الحوار المتمدن - موبايل



نقد مقياس القيمة (نص مزيد ومنقح)

محمد عادل زكي

2016 / 11 / 2
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات



1- القيمة بالمعنى المجرَّد، هي خصيصة من خصائص الشيء، صفة، تميزه وتحدده. وهي، على هذا النحو، مثل الوزن والطول والارتفاع والحجم... إلخ، فإذ ما كان للشيء ثقل معين لاحتوائه مثلاً على قدر ما من المعدن (مطرقة مثلاً)؛ قلنا أن للشيء وزن، ذو وزن. وإذا كان للشيء بُعد ما بين طرفيه (مثل طريق، أو قطعة نسيج) أو كان ممتداً في زمنٍ ما (يوم عمل مثلاً)؛ قلنا أن للشيء طول، ذو طول. وإذ كان للشيء طول عمودي من قاعدته إلى رأسه (مثل قاعة المحاضرات)؛ قلنا أن للشيء ارتفاع، ذو ارتفاع. وإذا كان الشيء يشغل حيزاً ما (طاولة مثلاً، أو مقعد)؛ قلنا أن للشيء حجم، ذو حجم.
والأمر نفسه بالنسبة للقيمة؛ فالشيء الَّذي يكون نتاج العمل، وبالتالي يحتوي على قدر أو آخر من المجهود الإنساني الواعي الهادف والَّذي يُعرف اصطلاحاً بالعمل، أياً ما كانت طبيعته الحقوقية (مستعبَد، أو حُر)، وأياً ما كان شكله التقني (باستخدام أداة، أو باستعمال آلة)، وأياً ما كان نصيبه من السهولة أو الشدة، يصبح له قيمة، ذو قيمة.
2- والقيمة لا تتوقف على قياسها أو تقديرها. بل القول بعكس ذلك لا يعد فحسب خلطاً بين القيمة ومقياس القيمة من جهة، وبين القيمة ومقدارها من جهة أخرى، بل، وبالإضافة إلى هذا الخلط، فإنه لا يصح في العقل أن نقول أن الشيء بلا قيمة لأننا لا نعرف بعد كمية المجهود الإنساني المبذول في إنتاجه. لا يصح ذلك لأن القيمة، كخصيصة، تثبت للشيء بمجرد احتوائه على هذه الكمية أو تلك من العمل. من المجهود الإنساني. ولا يكون تقدير القيمة إلا في مرحلة ثانية لثبوت القيمة، كما أن تقدير الطول لا يكون إلا تالياً لثبوت خصيصة البعد بين طرفي الشيء.
وحينما تثبت الخصيصة المجردة للشيء من الناحية الكيفية المجرَّدة (الوزن، والطول، والارتفاع، والحجم، والقيمة،... إلخ) فلا يبقى أمامنا سوى التعرف إلى هذه الخصيصة من الناحية الكمية الملموسة باستعمال المقياس الملائم لطبيعة الشيء المراد قياسه، أي باستخدام أداة/ آلة القياس ووحدة القياس المناسبتين.
والمقْياس، لغة ومصطلحاً، هو الأداة أو الآلة الَّتي تقاس بها خصيصة الشيء. فمقياس الوزن، بمصطلح أدق: الكتلة. كخصيصة، هو الميزان وليس الثقل أو الوزن نفسه. ووحدة القياس هي الكيلو جرام. فحينما نقول أن وزن المطرقة 7 كيلو جراماً، فهذا يعني أننا قمنا باستعمال الميزان (كمقياس) واستخدمنا الكيلو جرام (كوحدة قياس). وهكذا الطول؛ فمقياس الطول، وليكن الطول المادي لشيء ما: طاولة، قطعة نسيج، عمود الإنارة...، إلخ، هو الشريط المقسَّم إلى سنتيمترات، أو المسطرة، وليس البُعد بين طرفي هذا الشيء. أما وحدة القياس فهي السنتيمتر. وبالتالي، فحينما نقول أن طول القلم 20 سنتيمتراً، أو أن طول النسيج 2 متراً، فهذا يعني أننا استعملنا الشريط المقسَّم إلى سنتيمترات، أو المسطرة، كمقياس للطول، واستخدمنا السنتيمتر كوحدة قياس.
