الحوار المتمدن - موبايل



اللغة العربية الضائعة في جاهلية اهلها

منير ابراهيم تايه

2017 / 2 / 17
الادب والفن


"لغتي منفاي" كما كتب الراحل محمود درويش، فماذا لو أصبحت اللغة وطن بعيد ومنسي، ويوما ما مُسِحَ غبار السنينِ الماضية عن ذاكرة لم تُمنَح فرصتها، لتتناقض الأشياء في المكان والأصل؟
اللغة من مقومات الشخصية؛ فهي الإطار الذي يحفظ كيان أصحابها ويحدد هويتهم، وهي مرآة العقل ووعاء الأفكار، وأداة التفكير، كما أنها وسيلة النضج الذهني، وأهم مظهر يتجلى فيه إبداع أبناء الأمة، وإذا كانت المناهج الدراسية لها الدور الكبير والمؤثر في تشكيل الهوية الوطنية، فإن اللغة هي قلب الهوية الوطنية وروح الأمة، وهي أداة الفكر التي يعبر بها الإنسان عن واقعه وهمومه وطموحه وإبداعه، وهي الإطار الذي يتم من خلاله الانتماء والولاء للدولة والأمة والمؤشر على قوة الأمة أو ضعفها. لذلك فإن كل الامم تحرص بقوة على تجنيد كل الوسائل للحفاظ على لغتها الوطنية من أي تأثيرات ضارة والدفاع عنها في مواجهة تأثير اللغات الأخرى، حتى لا يحدث لها مثلما حدث لباقي اللغات التي ماتت واندثرت.
ولكن ما موت اللغة؟
اللغة الميتة هي التي فقدت متحدثيها الطبيعيين. ويكون ذلك بموت المتحدث قبل الأخير، فلا يجد الأخير من يخاطبه بها، أو بموت الأخير بحسب بعض التعريفات.
فعلام كل هذا الفزع إن فنت لغة أو نسيت أخرى؟
يجيب عن ذلك ديفِد كرِستل في كتابه موت اللغة Language Death فيجمع علل الخوف من موت اللغة بخمس حجج. أما الحجة الأولى فالحاجة للتعدد منال في ذاتها ومطلب. ألا ترى أن المعنى المجرد قد يظهر بصور مختلفة بلغات متباينة لتعكس في مجموعها المعنى المجرد في أقرب صورة؟ وهي في تنوعها تظهر التبسيط تارة والتعقيد تارة كالتنوع الحيوي، جدلية تقدح الذهن و تستحيي الخيال.
أما الحجة الثانية فهي أن اللغة هوية. فلكي يتصل المرء بسواه، لابد أن يتفق هو والآخر على أصل معرفي هو ذلك المحقون في لغة ما، ويرى أيما مرأى في مجازاتها وأمثالها كما بينت ذلك دراسات تظرية المجاز المعرفي عن لاكوف وجونسن في ثمانينيات القرن العشرين.
والحجة الثالثة التي يسوقها كرستل هي ان اللغة تحفظ تاريخا قد لا يعرف إلا بها. فكما تعكس اللغة هوية قومها و بناء عقلهم المعرفي، تحفظ تاريخهم بصور مختلفة سواء برموزها وسبب اختيارها.
خصوصية اللغة المتميزة قد تسهم في المعرفة الإنسانية حتى في مباحث العلوم الأخرى. و انظر إلى ما ساق كرستل عن إيفان من أن إحدى لغات أستراليا اصطلح فيها على اسم نبت هو أدق تعريفا مما عرفه العلماء في الستينيات أولا. فلما فهموا ما كان من نلك اللغة الأصلية انضاف إلى علمهم ما لم يكونوا يعلمون، فكانت رابع الحجج.
أما خامستها فهي أن في ذاتها تثير اهتمام الباحث عن التنوع و فهم العقل البشري.
فإن كان كذلك، فما يميتها؟
