الفكرة مستقاة من مذهب الفيزيوقراط)، الَّتي تسير بمقتضاها مصالح الناس الخاصة وأهواؤهم في الاتجاه الأكثر اتفاقاً مع مصلحة المجتمع بأسره.
ولكن، قوانين السوق ليست قائمة بذاتها، إنما تتأسس على ركيزتين أساسيتين: المنافسة بين المنتجين من جهة، والمصلحة الشخصية من جهة أخرى.
فالسلعة الَّتي يزيد المجتمع استهلاكه منها ستقود المنتجين إلى العمل على إنتاج المزيد منها بتوظيف المزيد من قوى الإنتاج (الأرض، والعمل، والرأسمال) في فرع إنتاجها، على حساب سلعة أخرى كف المجتمع، ولو مؤقتاً عن استهلاكها. وبالتالي، مع تدفق رساميل المنتجين، يزيد الفائض من السلعة الَّتي شهد فرع إنتاجها ضخ المزيد من قوى الإنتاج، في مقابل انخفاض الفائض، وربما الحد الأدني، من السلعة الَّتي توقف إنتاجها لعدم رغبة المجتمع فيها، لسبب أو آخر، ومن ثم يقود هجرها من قبل قوى الإنتاج إلى انخفاض المعروض منها عن حاجة المجتمع. وحينئذ، أي حين انخفاض المعروض، تتدخل القوانين العامة للسوق كي تصحح الوضع ولترجعه إلى ما كان عليه من توازن. إذ سيأخذ ثمن السلعة الَّتي انخفض قدر المعروض منها، نظراً لانسحاب قوى الإنتاج من فرع إنتاجها، في الارتفاع؛ الأمر الَّذي يؤدي مباشرة إلى اندفاع المنتجين صوب حقل إنتاج هذه السلعة بغية جني المزيد من الأرباح أثر الارتفاع النسبي في ثمنها. وما بين تلك الحركة من المد والجزر لقوى الإنتاج الموظفة في حقل الإنتاج، يتم توازن الأثمان في السوق. واعتبارات المنافسة لا تنظم فقط حركة إقدام الرساميل وإحجامها، وإنما تضطلع كذلك، في تصور سميث، بمهمة منع تحكم أحد العارضين في الثمن، والمقصود هنا هو ثمن السوق، اللهم إلا إذ ما حدث الاتفاق بين العارضين لسلعة ما، وهنا أيضاً يتدخل نفس المبدأ، مبدأ المنافسة، إذ سيأتي رأسمالي آخر من خارج سوق تلك السلعة ويدخل سوقها بثمن أقل؛ بما يؤدي، في نهاية المطاف، إلى توازن الثمن في السوق مرة أخرى.

ولا يقتصر دور المنافسة على تنظيم أثمان السلع فحسب، بل هي تقوم كذلك بدور حاسم في تنظيم كميات السلع المطروحة في السوق.
"إن الكمية التي تعرض في السوق من كل سلعة تتلائم على نحو طبيعي مع الطلب الفعال عليها. فمن مصلحة جميع الذين يستخدمون أرضهم، وعملهم أو رأسمالهم ألا تزيد كميتها عن الطلب الفعال، حين الدفع بسلعتهم إلى السوق، ومن مصلحة جميع الناس الآخرين ألا تنقص عن هذا الطلب. فإذا تصادف أن زادت عن الطلب الفعال؛ فيتعين لبعض الأجزاء المكونة لثمنها من أن ينخفض عن ثمنها الطبيعي، إذا كان هذا الجزء ريعاً فإن مصلحة أصحاب الأراضي سوف تدفعهم فوراً إلى سحب جزء من أراضيهم، وإذا كان هذا الجزء من الأجور أو الربح، فإن مصلحة العمال في الحالة الأولى، أو أرباب عملهم في الحالة الأخرى، سوف تدفعهم إلى سحب جزء من عملهم أو من رأسمالهم من هذا الاستثمار. وبذلك تتناقص الكمية الموجهة إلى السوق سريعاً بحيث لا تزيد عما هو كاف لتلبية الطلب الفعال. وترتفع مختلف أجزاء الثمن إلى نسبها الطبيعية والثمن الكلي إلى الثمن الطبيعي، على العكس من ذلك، إذا نقصت الكمية الموجهة إلى السوق عن الطلب الفعال؛ فلا بد لبعض مكونات ثمنها من أن ترتفع فوق النسبة الطبيعية، فإذا كان هذا الجزء هو الريع فإن مصلحة جميع أصحاب الأراضي الآخرين ستدفعهم بصورة طبيعية إلى استخدام المزيد من الأراضي، أما إذا كان هذا الجزء هو الأجور أو الرأسمال، فإن مصلحة جميع العمال والرأسمال ستكون في إنتاج هذه السلعة ونقلها إلى السوق، فلا تلبث الكمية الموجهة إلى السوق أن تصبح كافية لتلبية الطلب الفعال. ثم سرعان ما تنخفض باقي أجزاء الثمن إلى نسبتها الطبيعية، ويتراجع الثمن الكلي إلى الثمن الطبيعي". (ثروة الأمم، الكتاب الأول، الفصل السابع).
