الحوار المتمدن - موبايل



انتحار كوكب

محمد عادل زكي

2016 / 10 / 20
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


ما الحياة؟ وما الهدف منها؟
ربما عالم اليوم، وحده، هو القادر على الإجابة على هذين السؤالين. يجيب: لا أعرف!
وكيف يعرف بعد أن صار عبر خمسمئة عام من الانحطاط لا يعرف سوى الهذيان؛ بعدما أصر على الانتحار الجماعي. لقد صمت فينا صوت الحياة... وغفل بداخلنا ضمير الإنسان، حتى كاد الإنسان أن ينسى أنه إنسان، بعد أن فقد عبقرية مشيته المستقيمة حين ألف السجود للطغاه؛ فزحف على بطنه من الفاقه... أو تحول إلى حشرة كافكا... إن حشرة كافكا هي التجسيد الرائع لعالم يترنح إنسانه بعد أن صارت الحياة بلا معنى وبلا هدف، وبلا مشروع حضاري لمستقبل آمن.
كيف يعرف عالمنا اليوم معنى الحياة والهدف منها! وقد مهد له دانتي حين فصل تاريخياً، وبمنطق أرسطو المقدس بين الحياة والدين، واختزل له ديكارت الإنسان إلى آلة مفكرة؛ المشاعر... الأحاسيس... العواطف... كلها صارت عمليات عقلية تخضع، مع التطور التكنولوجي، إلى القياس الدقيق على أحدث أجهزة بيل جيتس، ويمكن حسابها طبقاً لسعر الصرف العالمي.
كيف يعرف عالمنا اليوم معنى الحياة والهدف منها! وقد أعلن له نيتشه أن الناس هم الَّذين أقاموا الخير والشر فابتدعوهما وما اكتشفوهما ولا أنزلا عليهم من السماء!
ابتداءً من اللامعنى صار الإلحاد إبداعاً. والدين أسطورة. والرسل مرتزقة. حتى الإلحاد صار مسخاً. ابتداءً من اللامعنى لعن فاوست كل شيء صالح على الأرض واتبع مارجريت!
ابتداءً من اللامعنى واللاهدف أمسى الانسلاخ عن حضارة الإنسان حداثة، وهجر التراث الإنساني المشترك تجديداً، أما وحدة المعرفة الإنسانية فقد باتت عتهاً! كيف يعرف عالمنا اليوم معنى الحياة والهدف منها! وقد همس له حلاق أشبيليه:"إن للذهب قدرة على تفتيح مدارك الإنسان".
كم هي عبارة مهذبة، مقارنة بما صاح به كولومبس في جاميكا:
"الذهب شيء مدهش. مَن يملكه يملك كل شيء، مَن يملكه يملك كل ما يرغب فيه، بل بالذهب يستطيع المرء أن يدخل الأرواح إلى الجنة".
(4)
ابتداءً من اللامعنى صار الهوس العقلي مرحاً في موسيقى "الهارد روك" و"الميتال" و"التكنو" و"الفانكي"، ولقد أمسى الخواء تجريباً، وتدمير المعنى واللون انطباعية، وإهدار الشكل والأبعاد تكعيباً، والاختزال والتسطيح أسموه تجريداً. ومع اللامعنى تجرعنا مر تراث الدين الوضعي... التراث الَّذي جرد النصوص الخلاقة من قوتها المتسائلة عن معنى حياتنا والهدف منها، حتى صرنا لا نميز بين وقت الفراغ والوقت الفارغ؛ لأن تجريد تلك النصوص من قوتها تلك إنما تم في نفس اللحظة الَّتي تحولت فيها من أيقونة إلى وثن... من نقطة بداية إلى خط نهاية العابر له مرتد!
ولنتقدم خطوة فكرية أبعد كي نتعرف آنياً إلى عالمنا الحقيقي، بالتعرف إلى معالمه الرئيسية الَّتي تكشف عن اتفاق جماعي عالمي... ولكن على الانتحار... إن هذا الكوكب بمن فيه يتجه مسرعاً صوب الأعماق، أعماق الانحطاط... إنها سكرة الموت؛ موت عصر وميلاد عصر. فهل من الضروري أن نسحق تحت عجلة حتميته؟
ومَن كان لا يروقه قولي فلينظر إلى الخواء في الفن، وإلى الاضمحلال في الأخلاق، وإلى الفساد والفوضي في الاقتصاد، وإلى القمع في السياسة، وإلى التجارة بالدين،... فلينظر إلى التحلل في الرغبة الجماعية... وإلى النهضة في الفردية والأنانية. فلينظر إلى الأحادية في المعرفة، وإلى الثيوقراطية في الإيمان، وإلى الهوس في الدين، وإلى الصنمية في الرآي... فلينظر إلى ادعاء امتلاك الحقيقة الاجتماعية، ورفض الآخر من باب أنه آخر، فلينظر إلى الحروب... إلى الإبادة... إلى طمس حضارات، وإزالة ثقافات من على خريطة العالم!