3- بيد أن الأمور لا تسير دوماً على هذا النحو من الوضوح واليسر؛ إذ أننا نواجه بمشكلة حينما ننتقل لمقياس القيمة ووحدة قياسها؛ فالقيمة، كما ذكرنا، هي مجهود إنساني متجسد في الناتج. ولكن الاقتصاد السياسي يقيس هذا المجهود الإنساني بالزمن الَّذي يُنفَق (خلاله) هذا المجهود، وليس بالمجهود المبذول نفسه! وكأن النظرية الَّتي يستند إليها هي: نظرية الزمن، وليس العمل، في القيمة. كتب ماركس (1818-1883):
"... كيف سنقيس مقدار القيمة؟... أن ذلك سيكون بكمية ما تتضمنه من العمل، الذي هو الخالق للقيمة، أما كمية العمل ذاته فتقاس بطول العمل، بوقت العمل، ووقت العمل يجد معاييره في أجزاء محددة من الزمن كالساعة واليوم...". (ماركس، رأس المال، الكتاب الأول، الفصل الأول).
ووفقاً لنص ماركس؛ فحينما نقول أن القلم قيمته 30 دقيقة؛ فهذا يعني أن مجهوداً إنسانياً انفق (خلال) 30 دقيقة من أجل إنتاج القلم، ولا يعني أبداً أن المجهود المبذول مقداره 30 دقيقة. ولا معنى بالأساس لهذا القول، إذ لا يصح علمياً القول بأن المجهود الإنساني المبذول مقداره (س) من الدقائق، أو (ص) من الساعات. وإن جاز القول بأن المجهود الإنساني المبذول في سبيل إنتاج الشيء بذل خلال (س) أو (ص) من الدقائق أو الساعات. وعلى هذا النحو، لا تعد قيمة القلم مرتبطة بالمجهود الإنساني المتعيَّن قياسه بما ينبغي أن يقاس به هذا المجهود الإنساني، إنما تعد وقتاً، زمناً، تم استهلاكه من أجل إنتاج القلم. وبالتالي يقاس بالوقت!
وبتلك المثابة يضعنا علم الاقتصاد السياسي في أزمة معرفية، إذ يتعين الاختيار بين أمرين: إما الإقرار، علمياً، بأننا نستخدم مقياساً خاطئاً للقيمة؛ لأننا نقيس الجهد الإنساني المبذول باستعمال وحدة قياس الوقت! كأننا نقيس الطول بالترمومتر! وإما أن فهم الاقتصاد السياسي للقيمة هو الخطأ؛ لأنه يقول أن القيمة جهد إنساني مبذول، ثم يتعامل معها كزمن منفَق!
4- وعليه؛ فإذا كان فهم الاقتصاد السياسي للقيمة صحيحاً؛ فيتعين أن يتم تصحيح المقياس. أما إذا كان مقياس القيمة صحيحاً فيجب أن يعاد النظر في مفهوم القيمة نفسه؛ لأننا حين نقول أن القيمة هي مجهود إنساني متجسد؛ فيتعين أن نستخدم مقياساً، وبالتالي وحدة قياس، خاصاً بهذا المجهود، أي نستخدم مقياساً يتوافق مع طبيعة الأمر المراد قياسه، وبالتالي حينما نريد معرفة مقدار المجهود المبذول في سبيل إنتاج الرمح أو القلم أو الكوب الزجاجي، فيجب أن نستخدم مقياساً يتوافق مع طبيعة المجهود الإنساني المبذول في سبيل إنتاج هذه الأشياء، وليس مقياس الزمن الَّذي ينفق (خلاله) هذا المجهود الإنساني؛ إذ يعني قياسنا للجهد بالوقت أن المجهود هو الزمن المنفَق في سبيل إنتاج الشيء! وهذا غير سائغ.
5- والواقع أن فهم الاقتصاد السياسي للقيمة هو فهم صحيح، استناداً إلى الجذور اللغوية للكلمة الَّتي سوف يستخدمها، كمصطلح، للدلالة المعرفية على احتواء الشيء على قدر أو آخر من العمل، ولسوف نشرح ذلك في مقال قادم، وإنما تكمن المشكلة في عدم الدقة الَّتي تثير الاضطراب في مجمل الجسم النظري للعلم، وتتبدا أوجه عدم الدقة تلك في أمرين:
أولاً: أن الاقتصاد السياسي يقيس القيمة، الَّتي هي جهد إنساني، بالزمن الَّذي ينفق (خلاله) هذا الجهد. وكأن الاقتصاد السياسي يعتنق نظرية العمل في القيمة ظاهرياً ويؤمن بنظرية الزمن في القيمة باطنياً.
