الحوار المتمدن - موبايل



الثلج يشتعل كإرادة وفكرة

حكمت الحاج

2016 / 9 / 6
الادب والفن


أنا الآن في منفاي الأخير ومطلوب مني بتأكيد محبة جديرة، أن أكتب شيئا ما عن كوني شاعرا.
وطبعا، هنالك الكثير من الطرق التي يستطيع المرء بواسطتها أن يتهرب من إجابات غير محتملة.
ولكن أيضا هنالك طريق واحدة فقط يستطيع الإنسان سلوكها ليصل إلى نفسه.
أنا الآن في هذه المدينة العتيقة وحيدٌ بعيدٌ عن كتبي وأوراقي ورفوفي وأرشيفي. أي بكلمة أخرى قاسية، بعيد عن قيودي وقريب جدا -وإنها لفرصة نادرة- لأكون مثل بروميثيوس حرّاً طليقاً.
وإذ أنا، كما قلت، في هذه المدينة العتيقة فإن ذلك يعني إنني سأبدأ شهادتي بالإشارة إلى اسمين أثرا أيما تأثير في المبكر من الوقت، فيَّ، وعلى ما أظن، في جيلي أيضاً، ذلك إنهما مثَّلا ولوقت طويل قطبين متنافرين -في الظاهر على الأقل- لحقيقة واحدة هي علاقة الشعر بالفكر.
في العراق بالذات وإبان سنيّ الإحتدام تلك، لا أنسى أنني قد تنازلت عن " العالم كإرادة وفكرة" لقاء إجازة من الموت. ولا أنسى أنني قد تخليت عن " مذكرات بورجوازي صغير بين نارين وأربعة جدران" لقاء ثمن بخس، قارورتين من شراب بارد. واليوم وأنا في موضع الطلب إزاء كلمة عن أحوال الشعر أراني أعصر خمر ذاكرتي في حلم يمر عشرين مرة. فهل الحصيلة كبيرة والحصاد وفير؟
سأستعين اليوم بشوبنهاور وريجيس دوبريه، ليس فقط من باب الوفاء لجرمين ارتكبتهما فيما سبق، وإنما لأن وقت الجرمين كان قبيل سن الرشد. وبعد سنوات أدركت إن ما ركز عليه شوبنهاور في الشعر، ودوبريه في الفكر، هو فترة المراهقة.
" كل إنسان تجاوز الثلاثين هو وغد حقير". هكذا كتب دوبريه في مذكراته منبها إيانا إنه لابد من وقت كاف ليستطيع المرء أن يعامل مراهقته هكذا بجدية طوال حياته برمتها.
المراهقة وليست الطفولة هي ما يجب التركيز عليه عند الحديث عن الشعر.
إن انبهارنا أمام آرثر رامبو مصدره إنه قد ترك لنا بعناية أن نكتشف مراهقته، ومن ثم مراهقتنا فيه. إذ انه لم يكن يملك الوقت الكافي ليضبطها هو بنفسه، وعندذاك، يبرز مظهر انحلال المركب الشعري إلى عاملين أساسيين حسب دوبريه وهما نداء النجدة والسخرية المزدرية.
لو كان المرء يعرف دفعة واحدة كيف يسمي الأشياء لما كان يضيع وقته في اعتبار نفسه شخصا آخر.
كل شعر هو لعب. لابد من الإنصراف إذن إلى التقنية. إلى التكنيك. إلى قواعد اللعب. ومعالجتها بجدية. أما ما عدا ذلك ففكاهة وقفزة نحو العدم.
وليس من قبيل الصدفة أن يكون أكثر الشعراء إبداعا هو ذاك الذي يمكن التحدث معه عن الفن الخالص. وأن يكون بهلوانا أو إلها من الدرجة الثانية، أو مهرجا متعدد الصنائع والحرف، مثل بيكاسو، كما يؤشر ذلك دوبريه.
إن من أصبح الفن به وعبره ومعه عملا في المطلق يملك في الوقت نفسه دعابات أيّ حرفيّ بلا حذلقات ولا تصنعات، وليس هو ذلك الذي يدعي الحكمة أو الحزن على الإطلاق.
من جهة أخرى فإنّ شوبنهاور هو الذي تعلمت منه أن أرد على الأسئلة التي من نوع: هل من الضروري أن يكون الشاعر عبقريا؟
وهل الثقافة ضرورية لكي ينتج الشاعر قصائد ناجحة؟
إن كثيرا من الأشعار العظيمة يكتبها أناس تافهون.
هذا أمر يعرفه كل شاعر. وإنه لمن المؤلم جدا الإعتراف بهذه الواقعة. لقد كان شوبنهاور يعلمنا ما هو الجميل ولكن كان عليّ أن أكتشف بنفسي ما هو العظيم.
يقسم فيلسوف الإرادة الشعرَ إلى سلّم في أسفله يكون الشعر الغنائي وفي القمة منه يجلس الشعر الدرامي. هذا النسغ الصاعد يقابله على التمام نسغٌ نازل حيثفي أسفل السلّم توجد الذات على أكملها في الوجود. وفي الأعلى حيث الشعر الدرامي تختفي الذات لصالح الموضوع.
