الحوار المتمدن - موبايل



من المستفيد من سياسة تعويم الجنيه المصري؟

محمود يوسف بكير

2017 / 1 / 5
مواضيع وابحاث سياسية


سياسة تعويم أو تحرير سعر صرف العملة المحلية أمام العملات العالمية تعني باختصار شديد ترك السعر يتحدد بحرية وفق عوامل العرض والطلب. وهي سياسة سليمة وضرورية في الدول التي تعاني من وجود سوق سوداء للعملات الأجنبية مثل مصر نتيجة نقص المعروض منها. ولنجاح هذه السياسة شروط كما سوف نوضح حالا.
ومنذ حوالي شهرين طبقت مصر هذه السياسة كواحدة من توصيات عدة لصندوق النقد الدولي من أجل البدء في الإصلاح الاقتصادي والقضاء على السوق السوداء والحصول على قرض من الصندوق بقيمة 12 بليون دولار على ثلاث سنوات. وكانت النتيجة أن انخفضت قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية بمعدلات قياسية، وعلى سبيل المثال انخفض الجنيه أمام الدولار من حوالي 9 جنيه إلى أكثر من 18 جنيه وذلك في غضون أيام قليلة.
والاسئلة التي نحاول الإجابة عليها باختصار شديد هي:
-هل نجحت سياسة التعويم في تحقيق أهدافها الإصلاحية؟ ومن الذي استفاد ومن الذي تضرر منها؟
-هل كان التوقيت مناسبا وهل كانت هناك بدائل أخري؟
أولا، نجحت سياسة التعويم منذ تطبيقها في جلب حوالي 2 بليون دولار في شكل استثمارات أجنبية إلى مصر ولكن من المعلوم أن هذا المبلغ يخص مستثمرين محليين وأجانب سارعوا بالعودة الى السوق المصرية لاستغلال فرصة نادرة لشراء أصول عقارية ومالية مصرية بنسبة خصم تصل إلى 50% هى نسبة انخفاض سعر الجنيه. فعلى سبيل المثال فإن امتلاك 10% من أسهم شركة معينة أو مشروع عقاري معين قيمته 100 مليون جنيه، كان يتطلب تحويل مبلغ 10 مليون دولار قبل التعويم، أصبح يتطلب تحويل 5 مليون دولار فقط بعد التعويم مباشرة. ولذلك ارتفع مؤشر البورصة المصرية وبدأت اسعار العقارات في الارتفاع. وبمعنى آخر فإن ثروات مصر أصبحت رخيصة وفرصة ممتازة للمضاربين من أصحاب النقد الأجنبي.
وبالتأكيد فإن هذا النوع من الاستثمار الأجنبي ليس هو ما تنشده مصر التي تعاني من تدهور مستوى الخدمات الاساسية مثل التعليم والصحة والمواصلات وارتفاع معدلات البطالة والتضخم والسن العام وتحتاج إلى استثمارات أجنبية في القطاعات الإنتاجية والخدمية التي تساهم في علاج هذه المشاكل الهيكلية.
وحتى تكتمل منظومة التعويم فإن اتفاقية دين صندوق النقد الدولي التي أشرنا إليها تهدف بالاساس الى تمكين مصر من الوفاء بالتزاماتها الدولية إزاء القروض الأجنبية والمستثمرين الأجانب الذين يرغبون في تحويل أرباح استثماراتهم داخل مصر. بمعني انه بالإضافة إلى ما حصلوا عليه من خصم غير مباشر على استماراتهم، فإن العائد بالنقد الأجنبي سيكون مضمونا أيضا.
وفي المقابل فإن المستثمر أو المواطن المصري الذي كان يمتلك 10 مليون جنيه تعادل واحد مليون دولار ليلة التعويم، استيقظ من نومه صباح التعويم ليجد أن شقى عمره أصبح يساوي نصف مليون دولار فقط عندما قرر البنك المركزى مساءا تطبيق سياسية التعويم فجأة.
وكما قلنا مرارا من قبل فإن أسرع طريقة لإفقارأي شعب هي تخفيض قيمة عملته المحلية بقرار إداري.