ثانياً: أن الاقتصاد السياسي يعتبر كمية العمل مقياساً، والمقياس هو الآلة أو الأداة الَّتي يقاس بها الشيء، وكمية العمل ليست آلة وليست أداة. وبالتالي فحتى إذ ما سايرنا علمنا، وقلنا معه أن القيمة، كمجهود إنساني، تقاس بكمية العمل، وكمية العمل تقاس بالزمن الَّذي يبذل (خلاله) ذاك المجهود الإنساني، والزمن يقاس بطول يوم العمل، وطول يوم العمل يقاس بأجزاء محددة من الزمن كالساعة واليوم. فذلك أيضاً غير دقيق، بل غير صحيح. لأن كمية العمل ليست مقياساً، ليست آلة ولا أداة، بل ينبغي أن نستعمل آلة/ أداة القياس المناسبة، وهي الساعة (الَّتي هي آلة يُعرف بها الوقت) ونستخدم الساعة (الَّتي هي جزء من أربعة وعشرين جزءً) كوحدة قياس. ولكن الاقتصاد السياسي ابتداءً من عدم استخدامه للمقياس الصحيح ووحدة القياس المناسبة يصل إلى ذروة ارتباكه حينما يقيس المقياس نفسه ثم يخلط بين هذا المقياس ووحدة القياس.
6- ويمكننا إرجاع هذا الخلل إلى عدم تبلور علم القياس، وتخلّف أجهزة القياس نفسها في مرحلة نشأة الاقتصاد السياسي، بل، وهذا المرجح، سهولة القياس بوحدة الزمن. ولذا، لجأ الاقتصاد السياسي إلى أقرب وحدة قياس معروفة آنذاك، ووجدها في وحدة قياس الوقت، أي الزمن المنفَق في سبيل إنتاج الشيء، وأصبح من المستقر القول، تجاوزاً، بأن قيمة متر من النسيج تقاس بكمية العمل المبذول في إنتاجه، ولكن كمية العمل تستعصي على ما يبدو على القياس في مرحلة تبلور الاقتصاد السياسي، فيضطر مؤسسو علم الاقتصاد السياسي إلى معرفة قدر هذه (الكمية من العمل المبذول) بواسطة وحدات من الزمن المنفق خلاله العمل.
7- يجب هنا أن نؤكد، وبوضوح تام وحسم، على أن الاستناد إلى وجود فارق بين القيمة ومقياس القيمة، وتلك هي الحجة الأزلية الجاهزة، لا يجيز أبداً استخدام مقياساً خاطئاً لقياس القيمة والإصرار على أنه المقياس الصحيح، ثم محاولة تبريره بدعوى أن هناك فارق بين القيمة (العمل) ومقياس القيمة (الزمن، الَّذي هو أيضاً خطأ لأن المقياس يختلف عن وحدة القياس).
فلا يصح علمياً، ولا عقلياً، استخدام الترمومتر مثلاً لقياس الارتفاع؛ فتلك أداة لقياس درجة الحرارة، وهذا طول العمود من قاعدة الشيء إلى رأسه. كما لا يصح استخدام الكيلو جرام لقياس البُعد بين طرفي شيء؛ فهذه وحدة قياس الوزن، وهذا هو مفهوم الطول. ونفس الحكم بالنسبة للقيمة فلا يصح علمياً، ولا عقلياً، حتى لو تم التذرع بقدسية المصطلح ودلالته، أن نقول أن القيمة هي مجهود إنساني متجسد في الناتج، ثم نقيس هذا المجهود الإنساني بوحدة قياس الزمن الَّذي ينفق (خلاله) هذا المجهود الإنساني.
8- والحقيقة العِلمية هي أن المجهود الإنساني المبذول، كطاقة، في إنتاج الشيء، وبالتالي يتجسم في الناتج، إنما يقاس بالسُعر الحراري، الَّذي هو وحدة قياس الطاقة الحرارية الَّتي يحتاجها ويكونها وينفقها الجسم لكي يقوم، وأثناء القيام، بعمله، وذلك عن طريق استهلاك المواد الغذائية، أي تحويل الطاقة الكيميائية (الغذاء) إلى طاقة ميكانيكية (العمل). ويمكن استخداماً لوحدة القياس هذه معرفة قدر الطاقة الَّتي يستقبلها الجسم وكذا الطاقة الَّتي ينفقها، أي قياس ما يحتاجه الجسم في الظروف المختلفة، وعند آداء أي نوع من الأعمال. أما آلة القياس