الحوار المتمدن - موبايل



في فرضية التطور

محمد عادل زكي

2016 / 12 / 13
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


(1)
على ما يبدو أن مقالي، المختصر، حول التصادم بين العلم والدين، أثار الكثير من الردود المتحفظة في مجملها، والواقع هو أنني لم أهدف إلا إلى تقديم فرضية وليس عرض نظرية، وفي مقالي هذا استكمل ما بدأته، فمن آلاف السنين، ومنذ أن وجد جنسنا الإنساني، ونحن لا نكف عن التطور على الصعيد الاجتماعي. فما هو المحرك الأساسي لهذا التطور؟ كيف تطورنا من سكن الكهوف إلى حياة المنتجعات وناطحات السحاب؟ ومن لبس جلود الحيوانات إلى ارتداء أرقى وأفخم أنواع الثياب المصنوعة بواسطة أعلى التقنيات؟ ومن الارتعاد رعباً من صوت الرعد ولمعان البرق إلى استئناس قوى الطبيعة والسيطرة عليها في سبيل خدمتنا؟ كي نتعرف إلى ملامح الإجابة على السؤال المركزي المتعلق بالمحرك الأساسي لتطور جنسنا البشري على الصعيد الاجتماعي، وما يرتبط به من أسئلة، يتعين أن لا نكتفي بالتعرف إلى محددات عملية التطور، بل نتعرف، وفي المقام الأول، إلى المحرك الأساسي لمغادرة الإنسان مرحلة تطورية والولوج في أخرى.
(2)
من مئات الآلاف من السنين، (ولا نقول ملايين ابتداءً من التحفظ على التأريخ بواسطة الكربون المشع 12، و14) واصل الإنسان تطوره بفضل خلقه واستخدامه أدوات عمله الأولى، ومثل جميع الحيوانات الأخرى كان إنسان ما قبل التاريخ تحت رحمة الطبيعة، ولم يكن يختلف أسلوب حياته إلا قليلاً عن أسلوب حياة الوحوش، فربما كان الإنجاز الأساسي في مرحلة الوحشية، هو نشوء النطق.
لقد كان أسلافنا، في مرحلة الوحشية، حيث امتلاك منتجات الطبيعية، وما يصنعه الإنسان إنما يكون بهدف المساعدة في هذا الامتلاك، عبارة عن جماعات تجوب الغابات ووديان الأنهار بحثاً عن الطعام وتجمع كل ما يمكن تناوله من الجذور والثمار والحيوانات بطيئة الحركة وربما الجيف. في مثل تلك الأزمنة السحيقة لم يكن لدى أسلافنا أدنى فكرة عن كيفية صنع المساكن، وكانوا مثل باقي الكائنات الَّتي يشاركوهم الغابات والأحراش يبحثون عن الملجأ الذي يحميهم بين أوراق الأشجار الكثيفة وفي شقوق الصخور والكهوف.
وبالرغم من كل هذا فقد كان الإنسان يملك مواهب ميزته عن جميع الكائنات الحية الأخرى، ذلك أنه شرع في إنتاج أدوات يمكن استخدامها في العديد من الأغراض: مثل تحطيم درقة سلحفاة أو كسر عظمة. وكان أكثر هذه الأدوات بدائية أزاميل حجرية أو فؤوس بدائية بلا مقابض أو أيدي. وقد تمكن الإنسان، بكسر ثم صقل الأحجار، من أن ينتج هراوات الحفر المسنونة، والحراب، والأدوات الثقيلة ذات الحروف الحادة القاطعة؛ ومن ثم تمكن من أن يقتل الحيوانات الصغيرة ويستخرج الجذور الَّتي تؤكل، كما كان في إمكانه استخدامها في مواجهة الوحوش المفترسة الَّتي تهدد وجوده، أو مهاجمة الحيوانات الكبيرة ليزود نفسه بأكل حيواني أكثر غناء من الناحية الغذائية.
ومع اختراع سلاح القوس والسهم، اللذين بفضلهما صارت الطريدة طعاماً دائماً، والصيد أحد فروع العمل العادية، أخذ السلاح الجديد يشكل الآن أداة معقدة جداً يفترض اختراعها خبرة مكدسة زمناً طويلاً وكفاءات فكرية أكثر تطوراً. وقد أدى هذا الاختراع الحاسم إلى تحول عملية الصيد ذاتها إلى أحد أوجه النشاط الاقتصادي، فلم يزود هذا الاختراع الإنسان بغذاء حيواني فحسب، بل زوده كذلك بالجلود التي صنع منها ملابسه، بل ومسكنه، ومن قرونها وعظامها صنع أدواته.
وفي وقت متأخر نسبياً وقع حدث غاية في الأهمية في حياة أسلافنا؛ فقد تعلموا استخدام النار(2). وكانت الأهمية العظمى للنار، بالإضافة إلى استخدامها في صنع الأدوات، في استخدامها في الطريقة الجديدة لإعداد الطعام. فقد بدأ الإنسان بشواء طعامه وتحميصه وأخيراً سلقه، وهذا زوده بغذاء أفضل خاصة من اللحم مما ساهم في تطور مخه. أن طهي الأطعمة النباتية ربما يكون قد تسبب في توسيع القدرات العقلية من خلال جعل الكربوهيدات المركبة في الأطعمة النشوية أسهل في الهضم وبالتالي تسمح للبشر بامتصاص المزيد من السعرات الحرارية. ومع النار كذلك ظهر الفن الفخاري، كي يعلن عن انتقال الإنسان من الوحشية إلى البربرية.