وهكذا نجد أنه إذا كانت الدراما هي أكمل أشكال الشعر وأصعبُها، فإن الشعر الغنائي يكون أسهل شكل للشعر لأن الشاعر الغنائي لا يفعل شيئا أكثر من أنه يتمثل بوضوح حالته الشعورية في لحظة من لحظات الإستثارة الإنفعالية ثم يقوم بعد ذلك بوصف هذه الحالة. ومن هنا فإن إبداع الشعر الغنائي لا يتطلب أن يكون الشاعر عبقريا كما هو الحال في باقي الفنون. فالإنسان الذي لم يبلغ درجة العبقرية يمكن له أن ينتج أشعارا غنائية جميلة، والدليل على ذلك - حسب شوبنهاور- هو وجود العديد من الأغاني الرائعة والمتفردة التي كتبها أناس مجهولون لم يشتهروا بعبقرية تذكر. ومن أمثلة ذلك أغنيات الحب والزجل الشعبي.
هكذا إذن!
لقد كنا نتهرب من الغنائية كأنها وصمة عار شعري ولم نكن ندري تفسير ذلك.
ولكن، إلى أين كنا نسير؟
وكم كانت دهشتي كبيرة عندما وجدت شوبنهاور يقول ببساطة أيّ فيلسوف: اصعد يا هذا من الأغنية ففي الأغنية تكون انت وخبرتك أمام الكلمات بينما في الشعر الدرامي تختفي انت وتبقى الكلمات.
وتلك مزية العظماء.
وجيل كامل من الشعراء قال كل فرد منه فلنكن عظماء.
وغادرنا الشعر الغنائي.
غادرنا الغنائية.
ولكن إلى أين؟
كنا نتصور إن معراج المغادرة يبدأ بكسر الغنائية وهذا لن يتم إلا بالنثر. وكما قال عزرا باوند، أوَ ليس على الشعر أن يكون عظيما كالنثر؟ وبالنسبة لي شخصيا كان إعلائي لشأن النثر في شعري بالشكل الواضح هو السبب في خراب كل شيء في طريقي.
لم تكن ربة الأولمب ضمن رؤياي تقيم في الشعر، بل كان النثر هو الإله.
كلنا شعراء. هذا هو الحلم السوريالي. والحدود ما بين التقليد والخلق وبين المعلوم والمجهول هي حدود تنافذية. أن نكتب مثل توفيق صايغ أو مثل أنسي الحاج أو الماغوط أو جبرا ابراهيم جبرا هو بالإجمال أنجع وسيلة وأنجحها لنصبح عند اللزوم صايغ أو الحاج أو الماغوط أو جبرا. أي لنصبح شاعرا جديدا. الشاعر الجديد من فرط ما يجتر شعر الآخرين ينتهي به المطاف إلى إعادة خلقه. كل شيء يتوقف على العناد، على اللاوعي وعلى ما أسميه بقابلية الهزء والسخرية التي تسمح بأن يمد المرء فيما وراء سن الرشد لحظات النشوة الكلامية هذه التي تتوحد بها السعادة مع نشوة الكلام. وإن أولئك الذين يبقون أوفياء لمراهقتهم فيما هم يحولون هذه الحميات المتقطعة الى عمل منهجي، هم وحدهم يملكون الحظوظ كلها بأن يصبحوا شعراء.
إن اللغة الشعرية هي ذكرى.
وما يوحدنا مع الشعراء هو أنهم يتكلمون باسم ماضينا. إن ما بجمعنا بهم هو تلك الصلة التي تشدنا إلى ذلك الجزء من أنفسنا. الجزء الذي عملنا على كبته عند البلوغ، من شدة قوة الأشياء ومن شدة قوة الرقابات وكلائش الحياة اليومية، إلى المراهقة وأهوالها.
إن علاقتنا بالمراهقة لو لم تقطع بالحياة المعاشة كما هي لما كانت بنا حاجة الى الشعراء ولخسرت جاذبية الشعريات وظيفتها، ولكن البعد أصبح نهائيا. فإذن لزم حضور الشعر.
ولو لم تكن اللغة الشعرية غير مستهلكة بصورة مؤلمة لكانت القصائد غريبة عنا، وما كان الشعر ليكون لنا ذلك التدريب الشاق والباهر للذاكرة.
إن البراءة في الشعر مهارة. وعلى الشاعر أن يكون متصنعا بعض الشيء ليستطيع أن يقول حقيقته.
إذن لنأخذ الحياة على مَحْمَلِ الشعر، وهذا هو طوق النجاة.







اخر الافلام

.. جواد الأسدي: السلطات العربية تقتل المسرح بدم بارد


.. المسرح القومى يستعين بفيديو لليوم السابع فى كلمة وزيرة الثقا


.. مراجعة نهائية في الأدب والنصوص والقراءة | لغة عربية| أدب| ال




.. مراجعة نهائية لامتحان اللغة الألمانية للصف الأول الثانوي |ال


.. السعودية تشهد العرض العالمي الأول لفيلم Infinity War | الوطن