الَّتي تستخدم فهي الكالوريميتر ويمكن بواسطتها تقدير الطاقة الحرارية المنبعثة من الجسم أثناء قيامه بالمجهود. فالعامل، الَّذي ينتج القيمة، أي الَّذي يبذل المجهود الَّذي يتجسد في الناتج، يحتاج إلى وسائل معيشة ضرورية، ومنها المواد الغذائية الَّتي تمده بالطاقة الَّتي يستخدمها أثناء العمل، طبعاً يحتاج العامل أيضاً إلى المسكن، والملبس، والتعليم، والصحة،... إلخ. ولكن دعونا نبدأ من الإنفاق الفعلي للمجهود، وهو الَّذي يتم خلاله تحويل الطاقة الكيميائية إلى طاقة ميكانيكية. فالعامل يحتاج إلى الغذاء، كي يستطيع أن يعمل. ووفقاً لعلوم الغذاء والفيزياء والكيمياء الحيوية ووظائف الأعضاء، على الأقل، صرنا نعرف، على نحو دقيق علمياً، كمية السعرات الحرارية الَّتي تستهلك أثناء بذل أنواع مختلفة من المجهود الإنساني، كما صرنا نعرف، وعلى نحو دقيق علمياً أيضاً، متوسط كمية الطاقة الَّتي تبذل من قبل مختلف الأشخاص الذين يؤدون مختلف الأعمال، فها نحن نعرف أن عامل البناء يستهلك 1400 سعراً حرارياً، أثناء العمل (8 ساعات)، والعامل في مصنع الحديد يستهلك 1900 سعراً حرارياً، والحداد فيستهلك 2400 سعراً حرارياً. أما المعلمة فتستهلك 800 سعراً حرارياً، وعاملة المصنع تستهلك 1100 سعراً حرارياً. أما عاملة البناء فتستهلك 1800 سعراً حرارياً، وهكذا.
9- معنى ذلك أن معرفتنا بقيمة القلم، وبالتالي معرفتنا بقيمة أي ناتج، إنما ترتبط بمعرفتنا بكمية الطاقة المبذولة في سبيل إنتاجه، وليس بالزمن الَّذي تبذل (خلاله) هذه الطاقة. وكما أن صديقنا العامل يحتاج إلى كمية معينة من المواد الغذائية الَّتي تمده بالسعرات الحرارية اللازمة من أجل قيامه بالعمل، سوف يحتاج الحائك الذي يصنع الملابس الَّتي يشتريها العامل إلى كمية معينة من المواد الغذائية تقل أو تزيد، وفقاً لطبيعة المجهود الذي يبذل في عمل الحياكة، عن الكمية الَّتي يحتاجها العامل. بنَّاء المنزل، الَّذي يسكن فيه العامل، أيضاً سيحتاج إلى كمية من السعرات الحرارية الَّتي تزيد أو تقل عن السعرات الحرارية الَّتي يحتاجها العامل والحائك. ولا يشذ الفلاح والحدَّاد، والنجار، والميكانيكي، والطبيب... إلخ، عن هذه القاعدة، فجميعهم يحتاجون إلى قدر أو آخر من السعرات الحرارية الَّتي تتيح لهم بذل المجهود في عملهم. وحينما يتم التبادل بين منتجات هؤلاء إنما يتم التبادل، في الحقيقة، بين كميات مختلفة من المجهود الإنساني.
10- وعلى هذا النحو يتحدد أجر العامل بكمية السعرات الحرارية الَّتي تمكنه من الحصول على كمية الطاقة اللازمة والَّتي يحتاجها من أجل أن يعمل، ويعيش كعامل، ويجدد إنتاج طبقته. والرأسمالي من جهته حينما يدفع الأجر للعامل يأخذ في اعتباره، عادة، لا كميات السعرات الَّتي تمكن العامل من آداء عمله في المصنع طوال ساعات العمل فحسب، إنما يشمل الأجر، من ناحية، السعرات الَّتي يحتاجها العامل كي (يعيش) ليوم كامل، وليس 8 ساعات فحسب. كما يشمل الأجر، من ناحية أخرى، السعرات الحرارية الَّتي يستطيع العامل أن يشتري بها ملبسه ويدفع بها إيجار مسكنه، وينفق بها على أسرته، بوجه عام يجدد بها إنتاج طبقته، أي ينتج عمالاً جدداً يمكن الدفع بهم في سوق العمل في أقرب فرصة ممكنة.

