الحوار المتمدن - موبايل



موقف من العالم.. [5]

وديع العبيدي

2017 / 2 / 6
العولمة وتطورات العالم المعاصر


وديع العبيدي
موقف من العالم.. [5]

أزمة الذات أو عقدة النقص..
الحيازة والاستهلاك تعويض لذات مأزومة..
التعصب الديني.. رأي وعقل لمن ينقصانه..!
(1)
لحظات نادرة ومحدودة جدا.. اعتقد فيها الانسان بادراكه سرّ الوجود!.. ولم تكن تلك اللحظات مجانية على قارعة الطريق، وانما اقترنت بالعقل الجاد والبحث الدائب والرؤية المستنيرة..
تلك اللحظات هي مصدر الثراء الانساني وارتقاء منظومة القيم والعمران والعلاقات.. وعندما يتراجع اشعاع تلك اللحظات وتتوارى رموزها، تحل فترات الظلام والانحطاط وانعكاساتها في كل صعيد.
من تلك اللحظات الفردوسية النادرة، ..
1- سومر الاولى.
2- فلسفة الاغريق.
3- عصر التنوير.
وإذا قدرنا كل حقبة ابداعية سالفة، بقرنين من الزمان – تقريبا-، فأن عمر اللحظات النادرة والابداعية في عمر الانسان لا تتجاوز الستة قرون.
ستة قرون فقط في مقابل ستة الاف عام من تاريخ الانسان – المدون-. ويقدر علماء الانثروبولوجيا عمر الكائن الانساني بمليون عام، حسب الحفريات الاثرية.
عصر التنوير الاوربي- اللحظة الاخيرة- كان خلال القرنين السابع عشر والتاسع عشر الميلاديين، وشهد القرن العشرون ثمارها المباشرة على الصعيد المادي والمعنوي. واليوم، نعاني استمرار تبخر واختزال تلك الثمار، وانحراف مسيرة الانسان نحو الانحراف والانحطاط والضياع بشكل مضطرد.
ما هو الانحطاط؟.. وكيف يمكن تمييزه؟..
1- غلبة الكم على النوع.
2- غلبة المادي على المعنوي.
3- غلبة الخاص على العام.
4- غلبة قصر النظر على بعد النظر.
5- غلبة الاستسهال والاستهلاك والاستحلال.
وكل هاته المعاملات مختصة بالفرد وقناعاته وخيراته وقدراته، وما من مبرر يفترض ان احدا ما يجبر عليها، بغير خضوعه لسلطان الغريزة والطمع.

(2)
صحيح ان ثمة سياسات عامة تتبنى مبادئ وأفكارا معينة، تسخرها لخدمة اهدافها على صعيد معين وفي حدود معينة، الا ان استجابة المتلقي والمستهلك، هي امر يخصه وحده، ويتحمل مسؤوليته مع عواقبها لوحده.
هذا يعني ان المعيار الحاكم في الامر، هو مدى صلابة المرء، ودرجة تعففه وتنزهه أمام معروضات السوق، واحتمالات الخروج مما هو فيه.
في الزمن الماضي كان اصطياد الاشخاص يتم باستخدام المال او الجنس. والمال والجنس من مظاهر الجاه والترف.
وكلاهما اليوم مبذول، وطريقه سهل وقصير، وثمنه هو التنازل الاخلاقي والقيمي، بما فيه اساليب الجريمة كالسرقة والرشوة وتجارة الجسد.
وبينما، كان البعض – في الماضي- يأنف من العرض، ويفتخر برفضه؛ يتكالب ابناء اليوم على المتاح منها، ويتفاخرون ايضا بما يصيبونه منها.
في الماضي، ظهر مبدأ اخلاقي هو: من أين لك هذا؟!.. وأقرت بعض الحكومات تقديم كل سياسي مستجد اقرارا بوضعه الاقتصادي. واعتباره اساسا للمقارنة بعد سنوات، بما كسبه من منصبه الجديد وحياته الجديدة.
اليوم صارت السياسة والحزبية ومراكز الدولة وامثالها، مجرد ابواب للثروة وبيع الصفقات والتجارة الحرة غير المقيدة. ولم يعد الأمر بين الغرب والشرق يختلف مبدأيا. فالغرض من الممارسة الحزبية او التجارة او الدراسة هو المال، واقصر الطرق واسهلها وأفضلها ايرادا، هو المطلوب.
فالطبيب والمدرس والعسكري ورجل الدولة والدين، لا يتعامل مع مهنته من باب الايمان او الفضيلة او الخدمة العامة، وانما، اشباع حاجات المغيشة والحيازة.
الجانب الخدمي، الاخلاقي، الانساني في خطر الغياب.
الشرطي انسان. رجل الدين انسان. السياسي انسان. ..الخ. كل منهم مسؤول مسؤولية مباشرة عن ادائه. وسوء استخدام السلطة والقانون والاخلاق هو الاكثر شيوعا، في تعبير بسيط ومباشر عن الانانية والعدوانية وتراجع النوع الانساني.
ولكن أين هو الانسان – هذا اليوم- في الاداء اليومي للأشخاص؟!..
لقد تم تغييب عنصر (الانسان) لخدمة منظومة الشر والدمار المفرطة الشيوع والشرعية في زمننا. الناس مسيّرون كالقطيع. ليس بالدين والايديولوجيا الدوغماتية والعقاقير المخدرة فحسب، وانما بمظاهر الاستهلاك المريضة والترف البراق والتافه.
الموبايل/ الجوال/ الهاتف الخلوي والدش، ليس حاجة – ترفية/ شكلية، وانما تحولت الى قضية مصيرية/ حياة او موت، لدى كثير من الاشخاص والعوائل. وياما عوائل انهارت بسببها. هل العائلة العربية مغرمة بالتحديث لهذا الحد. ام هي قطيعية لا واعية الى حد غريب.
في رواية للكاتب اللبناني يوسف الضعيف، تشترط العروس على عريسها ان يشتري لها التلفاز والدش قبل كل شيء. وبعد الزواج تقضي وقتها عند امها، لمشاهدات المسلسلات التحشيشية لوجود دش عند امها، وهي لا تريد البقاء لوحدها في البيت.
بعد عشرين سنة من دخول خدمة الهواتف الخلوية والنت واطباق التلفزة الفضائية، ما هي الايجابيات والتطورات التي طرأت على شخصية الانسان العربي؟.. كم هو حجم التقدم والتحسن في الفكر والسلوك والحياة اليومية؟..
مزيد من الفساد والفوضى، مزيد من النزعات المادية والجوع والشراهة والطمع وغياب القيم الخلقية والانسانية، مزيد من العبودية الاستهلاكية لمنتجات الراسمالية وخيانة الاوطان والانسان.. غياب تام للضمير.. استعداد منقطع النظير لعمل أي شيء مقابل مرضاة السيد (!!)..