الإجابة عن هذا السؤال تنقسم لاعتبار زمني. فقديما كان الغزو العسكري و الفتوحات العامل الأكبر في موت اللغة، وحديثا فسلطة الاقتصاد ألزمت الأمم الضعيفة التخلي عن جوانب من ثقافتها وما اللغة إلا إحداها. وإن كان للاقتصاد قوة غاصبة، فللإعلام والبهرجة قوة ناعمة تحدو بالأمم إلى التشبه بالمثل الإعلامية بكل صورها ومن تلك اللغة، حتى تضعف فتموت.
اما لغتنا العربية فهي لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، لغة العبادة والثقافة والحضارة الإسلامية واللسان المشترك، الذي يجمع أكثر من مليار مسلم على وجه الأرض، هي لغة التفكير العلمي والإبداع والابتكار الذي يحقق للأمة القوة والطاقة والإنجاز والاختراع والتقدم، خاصة بعد أن أدرك أعداؤها أنها هي السبب في قوة هذه الأمة
وبقاء الأمم وتقدمها مرتبط بتشبثها بأصولها المتمثلة في لغتها ودينها، وتمر الأمة الان بمرحلة حضارية خطيرة في حياتنا المعاصرة، وإذا لم تتفهم هذه المرحلة وتهضم ما فيها من جديد، وتلحق بالتيارات الحديثة ضاعت شخصيتها بين تيارات الحضارة الجديدة، ونسيت تراثها وأصالتها؛ لأن الأمم القوية ستفرض عليها علمها وثقافتها وآدابها عن طريق التطور الحضاري المتقدم.. لقد منح القران الكريم اللغة العربية التقديس لتكون لغة إعجازية مقدسة، وكانت وعائا للفكر الإسلامي الوليد وكذلك لغة النهضة العلمية الوليدة.
دخل العرب القرن العشرين عراة لا يملكون من مقومات الحضارة شيئا حتى لغة الشعر إبداعهم الوحيد كانت قد ماتت قبل الدخول، و بعد محاولات التململ العربي للنهوض اكتشف العرب وجود العلم و التكنولوجيا الحديثة فاكتشفوا بذلك عجز لغتهم عن استيعاب ما وجدوه بعد هذا السبات..
ولكن.. لم باتت لغتنا ضعيفة رغم انتشار المدارس، بينما كانت أقوى في زمن الأمية و"الكتاتيب"؟
ان اللغة العربية اليوم ليست لغة علم وهذا ليس لقصور ذاتي تعاني منه بل لقصور الإمكانات العربية الاجتماعية والاقتصادية والفكرية. المشكلة وراء ذلك كانت يوم تخلى العرب عن العلم منذ قرون فخنقوا لغتهم وحنطوها، ومن صنع حضارة الأندلس تنقلب الأمور عليه هذا اليوم؟ فهل سيتمكن العرب المعاصرون من إعادة اللغة العربية إلى العلم..؟
وإذا كان قد قيل على لسان محمد إقبال إن التعليم الغربي هو الحامض الذي يذيب شخصية الكائن الحي، ثم يكون كما شاء، وأن هذا الحامض هو أشد قوة وتأثيرا من أي مادة كيماوية أقول بأن:" الكتاتيب القرآنية هي خط الدفاع الأول عن هذا الكائن الحي، والمحافظ الأول على فطرته". إنها الحقيقة التاريخية التي لا تُنكر، حقيقة دور الكتاب القرآني في الأمة الاسلامية بصفة عامة.
عرفت الكتاتيب بأنها شكل من أشكال التعليم البدائي الذي انتشر في الأقطار الإسلامية والعربية بشكلٍ عام، فكانت هي مراكز تعليم النشء أساسيات اللغة العربية والقراءة والكتابة والنحو والحساب، فضلا عن الدراسات الدينية مثل تحفيظ القرآن الكريم، والاجتماعية مثل تعريف النشء بالقيم الأخلاقية والآداب الاجتماعية المتبعة في بلده، فكانت مصنع العظماء من رجال الدين والأدب والشعر وكبار المفكرين والعلماء، لقد اهتم صلاح الدين الأيوبي، و أخذ على عاتقه الاهتمام بها على مدى عشرين عاما قبيل انتصاراته التاريخية الباهرة على الصليبيين وتحرير بيت المقدس؟