11- وفي إطار تكوين الوعي بماهية القيمة ومقياسها ووحدة قياسها، يتعين أن ندرك أن العامل حينما يذهب إلى مصنع الرأسمالي أو متجره، ووفقاً لعقد العمل المبرم بينه وبين رب العمل، لا يقوم ببيع عمله للثاني، إنما يقوم ببيع قوة عمله، أي يبيع قدرته على العمل. والفارق بين الأمرين هو سبب استمرار الرأسمالي والرأسمالية.
فالرأسمالي والعامل المأجور وفقاً لأحكام العلاقة الحقوقية بينهما يلتزم كل منهما تجاه الآخر بالتزام محدد، الرأسمالي يلتزم بأن يدفع للعامل الأجر لكي يظل العامل على قيد الحياة. يبقى حياً. وفي المقابل يقدم هذا العامل عملاً زائداً غير مدفوع الأجر. وكأن الرأسمالي يقول للعامل: "إذا أردت أن تعيش، عليك أن تقدم لي عملاً زائداً. نعم سأعطيك ما يسدّ رَمَقك. ولكني لست مجبراً على ذلك إلا إذا قدمت لي بالمقابل عملاً زائداً لا أدفع لقائه أجراً، ويكون هذا هو المقابل الَّذي تؤديه لي نظير أني أجعلك باقياً على قيد الحياة بما أدفعه لك من أجر".
ولكن تلك العلاقة الحقوقية لا تعني أبداً أن الرأسمالي يشتري من العامل قدرته على العمل ولا يشتري منه مجهوده الإنساني، بل تعني أنه (يدفع) للعامل ما يجعله قادراً على بذل هذا المجهود؛ ولكنه، في الحقيقة، (يأخذ) منه العمل فعلاً، يحصل على المجهود المنفق فعلياً، والَّذي يتجسد في الناتج، كقيمة. والفارق بين الإثنين، أي الفارق بين ما دفعه الرأسمالي مقابل بقاء العامل حياً قادراً على العمل، وبين ما حصل عليه من العمل فعلاً، يستأثر هو به.
12- ولكي نوضح المسألة نضرب المثل الآتي، إنما بالقدر الَّذي يتيح فهم القيمة ومقياسها، إذ سوف نعمق الطرح تدريجياً عبر خطواتنا الفكرية بعد ذلك: فلنفترض أن المجتمع يبدأ عملية الإنتاج وتحت يده مليون سعراً حرارياً معبراً عنها بمليون وحدة من الورق الملون، وقد أُثبت بكل ورقة أنها تمثل سعراً حرارياً واحداً، ويستطيع حامل أية ورقة من هذه الأوراق أن يتخلى عنها ويحصل في مقابلها على وحدة واحدة من مادة غذائية ما، تمنحه سعراً حرارياً واحداً. والآن، سوف يقوم الرأسماليون في هذا المجتمع، وهم أصحاب قرار الإنتاج، بتحويل 600 ألف ورقة تمثل 600 ألف سعراً حرارياً إلى وسائل إنتاج، على النحو الآتي: 300 ألف ورقة ملونة لشراء مواد العمل؛ إذ سيقوم الرأسماليون بإعطاء منتجي المواد الخام والمواد المساعدة 300 ألف ورقة ملونة تمثل 300 ألف سعراً حرارياً، ويأخذون في المقابل ما يحتاجون إليه من مواد للعمل. والـ 300 ألف ورقة ملونة الأخرى لشراء أدوات العمل؛ إذ سيقوم الرأسماليون بإعطاء الرأسماليين منتجي الآلات 300 ألف ورقة ملونة تمثل 300 ألف سعراً حرارياً، ويأخذون في المقابل ما يحتاجون إليه من آلات. وبعد أن تكتمل لدى الرأسماليين المواد والآلات، يقومون بشراء قوة العمل؛ يتعاقدون مع العمال كي يقوموا بتحويل المواد، من خلال الآلة، إلى منتجات، ويدفع