الحوار المتمدن - موبايل



متلازمة التفكير والتغيير

سعادة أبو عراق

2017 / 1 / 24
العولمة وتطورات العالم المعاصر


متلازمة التفكير والتغيير
عطفا على المقال السابق الذي تحدثنا به عن الحضارات كمشروع تقوم به الأمة، وبيّنّا أن الحضارة تنتهي حينما ينتهي هذا المشروع، أو حينما لا يكون هناك مزيد من التقدم، ولقد اعتمدنا فيه على الاستشهاد بما هو معروف للجميع عن الحضارات التي سادت ثم بادت، وأوضحنا أيضا أن عمر الحضارة يكون مرتبطا بزخم المشروع وقدرته على الامتداد عبر الزمن، وأسهبنا بتفصيل موجز عن حضارتنا الإسلامية بأنها انتهت حينما توقف الفقهاء والمفكرون والعلماء والأدباء وكل المبدعين عن إثراء مواضيعهم بأي جديد، بمعنى أخر لم يعودوا ذوو بصيرة يرون بها المستقبل، فتوقفنا عند القرن الرابع الهجري واعتبرنا أن هذا قانونا يمكن تعميمه على كل الحضارات في الماضي والحاضر والمستقبل.
وفي هذا المقال سنحاول أن نفلسف هذه الظاهرة، فالزمن الذي اعتبره اينشتين بعدا رابعا للمادة، فإنه في الحقيقة هناك علاقة جدلية ما بين الزمن ومتغيرات المادة، فكما قال احد الفلاسفة( انك لا تستطيع أن تنظر إلى النهر مرتين ) فما بين إغماضة عين وفتحها هناك تغيرات تطرأ على النهر، ولن يكون كما كان قبل ثانية واحدة، إن كل شيء يتغير باستمرار، وهذا ما يجعلنا نحس بالزمن، وقد عرّف أحد الفلاسفة الزمن بأنه عدد الحركة.
إذن وبكل بساطة نقول إننا محكومون بالتغيير على مدى الأزمان السابقة وعلى الأزمان اللاحقة، وإن عدم شعورنا بالتغيير لا يعني عدم وجوده، لكنه دليل على عدم وجود بصيرة، وبداية السير نحو الهاوية.
إن إدراكنا للتطور والتغير في عالمنا الذي يحيط بنا - ضاق هذا العالم أم اتسع - هو بدء البحث عن سبل التعايش مع المتغيرات، وهذا التعايش لا يكون فطريا إنما نابع من الوعي الإنساني بالعالم، وبالتالي التفكير به، وفهمنا بوجود تغيير مستمر ومرتبط بالزمن، يجعلنا ملزمون بالتكيف مع هذا التغيير، فلو انتقل شخص يعيش في غابات الأمازون إلى الصحراء الكبرى فإنه لن يعيش حياته الأولى، إذ يصبح أمام احتمالين، إما أن يغير أساليب حياته أو الفناء، وكذلك لو حكم على بدوي في الصحراء بالنفي إلى سيبيريا سيكون محكوما بتغيير كل مفاهيمه وسلوكه وتصرفاته أيضا.
إذن فإن التغيير ضرورة لا محيص عنها إلا الفناء، والإنسان بما هو إنسان قادر على أن يتكيف مع المتغيرات، بما يبقي على حياته وديمومته، بعكس الحيوانات أو النباتات التي لا تملك القدرة عل التعايش في غير بيئتها الأصلية فينتهي بها الأمر إلى الانقراض.
الأفكار ليست موجودة في الطبيعة، ولا ينزّلها الله على أحد، إنما يكتشفها الإنسان بعقله وإدراكه الذي وهبه الله له، بالطبع ليس لكل إنسان القدرة الكافية لاكتشاف قوانين الطبيعة أو فهمها، وبالتالي التعامل معها، ولكن هناك فئة من المجتمع قادرة على ذلك، وهي المنوط بها التفكير، وعلى الباقي من الناس عملية التأقلم الجديد حسب ما يراه هؤلاء المفكرون.
والتغيرات ليست دائما من صنع الطبيعة، بل من صنع الإنسان أيضا، فالاختراعات والاكتشافات والتعليم والحروب وكل نشاط إنساني يحدث تغيرات جديدة، فاختراع الورق والبارود والطباعة والاكتشافات الجغرافية واكتشاف البترول واختراع المحركات البخارية وتوليد الكهرباء, آخرها الهاتف الخليوي والانترنت ، إن هذه تغييرات أدت إلى تغييرات أخرى في حياة الإنسان, بالتالي أدت إلى أفكار لمخترعات جديدة أخرى، وهكذا دواليك، فأصبحنا في هذا العصر نعيش تسارعا غير مسبوق، يوجب علينا تسارعا غير مسبوق أيضا، بتوافق مع هذه التكنولوجيا المتسارعة.
إن التغيرات التي كانت تبدو ضئيلة في بلادنا من قبل قرن من الزمن خلقت مفهوم الثبات في أذهان كثير من الناس، ومفهوم الثبات هذا دفع بالفكر السلفي لدينا إلى الانتشار، وأصبح جائزا بل ممكنا أن نعيش الحياة الماضية بتفصيلاتها، ومن هنا نشأت التوجهات الأصولية والسلفية، كإفراز طبيعي للجهل والانغلاق على الذات وعدم القدرة على الوعي الصحيح بالواقع العالمي الجديد، لذلك انتشرت هذه التيارات عند العامة من الناس الذين لا ينظرون لا إلى الخلف ولا إلى الأمام.