ومثلما تنظم قوانين السوق الأثمان والكميات المنتجة من السلع، وتوجه المنتجين إلى حقول الإنتاج المختلفة، فهي تنظم كذلك دخول الَّذين يشاركون في إنتاج تلك السلع؛ فإذا كانت الأرباح (دخل الرأسمالي) في أحد فروع الإنتاج مشجعة، فسوف يتدفق الرأسماليون إلى هذا الفرع من أجل جني المزيد من الأرباح؛ فيزداد بالتبع الإنتاج، ومن ثم يزداد الطلب على العمال، وبالتالي يزداد الفائض، أي الكمية المعروضة، حتى تنخفض الأثمان، نتيجة زيادة الكمية المعروضة عن الكمية المطلوبة، وهكذا...، حتى تتم الدورة في السوق وفقاً لقواعد اليد الخفية الَّتي تنظم المنافسة في هذا السوق.
والأمر نفسه بشأن دخول العمال، إذ يتدفق العمال على القطاع الذي ترتفع فيه الدخول، ويظل تدفقهم مستمراً وتزداد المزاحمة فيما بينهم، فتبدأ دخول العمال، أي أجورهم الَّتي تتحدد عادة بحد الكفاف، في الانخفاض؛ نظراً لزيادة الكمية المعروضة من العمال فيأخذ هؤلاء العمال في الانسحاب من القطاع بحثاً عن أجور أعلى نسبياً في قطاع آخر فيقل المعروض من السلعة الَّتي سبق أن زاد الطلب عليها فيرتفع ثمنها، وهكذا...، حتى يتم التوازن كذلك في السوق.
والمنافسة ليست بين الرأسماليين فقط أو بين العمال فيما بينهم فحسب، إنما في سياق هذه المنافسة، المستمرة والمحتدمة، يلاحظ سميث منافسةً من نوع آخر، هي المنافسة، بل الصراع، بين الرأسماليين والعمال. وما ينشغل به سميث هو الكشف عن أسباب إخفاق العمال في تمرداتهم قِبل الرأسماليين وفشل إضراباتهم عن العمل حينما يطالبون برفع أجورهم أو تحسين ظروف عملهم.
"سواء أكانت تحالفاتهم (يقصد العمال) هجومية أو دفاعية، فهي غالباً تنتشر على الملأ. وهم يلجأون دائماً إلى أضخم أشكال الصخب والصياح، ويعتمدون أعنف أشكال التعبير والسخط والغضب؛ بغية التوصل إلى قرار سريع. إنهم يائسون ويتصرفون برعونة اليائسين وجنونهم، إذ لا خيار أمامهم إلا الموت جوعاً أو إخافة أرباب عملهم بحيث يستجيبون لمطالبهم... ونادراً ما يحصل العمال على مكسب من عنف تلك التحالفات الصاخبة التي لا تكاد غالباً تصل إلى أي شيء، إلا معاقبة قادة التحرك أو خراب بيوتهم، وذلك جراء تدخل السلطات من جهة، وجراء قدرة أرباب العمل على مزيد من الصمود من جهة ثانية، وجراء الضرورة التي ينصاع لها القسم الأكبر من العمال لتحصيل أقواتهم اليومية من جهة ثالثة". (ثروة الأمم، الكتاب الأول، الفصل الثامن).