ما دفعني للكتابة انني استمعت مؤخرا وبمحض الصدفة لمقابلة مع خبيرة اللغويات الدكتورة سهير السكري ، وهي أميركية من أصل عربي، عملت لأكثر من 40 عاما كأستاذة للغويات في جامعة جورج تاون وكذلك مترجمة في الامم المتحدة وكان الموضوع الرئيسي للمقابلة لماذا أصبحت لغتنا ضعيفة رغم انتشار المدارس بانواعها، بينما كانت أقوى في زمن الأمية و"الكتاتيب"؟
كان اهتمام الدكتورة السكري هو الطفل، وسبب اهتمامها به أنها وجدت فرقا شاسعا بين طفلنا في العالم العربي والطفل في العالم "المتقدم"، فأطفالنا منذ ولادتهم وحتى وصولهم المدرسة يتكلمون فقط اللهجة العامية التي اكتسبوها من الأم في البيت، والتي لا تتجاوز حصيلتها 3 آلاف كلمة، ما يعني حدودا ضيقة لمساحة التفكير والإبداع والتصور التي لا تتحقق إلا باللغة، بينما الطفل الغربي يدخل المدرسة في سن الثالثة بحصيلة لغوية تصل إلى 16 ألف كلمة، هذه المعلومة الصادمة التي عرفتها د. سهير السكري أثارت القلق والفضول، واسترشدت على ما قالت بكتاب اسمه "الإسلام الثوري" او "الاسلام المقاتل" لكاتب اسمه "جيسن"
ولما تركته تلك المعلومة من وقع في نفسي بحثت عن هذا الكتاب فوجدته يحتوي على معلومات اكثر خطورة بكثير مما سبقت الاشارة اليه.
لعب احتلال الوطن العربى دورا كبيرا فى طمس الهوية التعليمية والثقافيه للعرب وأدى إلى تأخر العرب تأخرا شديدا فى جميع المجالات فى الوقت الذى كانت تتقدم به الدول الغربية تقدما هائلا وسريعا، ذكر الكاتب في كتابه هذا أن الإنجليز والفرنسيين قبل استيلائهم على الدولة العثمانية قاموا بإجراء دراسات وابحاث عن أسباب قوة الفرد المسلم وسر امتلاكه لتلك الصلابة الجبارة التي مكنته من غزو العالم من المحيط الأطلسي إلى الهند حتى وصل مشارف فيينا، فوجدوا أن السر يكمن في نظام تعليم الطفل المسلم آنذاك، حين كان يذهب من سن الثالثة حتى السادسة إلى ما كان يعرف بـ "الكُتّاب" ليحفظ القرآن ويختمه، ولك أن تتخيل حجم القدرة الإبداعية لدى من يحفظ القرآن الزاخر بأكثر من 50 ألف كلمة تمثل أهم وأفصح وأجمل التركيبات اللغوية والصيغ البلاغية، تثبت وتحفر في الذاكرة، فيتقنها رغم استخدامه للهجة العامية في البيت، مما يحصنه من الوقوع في مشكلة الضياع بين لغتين عامية وفصحى لا يجيد إحداهما، ثم يستكمل إتقانه لها وهو في السادسة إلى السابعة من عمره بتعلمه قواعد نحوها وصرفها بحفظ ألفية ابن مالك التي تضم ألف بيت شعر تشمل كل قواعد اللغة العربية الفصحى. ناهيك عن الزخم الإيماني والاجتماعي والمعنوي الهائل الذي يكتسبه من قراءته وحفظه للقرآن يلازمه طيلة حياته، فيظل يؤمن بأنه مؤيد ومدعوم بقوة روحانية هائلة وبأنه ليس وحيدا في حياته، بل هناك قوة الله تؤازره أينما حل وتحرسه دوما ومنها يستمد قوته وايمانه بفاعلية قراراته