(3)
رجل الدين الذي يصدر فتاوي التدمير والذبح والتفجير هو انسان!..
هل هو انسان حقا؟.. من حق كل شخص الشك في انسانيته وعلاقته بالنوع الانساني. في محاكم العهد النازي تم الحكم على كثيرين لمجرد دور محدود في الية الحكم النازي. والمقصود بالحكم النازي هو جرائم القتل والتعذيب والتطهير وتجارة الدم والاعضاء البشرية.
احدهم كان موظفا في مصلحة القطارات، يشرف على تنظيم جداول الحركةن تم تجريمه، لآن القطارات كانت تنقل السجناء اليهود الى معسكرات الاعتقال. في واقعنا اليوم مشرعون ومنظرون لجرائم القتل والتخريب، ولدينا قضاء متواطئ وحكومات نائمة. الجريمة، من غير تجريم رسمي او شعبي، لا تكون جريمة. تصير حياة عادية!!..
أليس غريبا ان تتم هاته الصنوف الوحشية والمنافية للانسانية من تجارة الموت والخراب والاستهانة بالانسان، في المحيط العربي والاسلامي، في جو من الحرية والازدهار واللامسؤولية؟....
لو عاش عبد الرحمن الكواكبي في زمننا هذا، هل كان سيكتب كتابا جديدا، أم يتولى بنفسه رفع لائحة الاتهام امام التاريخ؟.. لذلك تخشى الدولة العربية من (اهوال الاستبداد).
ان الذي يحدث لدينا هو العكس واللامعقول.. انه ربيع الجريمة والتخريب والاستهانة بالبشر..
شاب مأزوم بلا رؤية لحياته، يقرر قتل مجموعة من البشر ليظهر اسمه في شريط الاخبار. في سجل الاسلام المعاصر قوائم طويلة من المجاهدين المصطفين على ابواب الجنة، ممن خدموا العقيدة ورفعوا اسم الاسلام عاليا فوق فوق.. على قمم الخراب والجريمة والاشلاء البشرية..
افضل خدمة للبشرية هو تخليصها من الحياة، وهذا مغزى الجهاد الاسلامي والمجاهدين من الشباب الضائع الذي فتح عينيه على البطالة والفساد وانعدام مستلزمات الحياة الطبيعية.
وبدل قيام الشيوخ ببناء مصانع وورشات لحل مشاكل البطالة وانعدام الامل، قاموا بتوظيف البطالة لخدمة برامج التخريب والدمار الشامل للبشر والبلدان.
في الدين – عموما- كما في السياسة والثقافة والتجارة والاعلام والجامعات ومعاهد التدريب، ظهرت طبقات جديدة من الشيوخ والاساتذة – من خريجي الدواجن والفهلوة-، وانسحبت القيادات والمرجعيات واجيال الاساتذة العتيدين.
ونكاية في الثقافة والدراسة والاكادميين، اختير دكاترة الازهر المصرية على راس التنظيمات الارهابية. ترى ما هو شعور اساتذة الجامعات والاكادميين، وهم يجدون انفسهم في مستوى واحد مع البغدادي وبوكوحرام في نقابة الاكادميين!.
وفي خضم الغثاء العولمي، احتلت الأنثى صدارة المشهد، لاضفاء مسحة تقدمية على الاداء. في السياسة والثقافة نافست المرأة الجارية، الغلمان الشباب، وفي معتركات الديانات، ظهرت المرأة الواعظة والداعية والناشطة لخدمة وترويج مظاهر الفساد وتغييب الجمهور عن تشخيص البشاعة.

