الحوار المتمدن - موبايل



تونس بين مؤتمر الاستثمار ومدرسة الاستهتار

محمد الحمّار

2016 / 12 / 6
التربية والتعليم والبحث العلمي


أعتقد أنّ المعلم والأستاذ هما الركيزة الأساسية في أية عملية إصلاح للتربية والتعليم، وما الوزارة والإدارة سوى هيكل تنظيمي ووظيفي مكلف بتطبيق تصورات المدرّس. أمّا التلاميذ وأولياء أمورهم فهُم طبعا مُهمّون لكن بقدر استبطان هذا المدرّس لحاجياتهم ورغباتهم وتطلعاتهم.
وبصفتي واحدا من المدرسين أرى أنّ من بين العوامل الأساسية لفتح المجال لإصلاح التعليم الشرط الجغراسياسي. فرغم اعتزازي بالثقافة الفرنسية بصفتها إرثا متفاعلا مع الثقافة العربية الإسلامية إلا أنني أعتقد أنه يتوجب الابتعاد عن استنساخ الأنماط التعليمية الفرنسية لا لشيء سوى لكونها تكاد تكون متدهورة (مرتبة فرنسا تأتي بعد الـ 20 من أصل 40 دولة عالميا).
عدَا هذا، هل يريد زملائي حقا للتعليم إصلاحا؟ إن كان الأمر كذلك فليعلنوا للتلامذة ما هو الغرض من تدريسهم اللغة و الدين و التاريخ والجغرافيا والرياضيات والفيزياء والكيمياء وغيرها من المواد بدلا من شحن عقولهم بموادَ قد تنقلب إلى مواد سامة في غياب التوظيف التربوي المعاصر. يتعلم النشء، مثلا، شعر أبي نواس بناءً على أنه تراث والحال أن هذه المادة مدرجة في البرامج الرسمية منذ نصف قرن من الزمن حتى صارت تُختزل في قارورة وكأس ونديم وجارية وغلام. كما أنّ النشء يتعلم اللغة الانكليزية بناءً على أنها اللغة الأولى في العالم ومع هذا لا يوضّح المدرّس ما الذي بإمكانهم الإنجاز بفضلها فينتهي الأمر بالكثير منهم إلى التزوّد بهذه اللغة لمغازلة الفتيات الأجنبيات (إن وُجدنَ الآن) في أسواق المدينة العتيقة أو على الشواطئ. وما الغاية من تدريس التاريخ والجغرافيا حين تكون المحصلة في ذهن المتعلم أنّ بلده يُعدّ من بين الأصغر عالميا (بينما تفوق مساحة البلاد التونسية مساحة بلدان كانت تقتسم العالم على غرار بلجيكا و هولندا والبرتغال وانكلترا)؟ وما هي مهمة هاتين المادتين إذا كان النشء سيتربّى على الاعتقاد أنّ الولايات المتحدة، بما أنها أقوى بلد في العالم، فإنّ مُرعبة إلى درجة أنّ بلدهم لا يساوي بعوضة أمامها وأنّهم إذا لم يطيعوا هذا العملاق فسوف يلقنهم صاروخ "الطوماهوك" درسًا لن ينسوه أبدا؟
من ناحية أخرى ألم يلاحظ زملائي عبر فعاليات المؤتمر العالمي للاستثمار 2020 الذي احتضنته تونس مؤخرا أن البلدان المانحة للقروض والهبات ووعود الاستثمار في بلدنا لم تفعل ذلك لسواد عيون التونسيين وإنما لأنها أجمعت على أن القارة الإفريقية هي حاضنة اقتصاد المستقبل وأن تونس المعروفة بأنها بوابتها هي المدخل المثمر لهم ولأعمالهم ولمشاريعهم وبالتالي هل سيترك زملائي هؤلاء المانحين العالميين يأكلون الدنيا ويتسحرون بالآخرة؟ هل فضلا عن اختيار العملاق الأوروبي لإفريقيا غاية ولبلدنا أداة سنتركهم يشرفون بأنفسهم على التخطيط للتعامل مع القارة السمراء مع ما سيكلف ذلك التونسيين من طاعة لأوامرهم ومن تقليص لأصل الربح المادي، أم أن التونسيين سيمارسون حقهم المشروع في الاضطلاع بدور المخطِّط والمنسِّق والمرشد لأنفسكم، وفي هذه الحالة سيجنِّدون المدرسة خير تجنيد لإعداد العُدّة لهذا المشروع العظيم؟
فما على المدرسة في هاته الحالة إلا أن تُطلع النشء التونسي على إفريقيا، شعوبا وقبائل ولغات؛ تُطلعهم على مُدنها وقُراها وأنهارها وجبالها وأنماط عيشها ونشاطاتها وثرواتها.
بقي أن نعرف ما إذا كان المعلم والأستاذ مستوعبَين لمثل هذه الحاجيات والضرورات والملابسات أم أنهما دَوما بانتظار القرار الفوقي؟!







اخر الافلام

.. الشرعية اليمنية.. تقدم على الساحل الغربي


.. الحوثي والخميني.. وجها العملة الواحدة


.. الغرب وإيران .. المعايير المزدوجة




.. ملف القدس.. وزيارة مايك بنس المرتقبة


.. العراق.. من هزيمة داعش إلى نقمة البيشمركة