الحوار المتمدن - موبايل



التطور: أزمة التصادم بين الدين والعلم

محمد عادل زكي

2016 / 12 / 12
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


من الإشكاليات التي آثارتها نظرية داروين وما تبعها من حفريات، تلك المتعلقة بالتصادم الصريح والواضح بين نصوص الدين، العبراني في المقام الأول، التي تقول أن آدم هو أول إنسان مخلوق. ولكن الحفريات أثبتت أن عمر الإنسان على ظهر الكوكب إنما يعود إلى ملايين السنين وليس آلاف السنين هي عمر ظهور آدم وبنيه. وللتعرف إلى بدء الوجود البشري، ابتداءً من الصورة الحيوانية وصولاً إلى صورة الإنسانية، لدينا ثلاثة مصادر أساسية: أولاً: الكتب المقدسة. ثانياً: كتب التراث. ثالثاً: الابحاث العلمية. بالنسبة للكتب المقدسة، لدينا أولاً سفر التكوين: وهو أول أسفار التوراة الخمسة، ويقسم هذا السفر منهجياً إلى قسمين كبيرين: أولهما: ينشغل بذكر موضوع الخلق، ويتناول بالسرد المرحلة من آدم إلى نوح، وما تحتويه هذه المرحلة من مجريات الأمور في جنة عدن بين آدم وحواء والشيطان، ثم ذكر قتل قايين لهابيل، ثم ينتقل السرد إلى ذكر الفترة من نوح إلى إبراهيم وما تحتويه هذه الفترة من أحداث تبدأ بالطوفان وتنتهي ببرج بابل الَّذي هدمه الرب بعد أن تغطرس البشر وأرادوا الوصول إلى آلهة السماء. أما القسم الثاني: فينشغل بتاريخ الآباء ويحتوي على تاريخ إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف. وحينما يموت يوسف يترك إخوته وأهله في أرض مصر الَّتي سوف يذوقون فيها العبودية، وسيكون تحريرهم وإعادتهم إلى"أرض الآباء"موضوع السفر التالي أي سفر الخروج. انظر: الكتاب المقدس: أيّ كتب العهد القديم والعهد الجديد (القاهرة: دار الكتاب المقدس، 1999). أما القرآن فهو يذكر ثلاث مراحل: مرحلة خلق آدم، الذي كان محل تحفظ من الملائكة (البقرة،30- 35)، ثم مرحلة الخروج من الجنة، أثر مخالفة الأمر الإلهي (البقرة، 36)، وأخيراً بدء الصراع، بقتل قابيل لهابيل (المائدة، 27-31). وبالنسبة لكتب التراث، المستقى أغلبها من مرويات معتمدة على الكتب المقدسة، فمن أبرزها: الكامل لابن الأثير، تاريخ الرسل والملوك للطبري، البداية والنهاية لابن كثير، الشهنامة للفردوسي، مروج الذهب للمسعودي. أما الابحاث العلمية، فحتى منتصف القرن التاسع عشر كان ينظر إلى تاريخ الجنس البشري ابتداءً من انقسامه إلى حقبتين كبيرتين: حقبة المجتمع البدائي، وحقبة الحضارة. ولكن مع منتصف القرن التاسع عشر بدأت المؤلفات الكلاسيكية بالظهور وكان أبرز تلك المؤلفات كتاب ه. مين (1822-1888) القانون القديم، عام 1861، وكتابه المجتمعات القروية في الشرق والغرب، عام 1861. وكتاب ي. باخوفن (1815- 1887) حق الأم، عام 1861. وكتاب ف. دو كولانج (1830- 1889) المدينة العتيقة، عام 1864. وكتاب ج. ماكلينان (1827-1881) الزواج البدائي، عام 1865. وكتاب أ. تايلور (1832- 1917) ابحاث في التأريخ القديم للجنس البشري، عام 1865، وكتابه الحضارة البدائية، عام 1871. وعلى الرغم من هذه المساهمات المهمة، فقد كان كتاب ل. ه. مورجان (1818- 1881) نظم روابط الدم والمصاهرة في العائلة الإنسانية، الذي صدر عام 1870 بمثابة نقلة نوعية حاسمة في سبيل دراسة التطور بمنهجية أكثر عمقاً وأكثر وعياً، فقد وجه مورجان ضربة قاضية إلى التقسيم القديم، حينما قدم فرضيته التي تحدد المعاني العلمية للمراحل الثلاث من مراحل التطور البشري وهي الوحشية والبربرية والحضارة، والتي تتميز عن بعضها البعض عن طريق خصائص مادية محددة، وتنقسم بدورها إلى مستويات أدنى ومتوسطة وعليا، انظر:
Friedrich Engels, Origin of the Family, Private Property, and the State. Marx/Engels Selected Works, Volume Three--- October 1884, in Hottingen- Zurich.pp.13-5.
وفي الإشادة بابحاث مورجان، انظر: روزا لوكسمبورج، المجتمع البدائي وانحلاله، ترجمة إبراهيم العريس (بيروت: دار ابن خلدون، 1976)، ولعل الإشكالية التي آثارتها الحفريات هي مدى تعارض العلم مع الروايات التي وردت في الكتب المقدسة عن الخلق، فالكتب المقدسة، ومعها التراث بالتبع، ترجع الخلق إلى بضع آلاف من السنين، بيد أن الحفريات تثبت أن الإنسان الأول، أسلافنا، على الأرض منذ مئات الملايين من السنين. ونحن من جانبنا نرى أن رفع التعارض يبدأ من إعادة فهم النص القرآني لا التوراتي. فالقرآن يقول:"وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَال من حَمَإ مَّسْنُونٍ، وَالجَانَّ خَلَقنَاهُ من قَبلُ مِن نارِ السَّمُوم، وإِذْ قَال رَبُّك لِلْمَلائِكَة إِنِّي خَالِقٌ بَشَرا من صَلْصَالٍ من حَمَإ مسنُونٍ، فَإِذَا سَوَّيتهُ وَنَفَخْتُ فِيه مِن رُّوحي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِين". والمفهوم من النص أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان (بصيغة الماضي)، ولكنه سيخلق بَشَراً (بصيغة المضارع التي تفيد الاستقبال)، والبَشَر هنا جمع (الواحد والجمع والمذكر والمؤنث فيه سواء. المعجم الوسيط). وربما تعني أن البشر أرقى من الإنسان. وبالتالي يصبح آدم، كبشري، أرقى من الإنسان السابق عليه. والبشر، كما يقول أبو هلال العسكري، يقتضي حسن الهيئة، وذلك أنه مشتق من البشارة، وهي حسن الهيئة؛ يقال: رجل بشير، وامرأة بشيرة إذا كان حسن الهيئة؛ فسمى الناس بشرا لأنهم أحسن الحيوان هيئة. ويجوز أن نقول من البَشَرة وهي ظاهر الجلد وقالوا عبر عن الإنسان بالبشر لأن جلده ظاهر بخلاف كثير من المخلوقات التي يغطيها وبر أو شعر أو صوف فسمي بشراً باعتبار ظهور بشرته. ويجوز أن يقال: إن قولنا بشر يقتضي الظهور، وسموا بشرا لظهور شأنهم؛ ومنه قيل لظاهر الجلد بشرة. كما أن كلمة إنسان مناسبة للمراحل الأولى حيث الإنسان في أمس الحاجة إلى المؤانسة في ظل قوى الطبيعة الغامضة والأخطار الدائمة. أما قوله تعالى:"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ". فيشير إلى انتقال الإنسان إلى مرحلة تلقي التكليف. والملائكة كانت تعاين حياة الإنسان الأولى، وتراه مفسداً. ولذا تسألت هل سيكون هذا الكائن وبمثل بتلك الأوصاف محلاً للتكليف؟ ومن هنا يمكن فهم النص التوراتي، فحينما خلق الله آدم في اليوم، أو المليون، السادس، لم يكن الإنسان الأول، بل كان أول البشر. أول التطور نحو الأرقى بيولوجياً. والمؤمنون، وأنا منهم، لا يرون أدنى مشكلة في التدخل الإلهي بالخلق الاستثنائي لآدم، إيذانا ببدء مرحلة ثانية من التطور.










اخر الافلام

.. بارازني: الشراكة مع بغداد فشلت


.. بدء التصويت في استفتاء إقليم كردستان


.. الاستفتاء الكردي .. ساعات الحسم




.. دير الزور .. صراعات المواقع والنفوذ


.. قطر.. ودبلوماسية إضعاف الآخر