وليست المنافسة فقط هي الَّتي تعتمد عليها قوانين السوق، إنما ثمة ركيزة أساسية أخرى تساندها، تلك الركيزة هي المصلحة الشخصية. والمبدأ، لدى سميث، هو أن الفرد، ابتداءً من استعداده الفطري للمقايضة والتبادل، حينما يحرص على تحقيق نفعه الشخصي، يحقق، بالتبع، المصلحة الاجتماعية.
"إن الإنسان يحتاج دائماً إلى مساعدة غيره من بني جنسه، ولا يمكن توقع صدور هذه المساعدة عن طيب خاطر فحسب، إذ يتعين دوماً إقناعهم بأن من مصلحتهم مساعدتنا، فنحن لا نتوقع الحصول على الغذاء من الجزار والخباز بفضل حسن أخلاقهم، ولكننا نتوقع ذلك منهم كنتيجة لأنانيتهم... إننا لا نخاطب النزعة الإنسانية في أنفسهم بل نخاطب حبهم لذاتهم، ولا نتحدث إليهم عن ضرورياتنا بل عن منافعهم... إن الاستعداد للمقايضة هو الذي يخلق الداعي إلى تقسيم العمل". (ثروة الأمم، الكتاب الأول، الفصل الثاني).
(3)
ولكن، تلك القوانين الَّتي كشف عنها سميث، وأحكم صوغها، لم تكن مساهمته الأكثر أهمية؛ إذ أن مساهمته الفعلية، تاريخياً، إنما تتركز في نظره إلى السلعة في المرحلة السابقة على طرحها في السوق للتبادل، أي تحليل حقل الإنتاج. إنتاج الثروة. فحينما أراد سميث التعرف إلى كيفية تكون الأثمان، كان عليه أولاً أن يحدد موقفه من مشكلة القيمة. ومن أجل تحديد هذا الموقف كان عليه أن ينتقل من دائرة التداول إلى دائرة الإنتاج حيث تنتج القيمة، وحينئذ يرى أن القيمة:
"كلمة تشير أحياناً إلى منفعة شيء معين، وأحياناً تدل على القدرة على شراء سلع أخرى... والأولى تسمى القيمة الاستعمالية، والثانية القيمة التبادلية. (ثروة الأمم، الكتاب الأول، الفصل الرابع)
وإذ يعيّن سميث المصطلحات الَّتي يستخدمها، على هذا النحو، ويحدد انشغاله بالبحث عن منظم القيمة ومقياسها وتقديرها، فهو حينما يبحث عن منظم القيمة، يعي أن كمية العمل الضروري اللازم لإنتاج السلعة هو أساس التبادل. هو منظم القيمة. ويضرب مثلاً على ذلك، في بداية الفصل السادس الَّذي خصصه لبحث الأقسام المكونة لثمن السلع، الصيد: فإذ ما كان صيد حيوان ما يستغرق ساعتين من العمل، وآخر يتكلف ساعة واحدة من العمل؛ فإنه يتعين مبادلة زوج من الحيوان الَّذي تكلف صيده ساعة عمل واحدة بحيوان واحد من الَّذي تكلف صيده ساعتين من العمل:
"إذا كان صيد القندس يتطلب عادة ضعف العمل اللازم لصيد الغزالة، فيجب أن يبادل القندس بزوج من الغزالة. ومن الطبيعي أن ما ينتج عادة في يومي عمل أو ساعتين عمل يستحق ضعف ما ينتج عادة في يوم عمل أو ساعة عمل".(ثروة الأمم، الكتاب الأول، الفصل السادس).