ولنضرب مثلا بالتغييرات التي اتسمت بها الحضارة الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إنها تغيرات كانت وليدة الاكتشافات التي بدأها كلومبس، إذ انبتت في أذهانهم فكرة أن كل المساحات الجغرافية الجديدة في العالم الجديد والقديم, يمكن السيطرة عليها وامتلاكها بما فيها من بشر، باسم التعمير والإصلاح، ولقد قامت الأفكار الاستعمارية على مفاهيم ومبادئ تم التنظير لها من قبل مفكرين وفلاسفة جعلوا البشر طبقات، أعلاها العنصر الأوروبي، وخاصة الجرماني، ولكن حينما بَطُلَ ذاك الإدعاء، ما عادت بريطانيا دولة لا تغيب عنها الشمس، لم تستطع أن تحتوي المتغيرات بعد الحرب العالمية الثانية، لذلك فقد انتهى المشروع الاستعماري وانتهت معه إمبراطورية بريطانيا العظمى، لترثها أمريكا، التي فكرت بأسلوب آخر غير القواعد العسكرية، إذ راحت تسيطر على الدول بعملاء لها ليسوا أكثر من موظفين في وزارة الخارجية الأمريكية، ولكن بأسماء فخامة وسيادة وجلالة وسمو.
وفي رأيي أو رؤيتي أن الربيع العربي هو إيذان بانتهاء عصر الإمبريالية الأمريكية، ولأن الزعماء العرب وغير العرب من الذين جثموا على دولهم بمباركة أمريكية، لم يستطيعوا أن يدركوا التحولات التي تحدث في مجتمعهم، لذلك مادت بهم الأرض وسقطوا، وأعتقد أنها ستكون ملهمة لكثير من بلدان العالم التي تعاني مثلما نعاني من مرحلة الإمبريالية.
أما ما وجدناه في المعسكر الشرقي في الصين ومجموعة الإتحاد السوفياتي وغيرها من دول المنظومة الاشتراكية، من توقف عن ترديد الأدبيات الشيوعية والاشتراكية، بل ذهبت إلى نبذ الكثير من المبادئ التي طالما تغنوا بها، وقاموا بالتحول إلى ما يسمى باقتصاديات السوق، لأنها وجدت أن الرأسمالية قد طورت نفسها وفوتت الفرصة على انتشار الفكر الشيوعي، ولم نجد من المنظرين والمفكرين الشيوعيين من يواجه بفكره هذا التغير في سلوك الرأسمالية، وهنا أصبحت الإيديولوجية الشيوعية غير قادرة على إيجاد أفكار جديدة، بمعنى أن الفكر الشيوعي قد أصبح عقيما وانهار الاتحاد السوفيتي، لذلك وجدنا أن الدول الشيوعية ما عادت شيوعية، ولم يبق سوى كوبا وكوريا الشمالية التي ما زالت تكابر معتمدة على نظامها الدكتاتوري القاسي.
واعتمادا على هذا العرض نستنتج ما يلي:
1 - إن العلاقة بين التغيير والتفكير هي علاقة جدلية، فكل تغيير يجب أن يدفع إلى التفكير، وكل تفكير يجب أن يدفع إلى التغيير، كما هي حركة القدمين تماما، وإذا ما حدث تغيير ولم يثر التفكير فهي الكارثة، وإذا كان هناك تفكيرٌ لا يدفع للتغيير فهو الانحطاط.
2- بما أننا نحن العرب والمسلمين لا نملك تصورا واضحا ولا فكرا معاصرا فإن الدعوة إلى أي مشروع حضاري أو سياسي سيكون وهما بالضرورة، وأعتذر للمفكرين الكثر الذين يحاولون هنا وهناك لتقديم مفهوم حضاري جديد، وأظن جهدهم ما زال راقدا في كتبهم.
3- سيغدو من العبث الدعوة لإحياء الدولة الإسلامية التي توقفت من عشرة قرون، ذلك أنها صدئت وما عاد لها قطع غيار، ودليلنا على ذلك أن موسيليني لم يستطع أن يعيد الإمبراطورية الرومانية إلى الوجود ثانية، وكانت محاولته كارثة تحملها الشعبان الإيطالي والليبي.
4- إن بناء مشروع حضاري جديد لا يمكن أن يكون من خلال جلسة هادئة تدفع إلى التركيز الفكري، إنما وفق أفكار نابعة من وعي موسع يشمل كل شيء في العالم، واكتشاف السبيل البكر الذي يمكن لنا أن نسلكه بتفرد نحو المستقبل.
5- عدم الاعتماد في أي مشروع على الطبقة العامة ، فهي لا تمتلك التصور اللازم ولا القدرة على الفعل ،إنما هي ذات تحرك غوغائي أو عشوائي غير فعال ، بل يجب الاعتماد على النخبة القادرة على الفهم والتخطيط والتنفيذ ومعالجة المستجدات والظروف الطارئة.
6- إن الحكومات العربية التي تهمش المفكرين، وتتلف التعليم، وتتعامل مع الثقافة كعمل رفاهي، ومع المثقف كشخص مريب، إنما تقوم بقلع عينيها بنفسها، وترك القيادة للمهوسين التكفيريين والإسلام السياسي







اخر الافلام

.. مكافحة الإرهاب... الفكر والفكر المضاد


.. هل تدفع بريطانيا ثمن إيواء الجماعات الإرهابية


.. أطماع إيرانية... ذراعها حرس ثوري




.. الحصاد-مدنيو الموصل.. خارج حسابات العبادي


.. الحصاد-سيناء.. هجمات تتطور وتتوسع