(4)
يقال ان كل شيء بالعقل.
والخيانة ايضا تبدأ بالعقل، تبدأ بالنفس، من داخل الشخص نفسه.
وعندما يخون الفرد ذاته، لا يشعر بالخيانة، لأنها تتحول لديه الى سلوك عام وموقف. ونحن اليوم.. الاحياء في عقدة الالفية، متهمون ومشاركون في الخيانة، على مدرج نسبي طويل. تتساوى في ذلك الخيانة الصغيرة والخيانة العظمى، الكذبة البيضاء والسوداء والرمادية.
مفهوم الانسان لدى الاكثرية، بما فيهم الساسة وشيوخ الدين، هو الجسد والغريزة العمياء. لذلك تحتل الثياب والطعام والجنس الحيازة محل الصدارة في تجارة الموت والدم والخراب.
وهذا ما حرصت الراسمالية الامبريالية على تامينه بدل الامن والكرامة. انتشرت محلات المطاعم والبوتيكات والفاشن ومكاتب التلفونات، في كل شارع وزاوية. وفي المطارات ينشط تجار الشنطة في تجارة السلع عبر الحدود.
يتفاخرون بما لديهم من ثياب اجنبية وأرصدة مالية وعقارات، ويتباهون بمنجزاتهم الجنسية وتكاليف وجباتهم الغذائية. يتفاخرون. ي. ت. ف. ا. خ. ر. و. ن. هذا هو اهم شيء. مظاهر فارهة وفارغة.
لقد كان احد عوامل ظهور فلسفة العبث واللامعقول في الفن والادب الاوربي هو الرد على مظاهر هزيمة الانسان، امام الة الحرب والتكنولوجيا. نحن نمارس هزيمة الانسان في دواخلنا وذواتنا – طواعية- للفوز بمرضاة العدو، او الهروب من اسئلة الذات والمصير والخواء الحضاري.
مشكلتنا اليوم ليست الحضارة ولا الحداثة.. ولكن هزيمة الانسان وغيابه امام النسخ الوحشية الرائجة. وعندما يشخص جون مكارثر الجريمة كواقع يومي في حياة الغرب، فما من احد في الشرق العربي والاسلامي يرى مبررا لاستخدام لفظة – جريمة- على ما يجري في تاريخنا المعاصر.
كل دمعة طفل.. كل انكسار عين.. كل حالة تشرد.. كل غربة واغتراب ووجود خارج المكان/[البيت/ الوطن].. كل حرية منقوصة وتجاوز على حرية ووجود انسان .. كل تدخل سلبي واداء عدواني.. كل كلمة وموقف خارج السياق والمنطق، جريمة.. ونحن نسبح في مستنقع جريمة.
عند ذكر الفساد، الفوضى، فالمقصود هو الجريمة.
في القانون مواد تحاسب على ممارسة الفساد وتجرمه.
هل كان ذو الفقار علي بوتو مجرما فاسدا.. عندما اصدر القضاء الباكستاني عليه الحكم بالاعدام؟*.. ام ان ابنته بنازير بوتو كانت فاسدة فعلا عندما هددها الاسلاميون بمحاكم الفساد اذا رشحت نفسها ونافستهم في الانتخابات؟.. هل الباكستان اليوم طاهرة من الفساد الحكومي والشعبي والديني؟..
هل تركيا او ايران اليوم اطهر وارقى مما كانت عليه ايام العلمانية؟.. أم الحياة العربية ازدهرت كثيرا في ظل المد الديني المروج للدم والفساد والتخلف؟..
هاته هي صورة الواقع اليوم. يستطيع كل شخص ان يضع مليون برقع على عينيه ووجهه ويلف كل جسده، ولكنه لن يعفى من مسؤولية ما يجري.
كل انسان عليه ان يبدا بالتشخيص- الاعتراف- المسؤولية- التغيير- العمل نحو الافضل!.