ولكن سميث هنا، كما في كل مكان في ثروة الأمم، يعقد التفرقة بين المجتمعات القديمة (الحالة المبكرة للمجتمعات قبل تراكم مخزون السلع وامتلاك الأرض) والمجتمعات المعاصرة (حيث امتلاك الأرض وتراكم مخزون السلع في أيدي أناس معينين) وهو ما سوف يقوده إلى تطوير فكرته في منظم القيمة. ففي أقدم العصور كان نتاج العمل دائماً مِلك مَن ينتجه. وكمية العمل المبذول في إنتاج السلعة هي الَّتي تنظم مبادلتها، فالقوس الَّذي بُذل في إنتاجه ساعة عمل يمكن مبادلته بمطرقة تكلف إنتاجها ساعة عمل. فحينئذ يكون العمل، والعمل وحده، هو أساس التبادل. في هذه المرحلة التاريخية يستبعد سميث أن يشارك آخر المنتج المباشر فيما أنتجه. هنا كمية العمل بمفردها هي الَّتي تنظم القيمة. ولكن، مع تطور البشرية لا يكون كامل نتاج العمل دائماً ملكاً للعامل؛ إذ عليه في الغالب أن يتقاسم نتاج عمله مع مالك الرأسمال الَّذي يستأجره. فما أن يستأثر البعض بملكية وسائل الإنتاج، يملكون إذاً الرأسمال، إلا ويبدأون:
"وما أن يتراكم مخزون السلع في أيدي أشخاص معينين، حتى يبدأ بعضهم بشكل طبيعي في استعماله لتشغيل أناس مهرة جادين، يمدونهم بمواد العمل وأسباب المعيشة ليجنوا مكسباً ببيع أعمالهم، أو بما يزيد من قيمة إلى قيمة المواد بفضل شغلهم...". (ثروة الأمم، الكتاب الأول، الفصل السادس). (كذا: المصدر نفسه، الفصل الثامن).
وبتلك المثابة تبلورت الأجور وكذا الأرباح. ومن ثم صار للرأسمال الحق في المطالبة بدور في تنظيم القيمة إلى جانب كمية العمل:
"وليست كمية العمل المبذول... هي الظرف الوحيد الذي يمكن أن ينظم الكمية التي ينبغي لهذه السلعة أن تبادل بها فمن الجلي أنه يتعين احتساب كمية إضافية لأرباح الرأسمال الذي قدم الأجور ووفر المواد لهذا العمل". (ثروة الأمم، المصدر نفسه).
وفي مرحلة تالية؛ تَبدّا الريع؛ ومن ثم صار بدوره أحد أجزاء منظم القيمة، فحينما تمسي أرض بلد ما محلاً للملكية الخاصة يحب هؤلاء الملاك أن:
"يحصدوا ما لم يزرعوا، وأن يطلبوا ريعاً حتى من نتاجها الطبيعي، فحطب الغابات، وأعشاب الحقول، وجميع ثمار الأرض الطبيعية التي لم تكن، يوم كانت الأرض مشتركة، تكلف العامل إلا جهد قطافها، صارت كلها تصل إليه بثمن إضافي يفرض عليها. فعليه حينئذ أن يدفع ثمن الترخيص بجمعها، وعليه أن يتنازل لمالك الأرض عن قسم مما جمعه أو أنتجه بعمله". (ثروة الأمم، المصدر نفسه).
ولسوف يحدد سميث قيمة السلعة التبادلية، أو ثمنها الطبيعي كما سيقول فيما بعد، بهذه الدخول الثلاثة، أي الأجر والربح والريع، بما يعني أن ثمن السلعة الطبيعي هو الَّذي ينظم قيمتها. وسنعود لتلك الفكرة بعد قليل.
(4)
وبعدما ينتهي سميث من تحليل منظم القيمة وتطوره، ينتقل إلى مقياس القيمة. وحينئذ يرى أن العمل هو:
"المقياس الحقيقي للقيمة التبادلية للسلع كافة". (ثروة الأمم، الكتاب الأول، الفصل الخامس).