ومع الطور الأدنى من البربرية يبدأ الإنسان في تربية الماشية والزراعة، ويشكل تدجين الحيوانات وتربيتها وتربية النباتات عنصراً مميزاً. وقد جعل التحول إلى الزراعة المستقرة الإنسان أكثر استقلالاً في مواجهة البيئة؛ فقد مكن الارتفاع النسبي في إنتاجية العمل التي أمكن بلوغها في العمل الزراعي من أن يدخر الإنسان رصيداً معيناً من الطعام لاستخدامه في حالات الكوارث الطبيعية أو العجز في المحاصيل أو الصيد. وحينما اكتشف الإنسان، في نفس وقت اكتشافه الزراعة تقريباً، تربية الماشية أخذ الإنسان يزود نفسه بمورد احتياطي من اللحم الطازج من الحيوانات البرية التي يطاردها إلى أماكن مسورة، ورويداً رويداً تبين الإنسان أن الحيوانات يمكن أن تستأنس وتتوالد في الأسر. وكان الاهتمام بها أولاً كمصدر للحم واللبن، ولم تستخدم كحيوانات للجر إلا في مرحلة تالية تاريخياً.
إن أهم ما نلاحظه حتى الآن أن الزراعة البدائية لم تخلق أي جديد في شكل الملكية، وكذلك تربية الماشية. فالملكية العامة لوسائل الإنتاج كانت لا تزال هي الشكل الوحيد من الملكية. ذلك أن الزراعة وتربية الماشية في الحظائر كانت تتطلب الجهود المشتركة لكل العشيرة؛ وبذلك اقتضت الملكية العامة لوسائل الإنتاج الأساسية العمل المشترك.
وقد قوى التحول إلى طريقة مستقرة من المعيشة، من الروابط الاقتصادية والإنتاجية بين قبائل شتى. فمن أجل الدفاع عن أنفسهم ضد أخطار الطبيعة ولحماية مخزونهم من الطعام ومساكنهم من غارت الأعداء من جيرانهم، اتحدت العشائر المتجاورة في قبائل. ومن ثم اعتبرت الأرض التي تستخدمها القبيلة كموطن إقامة لها ومراعي الصيد ملكية للقبيلة. وكان لاندماج العشائر في قبائل أهمية قصوى في نشر مهارات الإنتاج المختلفة. وقد توافق نظام إدارة العشيرة والقبيلة بأكمله مع علاقات الإنتاج آنذاك. فجميع شئون العشائر والقبائل كانت في أيدي الرؤساء ومجالس القبائل التي يتم باختيار أفراد القبيلة، وكان نفوذ الرئيس يتوقف فقط على ميزته الشخصية وخبرته ومهارته في الصيد وشجاعته في الحرب. ولم يكن من الممكن وراثة سلطة الرئيس، كما لم تكن تلك السلطة لتعطي صاحبها ميزات خاصة بالملكية عما لدى أفراد القبيلة الآخرين.
ولقد أدى تخصص مختلف القبائل في الزراعة وتربية الماشية إلى ظهور أول تقسيم اجتماعي كبير للعمل. فتطور قوى الإنتاج للقبائل الَّتي تعيش على تربية الماشية وعلى الزراعة كان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بحرفهم المحددة واعتمد على علاقاتهم المتبادلة.
أما الطور الأعلى من البربرية فهو يبدأ بصهر الحديد. فلقد أدى استخدام المعادن إلى حدوث تغيرات جذرية. فقد تطلبت الحرف الجديدة مثل صهر خامات المعادن وصناعات المعادن والفخار، أدوات خاصة وظهور قسم خاص من الناس يمتلكون المعرفة والمهارة اللازمة. كون الحرفيون مجموعة منفصلة في المجتمع. وكان الجزء الأكبر من عملهم ينفق في إنتاج الأدوات التي يتطلبها المجتمع وليس في إنتاج ما يحتاجونه هم من أدوات وأشياء. وعلى هذا النحو أصبح التقسيم الاجتماعي الثاني للعمل ممكناً حينما مكن تطور القوى الإنتاجية المجتمع من أن يشبع إلى درجة كبرت أم صغرت، مطالب جميع أفراده بما فيهم أولئك الذين لا يشتغلون في إنتاج المواد الغذائية بأنفسهم ولكنهم يشتغلون في أعمال ضرورية اجتماعياً.
استتبع التقسيم الأول والثاني للعمل تدعيم الروابط بين المجتمعات المختلفة. فقد أدت الزيادة في إنتاجية العمل داخل المجتمعات الرعوية إلى وجود فائض في الماشية والجلود والصوف واللحم والمنتجات الحيوانية الأخرى. ومع ذلك كان ينقص هذه المجتمعات الحبوب والخضروات والمنتجات الزراعية الأخرى. وفي الناحية الأخرى كان هناك فائض في المنتجات الزراعية، مع نقص في المنتجات الحيوانية، في المجتمعات التي تخصصت في الزراعة. وبذلك نشأت ظروف التبادل الاقتصادي المنتظم بين المجتمعات. وبما أن المنتجات كانت حصيلة عمل جماعي، وبالتالي كانت ملكية مشتركة، فكان التبادل يتم بين المجتمعات بكاملها. وشيئاً فشيئاً اكتسب التبادل صفة العادة وصار مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالإنتاج.







اخر الافلام

.. مكافحة الإرهاب... الفكر والفكر المضاد


.. هل تدفع بريطانيا ثمن إيواء الجماعات الإرهابية


.. أطماع إيرانية... ذراعها حرس ثوري




.. الحصاد-مدنيو الموصل.. خارج حسابات العبادي


.. الحصاد-سيناء.. هجمات تتطور وتتوسع