ودقتها، قليلون هم الذين يعرفون تلك القيمة اللغوية العظيمة في القرآن الكريم، فعملوا جاهدين الى الغاء الكتاتيب التي بإلغائها يلغون ما للقرآن الكريم من دور في تكوين هذه الحصيلة الهائلة والتي من المؤكد ستساعده على الابداع والتخيل والتفكير والتصوير، فأغلقت الكتاتيب بحجة الدعوة الى التطور والنهضة التعليمية بإنشاء المدارس الحديثة، التي تترك الطفل حتى سن السادسة دون تعلم حقيقي، انما يمضي وقته - على حد قولها - في اللعب، وقد تصل سني هذا الضياع حتى سن الـ"12" لا يستلهم من لغته الأم إلا اللهجات الفقيرة في ذخيرتها اللغوية، وحتى عندما يصل الى سن السادسة، ويذهب الى المدارس "المرحلة الابتدائية" فتتلقاه مناهج مسطحة ساذجة، لا تغني ولا تسمن من جوع، بينما في الغرب وفي ذات الوقت يقر التعليم الإلزامي من سن "الثالثة للطفل".
وقد أشار الكتاب أيضا بأن المستعمرين حين دعوا الى انشاء المدارس الاجنبية لابناء الاغنياء في الاقطار العربية الاسلامية، حتى في هذه المدارس، وفي تعلم اللغة الانكليزية صمموا لها مناهج أضعف وأقل قدرة من مناهجها في اقطارهم وذلك بهدف ان تكون اللغة الانكليزية لدى هؤلاء العرب المسلمين أضعف من لغة الأسياد.
بعد هذا التصميم حققوا أمرا وهو أنهم أضاعوا على النشء العربي المسلم أهم مرحلة من مراحله التعليمية بابعادهم عن حفظ القرآن الكريم والشعر العربي القديم فأضاعوا البناء الحقيقي لحصيلته اللغوية.
كان الانسان العربي أكثر قوة وصلابة وإقداما من نظيره الغربي، والفضل في ذلك كله يرجع إلى نوع التعليم الأولي المتمثل في "الكُتّاب"، وعلى ضوء نتائج تلك الدراسة خطط الإنجليز والفرنسيون لقتل الهوية العربية والعزيمة الإسلامية، في البلاد الخاضعة للحكم الإنجليزي تم حصر تعليم القرآن في الكتاتيب وربطه بفئة الفقراء والأسر المعدمة، والتوسع في إنشاء مدارس حكومية حديثة للطبقة المتوسطة يدخلها الأطفال بعد السادسة لضمان انتهاء الفترة الذهبية من حياة الطفل التي كان يمكن أن يكتسب خلالها حصيلة هائلة من لغته الأم، وإنشاء مدارس أجنبية لأولاد الأغنياء يكون تدريس اللغة العربية فيها ضعيفا جدا أو معدوما، مع ربط التعليم الأجنبي نفسيا واجتماعيا بالتقدم والتميز الطبقي وفرص الثراء.
فهل لنا بعد هذه الحقائق وغيرها الكثير أن نتعظ وقد اصبح من الملحوظ جدا مدى ركاكة اللغة العربية وكثرة الأخطاء الإملائية حتى عند بعض خريجي الجامعات من العرب. فإن كان في عودة الكتاتيب الحل للقضاء على هذه الظاهرة، فهي بالتأكيد أهم الوسائل المثلى التي نستطيع من خلالها حماية الأجيال القادمة من طمس لغتهم وهويتهم وثقافتهم.







اخر الافلام

.. دردش تاغ - ما رأيكم في الأفلام المستقلة؟


.. مهرجان الفيلم العربي بواشنطن يدخل عامه الثاني والعشرين


.. ا?سرة «الخلية»:النقيب عمرو صلاح شهيد «الواحات» دربنا علي موا




.. الفنانة أروى تتحدث عن غنائها باللون الشعبي


.. هذا الصباح- الأدب السوداني وتداعيات القاص