الرأسماليون لهؤلاء العمال 400 ألف ورقة ملونة، تمثل 400 ألف سعراً حرارياً، يستطيع العمال أن يشتروا بها مواداً غذائية، وقد يجنب بعض العمال جزء لشراء أحذية، أو ملابس، أو دفع فاتورة الكهرباء، أو سداد مصروفات تعليم أبنائهم... إلخ. والآن، يغلق الرأسماليون أبواب مصانعهم على المواد والآلات والعمال. ويطلبون من العمال معانقة آلاتهم المحبوبة من أجل الإنتاج. والعمال الَّذين حصلوا لتوهم على 400 ألف ورقة ملونة تمثل 400 ألف سعراً حرارياً بإمكانهم أن يذهبوا بها لشراء منتجات تكلف إنتاجها جهداً مقداره 400 ألف سعراً حرارياً، وهم حينما يحصلون على هذه المنتجات، سيقومون بإعطاء الرأسمالي لا 400 ألف سعراً حرارياً، بل أضعاف ما تلقوه. فالعامل يستطيع بورقة ملونة واحدة أن يشتري مادة غذائية ما، بذل في سبيل إنتاجها سعراً حرارياً واحداً، ولكنها تمنحه 20 سعراً حرارياً، تمكنه من العمل لمدة 8 ساعات. معنى ذلك أن العمال تلقوا 100 ألف سعر حراري ولكنهم ردوا له 4 مليون سعراً حرارياً. وهو ما يستحوذ عليه الرأسمالي، وفي نهاية عملية الإنتاج، لا يجد الرأسمالي لديه مليون سعراً حرارياً، وإنما 4 مليون سعراً حرارياً لأن الـ 400 ألف سعراً حرارياً التي تم دفعها للعمال لم تكن إلا (ليعيشوا)، لم تكن إلا ليجددوا إنتاج طبقتهم. فلقد باع العمال قوة عملهم، باعوا قدرتهم على العمل، وليس عملهم.
13- ولتقريب الفكرة أكثر بوحدات النقد، وبمثال بسيط للغاية، وواقعي جداً، يمكن لعامل المصنع الَّذي يتناول عدة جرامات من حلاوة الطحين وكسرة خبز، لا تتجاوز قيمتهما 2 جنيهاً، أن يعمل لدى الرأسمالي لمدة 8 ساعات، وربما 12 ساعة، وينتج عشرات الأضعاف من قيمة قطعة حلاوة الطحين وكسرة الخبز. والفارق، وهو ما سوف يصطلح على تسميته "القيمة الزائدة"، يكون من نصيب الرأسمالي. والعامل في الأغلب الأعم، ولأنه يؤجَّر وفقاً لحد الكفاف، يشتري (أرخص) ما يمكن أن يعطيه (أعلى) درجة من الطاقة الَّتي تمكنه من العمل طوال يوم العمل؛ وهو على هذا النحو يدفع بالقيمة الزائدة، الَّتي هي في الحقيقة طاقة زائدة؛ متجسدة في ناتج زائد، إلى خزائن الرأسمالي الَّذي بدوره يراكمها من أجل تجديد إنتاجه على نطاق متسع.
تلك هي القيمة، والقيمة الزائدة، ومقياسها، ووحدة قياسها، وعليه، سوف نقصد دائماً بالقيمة، المجهود الإنساني المتجسد في الناتج مقدراً بكمية الطاقة المبذولة في سبيل الإنتاج، ومعبراً عنه بعدد محدد من السعرات الحرارية.







اخر الافلام

.. اكتشف كيف تطورت شخصية إيهاب العسكرية عن شخصيته المدنية في ال


.. كان قدرها أن تختلف عنهم في الديانة ولكن شيء ما أستطاع أن يوح


.. أخبار عربية - قرقاش: حزب الله يمنع تطبيق سياسة النأي بالنفس




.. أخبار عربية وعالمية - غوتيريس يطالب كل الأطراف في زيمبابوي ب


.. الاستخدام المفرط للإنترنت يعادل تأثير الكحول على الشباب