ولكن، تواجه سميث مشكلة، سوف يحاول ريكاردو حلها فيما بعد، تلك المشكلة هي أن العمل وإن كان باستطاعته قياس قيمة المبادلة، فيمكننا أن نقول أن قيمة السلعة تساوي 4 ساعات عمل، فليس بإمكانه، في تصور سميث، أن يقدر هذه القيمة؛ إذ يصعب اعتبار هذه الـ 4 ساعات قيمة حقيقية للسلعة. أو تمثل قدرتها الفعلية على شراء سلع أخرى؛ وذلك لصعوبة المقارنة (المقصود المقارنة الدقيقة بمقياس دقيق) بين المجهود المبذول في سبيل إنتاج السلعة من جهتين: الأولى: شدة العمل، الثانية: البراعة في العمل. وعليه، سيكون من الصعب، وفقاً لتصور سميث، مقارنة ساعة عمل حداد أو عامل منجم مع ساعة عمل بستاني، أو حلّاق. أو مقارنة ساعة عمل فلاح، أو إسكافي، مع ساعة عمل صائغ، وبالتالي لن يمكن، في تصوره، أن تقدر قيمة السلعة التبادلية بالعمل. هي فقط تقاس بالعمل. وأمام هذه المشكلة يضطر سميث إلى البحث عن شيء آخر تقدر به تلك القيمة، وحينئذ يرى أن القيمة:
"تقدر بكمية من سلعة أخرى". (ثروة الأمم، المصدر نفسه).
ولكن سميث يبدو وكأنه غير مقتنع كلياً بما انتهى إليه ويسعى إلى إكساب النتيجة الَّتي وصل إليها نوعاً من بعض اليقين المستمد من السوق، فمع الاختلاف بين الأعمال من جهتي الشدة والبراعة، وعدم وجود مقياس دقيق يُحتكم إليه بشأنهما، يعترف بأن تقدير قيمة السلعة من خلال كمية العمل المبذول في السلعة الأخرى:
"ليس من طبائع الأشياء ولا يتميز بأي وضوح". (ثروة الأمم، المصدر نفسه).
ومن هنا يتلمس سميث بعض اليقين من السوق. ويحيلنا إليه؛ فقوانين السوق سوف تتكفل بإجراء المساواة ولو التقريبية بين الأعمال الَّتي تختلف شدتها أو براعتها.
فاعتبارات الشدة والمشقة عادة ما تؤخذ في الاعتبار عند المبادلة في السوق؛ فوفقاً لمثل القندس والغزالة يقرر سميث أن المجتمع سوف يأخذ في اعتباره أن كمية العمل المبذول في صيد كل من الحيوانين هي الَّتي تحدد نسبة المبادلة بينهما، بحيث أن ما يُنتج في يومي عمل أو ساعتين عمل (زمن الإنتاج وزمن العمل عند ماركس فيما بعد) يستحق ضعف ما ينتج في يوم عمل أو ساعة عمل.
ومن جهة البراعة، فإن سميث يرى أن التقدير الَّذي يكنه المجتمع للبراعة والمهارة في العمل سوف يكسب نتاج العمل (في المجتمعات القديمة، والمعاصرة بالتبع على السواء) قيمة تفوق ما يستحقه الوقت المستغرق في هذا الإنتاج. أي أن ساعة واحدة من العمل البارع سوف تفوق، في نظر المجتمع، ساعة واحدة من العمل العادي.
وعلى الرغم من إقرار سميث بأن الاختلاف، على هذا النحو، بين الأعمال من جهتي الشدة والبراعة، إنما يستصحب بطبيعته صعوبات في المبادلة، ومع إقراره أيضاً بأن التبادل على هذا النحو لا يتوازن وفقاً لأي مقياس دقيق، بل تقوم المساومة المستمرة في السوق بتأدية الدور الحاسم في هذا الأمر، فهو يرى أن تلك المساومة كافية لاستمرار الحياة اليومية في المجتمع، مع استبعاده أن يكون ذلك، وفقاً لمذهب الفيزيوقراط في الغالب، أمراً طبيعياً، وإن أمكن جعله مقبولاً!