حقاً، هذا هو العالم الَّذي أفرزته الـ 500 عام الماضية. أنه العالم الَّذي شرع يرنم ترانيم هلاكه على مذبح الإله الأبطش: الرأسمالية. بقيادة كاهن معبدها: اقتصاد السوق. وفي هستيريا جماعية أطلق خدام المذبح (المرصع بالدولار) بخور الجنائز بعد أن تُليت عليه إصحاحات من كتاب الانحطاط في معابد "وول ستريت" وفروعها في طوكيو وبرلين ونيويورك وباريس!
ها هي الآلهة اليونانية العائدة في صيغة هندية، تعود من جديد. إله السوق. إله الرأسمالية. إله الإمبريالية، الثلاثة في واحد (أمين)؛ إنهم في إله واحد نهم عطش إلى مزيد من دماء الشعوب الَّتي اختلطت بأوراق "النقد" في خزائن "صندوق" الموت الحامل لعرش أسياد العالم ومفسديه، محركي الفتن فيه وجلاديه. طليعة الانحطاط أمريكا وخدام معابدها!
الجات... البنك الدولي... صندوق النقد، ثلاثة عناصر في مركب عضوي واحد. سام... يسري ببطء ويتغلغل بلا هوادة في كل خلية من خلايا اقتصاد عالمنا ولا يغادرها إلا وهي في دمائها غارقة... إنه المركب الَّذي يتجرعه زعافاً كل من آمن بعقيدة الوحدانية. وحدانية السوق الكريمة! الموزعة بالعدل! واتبع الكاهن الأعظم: اقتصاد السوق الواحد الأحد!
أزمة المديونية... أزمة الطاقة... أزمة النقد، تلك هي قرابين المذبح الدولاري، وأضحية العيد الرأسمالي، المسمى بالأزمة الدورية!
البطالة... الجوع... الفقر... الكساد... الإفلاس، تلك هي آلهة الفتك العوالي الساكنة في سماء عالم دنس"اليد"؛ يد الإنسان، الَّتي بفضلها انفصل عن مملكة الحيوان... تلك هي النتائج الحتمية لعبادة صنم التداول ليقرب إلى الأرباح زلفى، بعد إطاحة النصوص المقدسة الحقيقية الَّتي جاء فيها: أن الأرباح لا تلدها عذراء؛ فهي تتكون في مجال الإنتاج، لا التداول، بتفاعل قوة العمل مع وسائل الإنتاج، وأن الثمن هو المظهر النقدي الَّتي تتخذه القيمة حين التبادل، ولايفترض على هذا النحو أن يكون الثمن تعبيراً صادقاً عنها. إن الأزمة في بعد كبير من أبعادها تكمن في القطيعة بين القيمة والثمن على المستوى الأول، وتتبدى في الثمن نفسه في المستوى الأول مكرر. هي إذاً النتائج الطبيعية لمسخ علم الاقتصاد السياسي. إنها نتائج أولية لسيادة ثقافة واحدة، وهيمنة حضارة وحيدة ليس في إمكانهما سوى صناعة نعش... يلفظ العالم بداخله أنفاسه الأخيرة!
التخلف... التنمية، مفردتان لا يجوز فهمهما إلا من خلال شروح كهنة المؤسسات الدولية للإبادة الإنسانية؛ فلقد سطر في كتاب الانحطاط أن التخلف هو أن تحيا عاصياً لرب السوق، مارقاً عن شريعته المدونة في ملاحق الجات المقدسة. التنمية هي محبته والفناء فيه... التخلف هو الفرار من الهلاك، أما أن تهرول نحوه فتلك هي التنمية... التنمية الَّتي تمتليء أحشاؤها بالمزيد من ضحايا البطالة والجوع والفقر والمرض... حقاً، 500 سنة من الانحطاط قاد المخبولون فيها العميان على ظهر كوكب ينتحر!








اخر الافلام

.. دوتيرتي يغادر موسكو بعد هجوم بالفلبين


.. حزب الله والحكومة اللبنانية.. مسلسل المواقف المرتبكة


.. الحدود السورية.. تحركات الحشد وبوصلة طهران




.. هجوم مانشستر.. تداعيات ما بعد الصدمة


.. هجوم مانشستر.. وماذا بعد؟