وبالإضافة إلى ما سبق فإن سياسة التعويم دون وجود احتياطي مناسب من النقد الأجنبي لدى البنك المركزي وفي ظل اسعار فائدة مرتفعة يؤديان إلى نوع من الركود التضخمي. وهذا حاصل في مصر الآن، حيث أدى الانخفاض الشديد في قيمة الجنيه الى أرتفاع معدلات التضخم الى مستويات قياسية لم تشهدها مصر عبر تاريخها الطويل وهو ما يؤدى إلى الحد من معدلات الاستهلاك ومن ثم ركود الأسواق وتضرر الصناعات المحلية. كما أدت أسعار الفائدة المرتفعة على القروض والودائع الى الحد من الاستثمار وتفاقم الركود.
وخلاصة هذه النقطة أن التعويم حقق نوعا من الاستقرارالنقدي الذي طالما طالب به صندوق النقد الدولي من أجل جلب الأستثمارات الأجنبية لمصر ولكنه أضر كثيرا بالملايين من الفقراء واصحاب الدخول الثابتة ولم يحقق حتى الآن الاصلاح الاقتصادي الموعود في معدلات النمو والتوظيف.
ثانيا، أما بالنسبة لمسألة التوقيت والبدائل الأخرى، فإن التوقيت لم يكن هو الأمثل دون شك. ولتوضيح هذا نقول ان الاوضاع الاقتصادية السائدة في أي بلد وليس السياسية أو صرامة الحاكم هى التي تعزز أو تفشل أي سياسة اقتصادية جديدة. وفي هذا فإن الظروف الاقتصادية لمصر أيام عصابة المخلوع مبارك كانت ملائمة لنجاح سياسة التعويم أكثر منها الأن حيث بلغ حجم الاحتياطي من النقد الأجنبي 35 مليار دولار وكانت احتياطيات حقيقية تمثل فوائض نقدية وليس ديون كما هو الحال الآن.
كما بلغ معدل النمو الاقتصادي 6% ليس بفضل المخلوع ولكن نتيجة ارتفاع معدلات التجارة العالمية وتحويلات المصريين في الخارج. كما كان الفارق بين سعر السوق الرسمي وسعر السوق السوداء لا يتعدى نسبة ال 10% وليس أكثر من 50% في الظروف الحالية.
وبالرغم من كل هذه الظروف المواتية لتطبيق التعويم ضيع مبارك بعناده مع الصندوق فرصة الإصلاح الاقتصادي في مصر مفضلا الاستقرار الزائف لنظام حكمه على مصلحة الوطن.
ولكن هل كان هناك بديل آخر أمام صانع القرار؟
نقول إن ظروف مصر الاقتصادية كان من الممكن ان تكون أفضل حالا لو أن صانع القرار امتلك الإرادة الحقيقية لاستعادة الأموال التي قام نظام مبارك بنهبها وإخفاءها في الداخل والخارج قبل وأثناء ثورة يناير 2011.
وكان من الممكن ان نكون أفضل حالا لو أن صانع القرار خصص مساحة أكبر من وقته وموارده لمحاربة الفساد المنتشر في كافة ربوع مصر ومؤسساتها دون أدني حياء أو حذر.
وكان من الممكن ان نكون أفضل حالا لو أن موارد الدولة المحدودة تمت إدارتها بشكل مسؤول وأكثر كفاءة بدلا من إنفاقها على مشاريع كبيرة دون دراسات كافية ودون أي سلم للأولويات.
وبالتأكيد كان من الممكن أن نكون أفضل حالا كمجتمع متماسك لو أن اعباء الإصلاح تم توزيعها بشكلٍ عادل على الجميع وتمت معاملة الموظفين وأرباب المعاشات ماليا مثل القطاعات الأخرى التي تم تمييزها بشكل استفزازي لمشاعر الجميع مما أدى الى استفحال مشكلة فجوة الدخل بين الأغنياء والفقراء.
وأخيراً فإن صانع القرار لابد ان يعلم أنه بدون تنمية بشرية حقيقة والاهتمام بأحوال الاغلبية الفقيرة فإن مصر لن تحقق أي نوع من التنمية الملموسة والمستدامة.
ومحصلة ما هو حاصل حتى الآن هو أن سياسة التعويم أدت الى موجة مد طفى على سطحها الأجانب والأغنياء وغرقت في ثناياها الأغلبية المستضعفة.

محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي







التعليقات


1 - اتفق
على سالم ( 2017 / 1 / 6 - 04:34 )
شكرا استاذ محمود على تحليل اقتصادى ومنطقى وعلمى , بالطبع العقول فى مصر تختلف عن العقول فى انجلترا واوروبا , فى مصر يوجد ازمه عقول وخبرات وجهل وفساد وضمير واخلاق , هذه حزمه معوقات ضخمه ومن الصعب اقتلاعها بسهوله للاسف الشديد


2 - الى الاستاذ علي سالم
د.محمود يوسف بكير ( 2017 / 1 / 6 - 11:16 )
شكرا على تعليقكم. الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها مصر أدت بالفعل إلى تدمير الناس نفسيا وأخلاقيا وقد لاحظت أثناء زيارتي الاخيرةامصر قبل شهرين ان الحكومة تسرق الناس،
والناس تسرق بعضها البعض
أعتذر عن غلطة في المقال حيث قصدت ان اكتب -الدين العام وليس السن العام-


3 - مطلوب حلول اقتصادية خارج سياسة البنك الدولى
سامى لبيب ( 2017 / 1 / 6 - 14:56 )
تحياتى صديقى محمود يوسف بكير
جيد ورائع ان تتناول قامة اقتصادية كبيرة كحضرتك موضوع تعويم الجنيه وآثاره السلبية على المجتمع المصرى الذى يتحملها محدودى الدخل او قل الطبقة المتوسطة إذا كان يوجد منها آثار الآن.
أشرت فى عجالة لسبل الإصلاح الإقتصادى لأرى أننا فى حاجة إلى مجموعة من المقالات فى هذا الشأن فهناك عدم وعى لدى الجماهير عن التأثير الهائل للفساد مثلا على الإقتصاد لذا أنتظر منك المزيد من المقالات والأبحاث .


4 - معك حق
األى الصديق العزيز سامي لبيب ( 2017 / 1 / 6 - 19:09 )
أشكرك أستاذ سامي على مرورك الكريم. اتفق معم تماما أن الفساد يرتع في كل مفاصل الدولة ويسهم بشكل فاعل في افشال كل الجهود والسياسات . وكما تفضلت فقد أشرت في المقال في عجالة الي أن صانع القرار لم يعطه الاهتمام الكافي ولذلك تتجه الامور في خط مستقيم من سيء لأسوأ. أعدك أن أكتب أكثر في موضوع الفساد . ولكن وباختصار شديد نقول بالانجليزية: ان
Autocracy and corruption go hand in hand
مع تحياتي


5 - مبارك ما له وما عليه
معلق قديم ( 2017 / 1 / 7 - 13:24 )
لست ممن يحبون مبارك وعهد مبارك ولكن أجد الأستاذ محمود بكير يعترف بقوة مصر الاقتصادية أيامه ثم يسارع إلى وصفه بعصابة مبارك العنيد!!

يا سيدي عصابة عصابة ولكنني اذكرك بالمثل الحكيم: طباخ السم...

لا يهمني إن كان مبارك وابناه ونظيف وغالي قد أثروا بل يهمني وضع البلاد عموما فمصر ومنذ فجر التاريخ يعيش حكامها على دماء الشعب لكن الحكماء منهم كانوا لا يذبحون الدجاجة التي تبيض لهم

قرار التعويم لم يأتي في الوقت المناسب؟... طبعا يا سيدي...لم يخدم الفقير؟..معلوم!

كان قرارا اضطراريا فالبديل عنه كان اعلان افلاس مصر...قرار التعويم لم يكن رفاهية ولم يكن هدفه رفع الضيق عن الفقراء (الذين هم أيضا مسئولون عن حالهم لاعتيادهم كثرة العيال ثم الشكوى: أين المرافق؟ أين السكر؟ أين الزيت؟)..لو كان بيدي لقررت عقوبات رادعة باترة على كل من ينجب أكثر من طفل وليخسأ رجال الدين الذين حولوا الفقراء إلى أشباه آدميين فالقطط والكلاب فقط تتكاثر دون عقل

خراب على الكل كانت هوجة يناير 2011 لأن من قاموا بها كانوا (عيال) لا يقدّرون المسئولية

مبارك حرامي؟ طبعا..لكن ...العيال خربوها؟ أكيد


6 - الى المعلق القديم
د. محمود يوسف بكير ( 2017 / 1 / 7 - 18:06 )
يا سيدي إقرأ المقال بعناية أنا قلت بشكل واضح ان الأحوال الاقتصادية كانت أفضل وأنسب أيام مبارك نتيجة الظروف الاقتصادية العالمية المواتية وليس لنظافة يده. أما بالنسبة لرأيك أنه شيء عادي ان يسرق الرئيس شعبه
فأنا لا يمكن أن أتفق معك في هذا
مع تحياتي

اخر الافلام

.. لحظة انقلاب العبارة في الموصل العراقية


.. خفر السواحل الليبي يعلن فقدان 30 مهاجرا على الأقل بعد غرق قا


.. كيف سترد دمشق على تصريحات ترامب حول السيادة على الجولان؟




.. ما المطالب التي سيرفعها الجزائريون في الجمعة الخامسة من الحر


.. الاتحاد الأوروبي ولندن يتفقان على تأجيل خروج بريطانيا -بريكس