إن المشكلة الحقيقية الَّتي يستشعرها ذهن سميث، ليست، كما ظن البعض، هي الكيفية الَّتي يمكن بمقتضاها المقارنة بين العمل اليسير والعمل الشاق، أو بين العمل العادي والعمل البارع؛ لأن المجتمع، قديماً وحديثاً دونما فرق لدي سميث، سوف يتعارف فيما بين أفراده على قواعد رضائية تتيح إجراء المبادلة بين الأنواع المختلفة من العمل. نعم ليس ذلك من قبيل الأمور الطبيعية، ولكن سوف تجعله ظروف الحياة اليومية مقبولاً بحال أو بآخر. ولكن هذه المقولات، غير العلمية، لا ترضي ذهن سميث. ومن هنا تبلورت المشكلة الحقيقية في أن ذهن مفكرنا الموسوعي، وهذا دأبه، يبحث باستمرار عن القانون الموضوعي الَّذي يحكم الظاهرة. وبالتالي ينشغل سميث ها هنا بالبحث عن القانون الموضوعي الحاكم لهذا التبادل بين الأنواع المختلفة من العمل. يبحث عن القانون الَّذي تكوّن خارج إرادة أفراد المجتمع. هو يبحث عن قانون طبيعي. القانون المنبثق مباشرة عن اليد الخفية. ولذلك نراه، بعد أن أعْيَاه الأمر، يكتفي على ما يبدو بعبارات، وكما ذكرنا، تنم عن عدم يقين وخيبة أمل:
"والحق أنه في مبادلة مختلف منتجات العمل يؤخذ أمر المشقة والبراعة في الاعتبار. غير أن التبادل لا يتوازن وفقاً لأي مقياس دقيق، بل بالمساومة في السوق... التي وإن كانت غير دقيقة فهي كافية في تسيير أمور الحياة المعتادة... وهو إن كان يمكن جعله معقولاً بقدر كاف، فهو ليس من طبائع الأشياء ولا يتميز بأي وضوح". (ثروة الأمم، المصدر نفسه).
ويستكمل سميث تحليله لما تقدر به القيمة؛ وينتقل من كمية من السلعة الأخرى إلى كمية من النقود. ولأن السلع، بعد انهيار نظم المقايضة، لم تعد تبادل بالسلع، إنما صارت تبادل بالنقود، فسوف تقدر القيمة بكمية النقد، ويجد النقد هنا مادته في الذهب والفضة:
"فالقصاب لا يحمل معه لحم البقر إلى الخباز، بل هو يحمل اللحم إلى السوق حيث يبادلها بالنقود، ثم يستبدل بهذه النقود الخبز... ومن الطبيعي والأوضح في تصوره أن تقدر قيمة اللحم بكمية النقد...". (ثروة الأمم، المصدر نفسه).
ولكن، الذهب والفضة، كجميع السلع الأخرى، تتغير قيمتهما ارتفاعاً وانخفاضاً؛ وبالتالي لا يمكن لمقياس هو نفسه محل تغيُّر أن يصلح مقياساً (يعود سميث هنا مرة أخرى، وفجأة، للمقياس) لقيمة السلع الأخرى، وهو ما جعل سميث يستكمل فكرته كي يرجع مرة أخرى إلى العمل، لأنه وحده الَّذي لا يتغير في قيمته الذاتية. ومن ثم ينتهي سميث إلى أن العمل هو المقياس الحقيقي والنهائي الَّذي يمكن لقيمة السلع كافة أن تقارن به (مقياساً، وتقديراً) في كل الأزمنة والأمكنة.
وأساتذة النظرية الجامعية، الَّذين تؤرقهم نظرية العمل في القيمة، يقولون للطلبة، وبمنتهى الثقة، أن سميث كان يرى أن قيمة السلعة كانت تتحدد بالعمل، أي أنه كان يؤمن بنظرية العمل في القيمة، ثم قام بتغيير رأيه وتبنى نظرية في نفقة الإنتاج! وبالتالي أصبح، في رأيهم، كلٌ من منظم القيمة ومقياسها متعلقين بنفقة الإنتاج. وذلك غير صحيح؛ لأن القيمة "الَّتي يضيفها العمال" إلى المواد، كما يقول سميث، سوف تنحل إلى أجور العمال وأرباح الرأسماليين. والأخيرة، أي الأرباح، تحمل في أحشائها الريع(وربما الفائدة، بل والأجر نفسه) الَّذي سيدفعه الرأسمالي إلى مالك الأرض. وستكون تلك الدخول هي مكونات القيمة التبادلية، أو ثمن السلعة الطبيعي.