(5)
البرجوازية التقليدية في الماضي، اتسمت بأمرين: الالتزام الاخلاقي والثقافة والتنوير.
وعندما تعرضت البرجوازية التقليدية للتقويض بفعل اجراءات التأميم او الانفتاح، نشأت فئات برجوازية جديدة من قاع المجتمع وأطرافه، بدء بالبرجوازية العسكرية والحزبية حتى برجوازية الانفتاح واستشراء الفساد.
والفارق بين البرجوازيتين، هو ان الجديدة، خلاف القديمة، تعتاش على الفساد والتخلف. برجوازية بلا ثقافة وبلا اخلاق./(رواية يعقوبيان لعلاء الاسواني).
ما حصل في مصر ويحصل في العراق وما يحصل في الجاليات المهاجرة هو مسؤولية الفرد. ممارسات فردية تتحول الى ممارسة عامة، وتنعكس شرورها على الجميع. والفرد هو ابن امه وعائلته وعشيرته وعقيدته الدينية والحزبية!.
بامكان الفرد، اعتماد ضميره الشخصي، وعدم اقتراف تلك الممارسات المؤذية، وتفضيل القناعة والتعفف على الترف. بامكانه ايضا، عدم التعاطي مع المظاهر والممارسات السلبية. فالتعاطي معها هو تشجيع لها، وتوفير للبيئة الحاضنة للفساد. السكوت في القانون هو مساعدة للمجرم، تواطؤ ومشاركة في الجريمة.
والمقصود هنا (الضمير)، المعيار الخلقي الشخصي والاجتماعي، وليس القضاء والبوليس والاعلام والدين والحكومة، المؤسسة والمشرفة على ترويج الفساد والانحطاط الراهن.
صلابة الشخصية هي الامتلاء. والامتلاء خلاف الخواء، والشبع خلاف الجوع. وثقافتنا الاجتماعية التقليدية عموما تدين الارتشاء والفساء والاثراء السريع وغير الشريف. ولكن اين هي القيم والتقاليد المتوارثة اليوم امام تجارة الدين والعولمة.
الامتلاء ليس ماديا، ليس المال ولا الطعام ولا الجاه، الذي خضع للاستسهال العام. انما الامتلاء الحقيقي هو ثروة العقل والفكر، الثقافة الراقية المقترنة بقيم خلقية انسانية.

(6)
الاخلاق والثقافة، الضمير والعقل، في ازمة اليوم.
ومن تراجعهما تنتج ازمة الذات وعقدة النقص.
من آثار زمن الانحطاط استشراء مظاهر الحسد والغيرة والنميمة والاغتياب، حتى صارت مقوما ومحركا رئيسا لحياة من يشعرون بالخواء والنقص امام غيرهم. وتتخذ تلك المشاعر انواعا مختلفة للتعبير: منها الاساءة المباشرة او الطعن والقدح او بخس قيمة الشخص او ادائه، وغير ذلك.
عندما تحدث الفلاسفة عن (الانسان الفاضل)، كان الاعتقاد ان يكون ذلك هو النسخة العامة والرائجة لانسان المستقبل، وتحقيق مجتمع انساني فاضل.
وعندما يستخدم النص الديني فكرة (الانسان البار)، فليس الغاية ان يكون مضربا للمثل ومادة الوعظ، فيما يتمادى الناس في شرورهم.
وعندما تحدث المعتزلة عن (الانسان الكامل)، كان ذلك تعبيرا عن تطلع انساني للأفضل وتحقيق الارتقاء فوق مستوى الغريزة والمادة المفسدة، والزبد الذي يذهب جفاء!.
الامتلاء هو التربية والتعليم والعمل الجاد، وهو القيم الفكرية والسلوكية التي تحصن الفرد ضد الخراب والخواء!.
!

ــــــــــــــــــــــ
* عندما اعدم زعيم حزب الشعب الباكستاني المحامي ذو الفقار علي بوتو اخر رئيس شرعي لباكستان الحرة، وشحت مجلة عربية تصدر في باريس غلافها بمانشيت عريض: (اعدم بوتو فليبك ٍ العالم)!.. والعالم منذ اعدامه مستمر في البكاء والنزيف والانهيار!..







اخر الافلام

.. مكافحة الإرهاب... الفكر والفكر المضاد


.. هل تدفع بريطانيا ثمن إيواء الجماعات الإرهابية


.. أطماع إيرانية... ذراعها حرس ثوري




.. الحصاد-مدنيو الموصل.. خارج حسابات العبادي


.. الحصاد-سيناء.. هجمات تتطور وتتوسع