الحوار المتمدن - موبايل



الضحكة التي تكاد تهزم التونسيين

محمد الحمّار

2016 / 9 / 17
كتابات ساخرة


يقول المثل الشعبي التونسي ما معناه بالفصحى "ضحكوا له فتمدد على طوله". و ذلك هو ما حدث للمجتمع التونسي. كيف ذلك؟
منذ الاستقلال ما انفك يقال للشعب: "أنت تملك رئيسا (الحبيب بورقيبة) بامكانه أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية حيث إن بلدك صغير تتجاوزه عبقرية بورقيبة؛ أنت من تُعد مدرسة بلاده أفضل من مدارس سائر العرب؛ أنت تعيش في البلد العربي الوحيد الذي لديه مجلة الأحوال الشخصية؛ التونسي أذكى من النلس أجمعين؛ اللهجة العامية التونسية هي الأقرب للفصحى: أنت ستكون شاهدا على "الإقلاع الاقتصادي" في غضون بضعة أعوام؛ وسيلتحق مجتمعك على التو "بركب الحضارة… ".
ثم جاءت الثورة "المجيدة"، وبدأت دورة جديدة من الديماغوجيا في التهليل بالمواطن والشعب التونسيين ثم تبشيره: "أنت من أشعل فتيل الثورة؛ أنت بلد البوعزيزي؛ يا ابن تونس الثورة؛ بلدك هو من نظم أول انتخابات حرة ونزيهة ومن صادق على أول دستور ديمقراطي... "
لكن الحقيقة والواقع لهما كلام آخر يخاطبان به الفرد والمجموعة في تونس:" أنت أول من شحنوا عقله بالأوهام والترهات؛ أنت لم تلتحق بركب الحضارة لا لشيء سوى لأنه لم يقال لك إن بلدك كبير بدليل أنه كان في القديم يسمى "مطمور روما" وبدليل أنه كان في القرنين 18 و19 ذا صناعة مرموقة وفي صدارة البلدان المصدرة للمواد الغذائية وللسلع الراقية في المنطقة المتوسطية. لقد علموك أن بلدك صغير. شاؤوا أن تكون من الصغار، لماذا، لكي يسهل ابتزازك."
وذلك هو ما حصل بالفعل نتيجة لانطلاء الايديولوجيات التقزيمية عليك: لم تقدر على الحفاظ على أي شي؛ مدرستك صارت "دار امْعَلْمة" (قديما قبل تأسيس المدرسة، بيت تجتمع فيه النسوة للتدرب على بعض الأشغال اليدوية مثل الخياطة والتطريز) خير منها؛ بلدك كان ثالث مصدر للفسفاط في العالم وإذا به يتوقف عن إنتاج هذه البضاعة؛ كان من أشهر الوجهات السياحية في العالم وإذا بفنادقه تخسر بين عشية وضحاها كل زبائنها؛ بلدك الآن من بين أكبر الموردين للسيارات لكنه ربما من بين أتعس البلدان من حيث عدم تطبيق قانون المرور و من حيث الفوضى والتهور والهمجية؛ تتوفر في العاصمة وحدها سلسلة من البيتزاريات ودكاكين بيع الحلويات والمثلجات (التي لا تبقى على رفوفها قطعة واحدة في آخر اليوم) قد يضاهيى أسطول بلد بحاله من اوروبا المتطورة، لكنك يا "عياش" لا تقدم من العمل الصالح بالساعد الأيمن ما يقابل ما تأكله باليد اليمنى؛ دستور بلادك باق حبرا على ورق طالما انه ليس مبنيا على أفكار معبر عنها بلغة سليمة وإنما هو مبني على مفردات تم تركيب أفكار معروفة عليها؛ برلمانه لا يمثل إلا نفسه؛ إعلام بلادك متكلس طالما أنه يُعلمك أنت بما تريد الحكومة بدلا من أن يُعلم الحكومة بما تريد أنت. ألسنا مجتمعا متخلفا، وبمقاييس ثورية؟
في ضوء هذا، لا يسعني إلا أن أدعو الله أن يتوب على ذوي الحَول العقلي منا والذين بسبب هذه العاهة التي هي من صنع البشر صاروا يرون الشخصيات السياسية مجرد أوعية لأفكار متداولة، فتراهم يُركّبونها عليهم، صانعين منهم هياكل طفيلية وتاركين لهؤلاء المرتزقة الذين صنعوهم بأيديهم المجال الفسيح للتحكم بإرادة الشعب بتمامه وكماله قبل أن ينقلبوا عليهم ليحملوهم المسؤولية كاملة ويتنصلون هكذا من مسؤولية المواطنة.
كما أسأل الله أن يرزق النخب الساهرة على هذا الشعب حسن البصيرة حتى تكون للشعب مدرسة تعلم النشء مناهج الشك البنّاء لا مناهج الخلط بين الخرافات والحقائق أوأنماط الابتهاج لضحكة مُوَلدة للانبطاح.







اخر الافلام

.. انا وانا - محمد حفظي: يوضح حقيقة محاربة فيلم -اشتباك- من الر


.. انا وانا - محمد حفظي يرد على هجوم عمرو مصطفى عليه .. مستغرب


.. انا وانا - محمد حفظي يوضح أسباب قيامه بإنتاج جزء جديد من فيل




.. انا وانا - محمد حفظي يكشف أسباب غضبه من مهرجان القاهرة السين


.. انا وانا - رأي رامي عبد الرازق في مشاركة معز مسعود لحفظي في