فالتحليل يسير على النحو التالي: يشتري الرأسمالي مواد العمل بـ 3 وحدات، وأدوات العمل بـ 3 وحدات، والعمل بـ 3 وحدات ثم يقوم العمال بالإنتاج، وهم حينئذ"يضيفون قيمة" إلى مواد العمل، ولتكن 6 وحدات. يتحدد إذاً ثمن السلعة الطبيعي بهذه الـ 6 وحدات. أي بالقيمة الَّتي أضافها العمال، وليس بنفقات الرأسمالي. ولكن، بعد أن أصبح لدينا الآن أجر وربح وريع، كيف سنقيس القيمة الآن؟ يجيب سميث، وبما نفهم منه عدم عدوله إلى نظرية في نفقة الإنتاج: ستقاس أيضاً بالعمل، لأن:
" القيمة الحقيقية لجميع الأقسام المختلفة المكونة للثمن (يقصد الثمن الطبيعي)، إنما تقاس بكمية العمل الذي يتمكن كل منها أن يبتاعها أو يستحقها، فالعمل لا يقتصر على قياس قيمة ذلك القسم من الثمن الذي يرجع إلى العمل، بل ذلك الذي يرجع إلى الريع وذلك الذي يرجع إلى الربح". (ثروة الأمم، الكتاب الأول، الفصل السادس).
(4)
يمكننا الآن فهم التوزيع عند سميث، فهذه القيمة أي الـ 6 وحدات المذكورة أعلاه (الَّتي يضيفها العمال إلى المواد) سوف تنحل إلى: أجر يدفع للعامل، وربح يستحوذ عليه الرأسمالي، وريع يسدد للمالك العقاري. إذ بفضل القيمة الزائدة الَّتي خلقها العمل تمكّن الرأسمالي من: دفع الأجور والريع، وجني الربح.
وعليه، فإن الثمن الطبيعي، والَّذي تتأرجح حوله أثمان السوق في المدى الطويل، والَّذي يقول عنه الأساتذة أنه نفقة الإنتاج، على الرغم من أن هذا المصطلح ليس له وجود في ثروة الأمم! يتكون من الأجر والربح والريع. وهذه الدخول مصدرها القيمة الَّتي"يضيفها العمال"إلى المواد، أي مصدرها العمل، وليس نفقات الرأسمالي.
"إن ثمن أية سلعة (يقصد ثمنها الطبيعي، أو مدى قوتها على شراء سلع أخرى، أي قيمتها التبادلية) في كل مجتمع يرجع في النهاية إلى هذا الجزء أو ذاك من هذه الأجزاء: الأجور والربح والريع العقاري أو ينحل إلى هذه الأجزاء الثلاثة جميعاً... إن الأجور والربح والريع العقاري هي المنابع الأصلية لكل إيراد ولكل قيمة مبادلة... ". (ثروة الأمم، المصدر نفسه).
(5)
وبشأن اصطلاح الثمن، فإن آدم سميث يستخدم أربعة مصطلحات مختلفة، سواء كان ثمن السلعة، أو ثمن العمل الَّذي يقدمه الشغيلة. تلك المصطلحات هي: الثمن الحقيقي، والثمن الاسمي، والثمن الطبيعي، وثمن السوق. أما الثمن الحقيقي، وهو يقترب في ذهن سميث من الثمن الطبيعي، فهو مقدار العناء والتعب والجهد الَّذي يبذله الإنسان في سبيله للحصول على سلعة ما.

والثمن الحقيقي على هذا النحو يتقوم بكمية ضروريات الحياة وكمالياتها الَّتي تبذل بدلاً عنها، على حين أن الثمن الاسمي يتقوم بكمية النقود.
أما الثمن الطبيعي، فهو الثمن المطابق لريع الأرض وأرباح الرأسمال وأجور العمال. فعندما يكون ثمن أية سلعة ليس أكثر أو أقل مما هو كاف لدفع ريع الأرض، وأجور العمل، وأرباح الرأسمال المستثمر في إنشائها، وإعدادها، ونقلها إلى السوق، وفقاً للنسب الطبيعية لهذه الثلاثة، فالثمن الذي تباع به السلعة يسمى ثمنها الطبيعي.
