الحوار المتمدن - موبايل



جيل الملاجيء

ناهده محمد علي

2016 / 9 / 6
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


إن حصيلة النكوص الحضاري للأمة العربية هو خروج الكثير من أفراد المجتمع العربي من بيوتهم وإلى العراء ، لا كما كان العربي سابقاً يخرج بحثاً عن الماء والكلأ بل يخرج هنا بحثاً عن الطمأنينة وخاصة النساء والأطفال ، وقد تجرف السيول الأطفال لوحدهم فيهرولون لا يلوون على شيء ، وقد يبيتون في العراء لزمن طويل ، ولا فرق هنا أن تمطر السماء عليهم مطراً أو عرقاً ، أن تعوي الذئاب من حولهم أو يدغدغ هديل الحمام أسماعهم ، أن يجدوا ما يأكلونه على بساط الأرض اليابس أو أن يعضوا وهم جوعى على أطراف أثوابهم .
قد يفرق الهلع ما بين الأطفال وأمهاتهم فلا يجدون غير الملاجيء المهلهلة الباردة يأتون إليها من كل صوب ، يأتون إليها من بغداد ومن الموصل وكركوك والرمادي والفلوجة ومن حلب وحماه وحمص ، من مدن ليبية وتونسية وسودانية ، من فلسطين ولبنان وجنوب تركيا ، لا يجمعهم معاً سوى الرعب والهلع والحزن الطفولي الشارد الذي لا يعلم أين هو ولِمَ هو هنا . يختفي بعض الصبية منهم ، البعض يقول أنهم قد ماتوا في البرد القارص والبعض يعلم أنه قد جاء من يقتنصهم ويذهب بهم إلى البعيد ، ظهر أحدهم وهو في الرابعة عشر من عمره يحمل حزاماً ناسفاً في مدينة كركوك وظهر العديد منهم في معسكرات تدريب الأطفال من قِبل داعش في الموصل . مات العديد من الرضع وحديثي الولادة في هذه الملاجيء ، ولم يكن حزن الأمهات قاصراً على فقدان أطفالهم بل تعدى ذلك إلى خوفهم على أولادهم الصبية من أن يلتحقوا بالعصابات الغازية والتي تغزوا البيوت والمحلات ، ويُستهدف هؤلاء من قِبل قادة هذه العصابات لإستبعادهم عن مجال الشك والريبة من قبل السلطات الأمنية .
هناك فوارق جسيمة ما بين اللعبة السياسية الوسخة وما بين الواعز الإنساني النبيل ، فلِمَ يوضع طفل صغير مثل الطفل السوري ( عمران ) على كرسي الإعتراف لكي تصوره الفضائيات ولكي يتقاذفه السياسيون ويرجم به بعضهم بعضاً ، ولا فرق هنا أن يكون فوق رأس هذا الطفل أطنان من التراب والفزع والدم ، ولا فرق أن يكون الطفل واجماً لا يقوى على أن يقول للمصورين لِمَ أنا هنا ولِمَ تصورون ولِمَ أقبرتموني ، ولِمَ تخرجون ، لم يكن يستطيع السؤال ولم يكن يتوقع الجواب ، فالكل لاه في سبقه الصحفي ، والكل لاه في سبقه السياسي ، ولا مشكلة لديهم في كدمات الطفل أو دمائه الجارية .
يتعلم الطفل هنا أن يكون قاتلاً أو مقتولاً وأن عدوه الحقيقي هو الحضارة الإنسانية ، فقد يظهر في أي موقع حضاري ، وقد يظهر في أنقرة أو في بروكسل أو في باريس أو لندن أو في أي دولة عربية ، كما يُسخر العشرات منهم في تفجيرات بغداد .
إن من خلال ملاحظتي لوجوه هؤلاء الأطفال لا أجد فيهم تخلفاً عقلياً أو جنوناً وراثياِ أو مكتسباً ، بل أجد ما بين أعينهم الكثير من الهالات السوداء والتي تعتبر أول علامات التعاطي للمخدرات ، أو الـ ( كبسلة ) كما هو شائع . من هنا نستنتج بأننا نقحم أطفال المستقبل في ماضينا ونجعل ماضينا هو مستقبلنا وعلى هذا الأساس أيضاً لا يبقى لدينا حاضر ولا مستقبل ، لأننا الحاضر وهم المستقبل ، وكلانا ندور في محرقة الإرهاب والتخلف السياسي والإجتماعي .







اخر الافلام

.. هذا الصباح- المهرجانات الصيفية تنعش السياحة بلبنان


.. هذا الصباح- تحديات تهدد مستقبل حرفة نسج السجاد الجزائري


.. استكمال التحضيرات عند معبر نصيب الحدودي




.. أبو الغيط: تدخل إيران باليمن تهديد خطير


.. مون: سأزور بيونغ يانغ الشهر المقبل لبحث تنفيذ قمة بانمونغوم