أما ثمن السوق، فهو الثمن الفعلي الَّذي تباع به أية سلعة عادةً، وقد يكون أعلى من ثمنها الطبيعي، أو أدنى منه، أو مساوياً له. ثمن السوق إذاً يتقلب ارتفاعاً وانخفاضاً حول الثمن الطبيعي للسلعة. وقوانين السوق هي الَّتي تنهض بمهام المطابقة بين الثمنيّن.
(8)
وإذ يبني سميث مذهبه، ابتداءً من تحليله لعملية الإنتاج، فهو يرى أن الإنتاج يتطلب توافر حد أدنى من الرأسمال الَّذي يلج حقل الإنتاج في أشكال مختلفة، منها ما هو في صورة مبان وآلات ومعدات، ومنها ما هو في صورة مواد أولية أو مواد مساعدة، ومنها ما هو في صورة أجور تدفع للعمال الَّذين يقومون بتفعيل المواد من خلال الآلات وتحويلها إلى سلع.
والواقع أن سميث يقسم الرأسمال في المجتمع إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: القسم المخصص للاستهلاك المباشر مثل المواد الغذائية والأثاث المنزلي والملابس... إلخ، أما القسم الثاني: فهو الرأسمال الأساسي، وهو الَّذي لا يتغير مالكه لا أثناء ولا عقب عملية الإنتاج. وهو يتألف بشكل رئيسي من أربعة أمور: (أ) الآلات الَّتي يستهلكها العمل. (ب) المباني مثل المحلات التجارية والمستودعات ومخازن الغلال. (ج) المواد التي تستخدم في تحسين الأرض وتجويد التربة. (د) المهارات المكتسبة بالتعلم. أما القسم الثالث: فهو الرأسمال الدائر. وهو الَّذي لا يدر إيراداً إلا عن طريق التداول أو تغيير مالكه عقب عملية الإنتاج، وهو يتألف من أربعة أجزاء: (أ) النقود، (ب) خزين المؤن الماثلة في حوزة القصاب والمزارع ...، (ج) مواد العمل سواء كانت في حالة خام أو مصنعة بهذا القدر أو ذاك من الملابس والأثاث والمباني الَّتي لم تكتمل هيئتها في هذه الأشكال الثلاثة بعد، (د) المصنوعات الناجزة الكاملة ولكنها لا تزال في حوزة الرأسمالي أو التاجر.

وإذ ما استبعدنا رصيد الاستهلاك المباشر، فوجه الاختلاف بين الرأسمال الأساسي والرأسمال الدائر، كما يرى سميث، يتجلى في شرط بقاء الملكية، فسميث يجعل معيار التفرقة بين قسمي الرأسمال هو مدى احتمالية تغير مالك ذلك الجزء من الرأسمال الَّذي تجسد في السلعة عقب إنتاجها وطرحها في التداول. بمعنى أن كل سلعة من السلع المنتجة طبقاً لنمط الإنتاج الرأسمالي والمعدّة للبيع في السوق، إنما تحتوي على أدوات عمل، ومواد عمل، وقوة عمل، والَّذي يمضي في التداول هو مواد العمل وقوة العمل، وتظل المباني والآلات على ملك صاحبها، هي فقط تتجسد في الناتج بمقدار الاستهلاك، وبنسبة محددة. في حين أن المواد، وكذا قوة العمل يتم استهلاكهما كلياً أثناء عملية الإنتاج. وعليه، تبقى المباني والآلات والمعدات كي تمثل الرأسمال الأساسي. في حين تعد مواد العمل، وقوة العمل، رأسمالاً دائراً.







اخر الافلام

.. 24-5-2017 | موجز الخامسة عصراً لأهم الأخبار من #تلفزيون_الآن


.. احتجاجات الحسيمة..هل تتوقف؟


.. وائل الخالدي: علي مملوك يتحكم بالقاعدة؟




.. المدير السابق للاستخبارات الأمريكية يؤكد حصول -اتصالات- بين


.. حشود تشيع التونسي الذي قتل في الكامور بولاية تطاوين