الحوار المتمدن - موبايل



قرارات إعفاء المسئولين والكوادر المنتمية لجماعة -العدل والإحسان- المعارضة للنظام المغربي من مناصبها الإدارية وحقيقة -الكيان الموازي- داخل الدولة الذي لمح له بن كيران وشباط

نبيل بكاني

2017 / 2 / 19
مواضيع وابحاث سياسية


أقدمت السلطات المغربية على توقيف مجموعة من الكوادر والمسئولين في قطاعات حكومية مختلفة من المنتمين لجماعة العدل والإحسان، أكبر جماعة إسلامية معارضة للنظام في المغرب؛ قالت الجماعة إنهم ينتمون لعدة مؤسسات حكومية ووزارات. إذا ثبت بالفعل أن وراء تلك الإعفاءات استهداف بخلفية سياسية، فان ذلك يحيلنا مباشرة، على سبيل التذكر فقط، إلى ما شهدته تركيا عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة من أكبر رد فعل انتقامي في حق معارضي أردوغان، مع الأخذ بعين الاعتبار الفارق والاختلاف الكبيرين بين الواقعتين من حيث الظروف والأوضاع السياسية في البلدين وحجم رقعة الإعفاءات في الحالتين. وإذا كانت الحكومة التركية التي أقدمت على تلك الإعفاءات الواسعة، نفذت ذلك بناء على أوامر من رئيس الجمهورية، فانه في المغرب يقف المتابع مشدوها أمام هذا القرار، فإذا أخذنا بعين الاعتبار ما ذكره بيان الجماعة بأن القرار شمل جل القطاعات الوزارية، فان السؤال المنطقي والموضوعي الذي يمكن للملاحظ أن يطرحه، هو من أعطى الأوامر بهذه الإعفاءات؟ إذا كان وزراء تصريف الأعمال غير مخول لهم في وضعيتهم الراهنة، توقيع قرارات بهذا الحجم خاصة أمام عدم وجود رئيس وزراء يسير فعليا الحكومة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أي شخص يفكر بشيء من التروي، سيرى انه من المستحيل أن تقدم الحكومة التي يقودها العدالة والتنمية الإسلامي باتخاذ قرار ضد أعضاء جماعة يجمعهما نفس المشترك وان اختلفت المواقف السياسية، أو حتى أن تفكر في الدخول في صراع مباشر من هذا النوع خاصة أمام تبعات أزمة الانسداد الحكومي الراهنة.
حتى في عهد الدستور الحالي، بقيت تهمة التعسف السياسي لصيقة بوزارة الداخلية، غير أننا هنا نتحدث عن قطاعات شملها قرار الإعفاءات، يفترض أنها غير تابعة لهذا الجهاز، وأن جزء كبيرا منها يتبع لوزارات معينة داخل الحكومة هي التي تشرف عليها إداريا بشكل مباشر والقرار الأول والأخير فيها، يبقى بيد الوزير المشرف عليها وفق ما يخوله له الدستور.
في فترات معينة، سميت وزارة الداخلية بأم الوزارات، نظرا للصلاحيات الواسعة التي كان يحوزها وزير الداخلية أنداك، والتي كانت تتيح له التدخل في عمل جميع الوزارات باستثناء وزارة الأوقاف. اليوم، لم يعد لهذه الوزارة كل تلك الحظوة في ظل مؤسسة رئاسة الحكومة التي لم يكن معمولا بها في السابق والتي جاء بها دستور 2011. لكن، هذا لا يعفينا من العودة إلى خطابات بن كيران مرشح العدالة والتنمية خلال الحملة الانتخابية البرلمانية الأخيرة، عندما كان يصرخ ضد من سماهم أجهزة التحكم التي تتدخل في عمل أجهزة الحكومة وتشوش عليه داخل الإدارات التابعة لإشراف الوزراء فيها.
نفس الموقف عبر عنه المقال الشهير الذي نسب لحميد شباط أمين عام حزب الاستقلال، واتهم فيه واضعه، جهات لم يحدد طبيعتها الإدارية بممارسة التحكم في أجهزة الدولة خارج أي مشروعية معترف بها، وهو ما دفع وزارة الداخلية إلى مهاجمته برد شديد اللهجة.
لسنا في حاجة لفتوى من بن كيران، ولا من زميله في العمل السياسي، شباط، حتى نُعمل الاجتهاد حول "نظرية" الدولة العميقة أو "الدولة في قلب الدولة" لكن، ولأن الجميع يعرف أن النسق السياسي للدولة المغربية مبني على تداخل الصلاحيات وغياب قدر كبير من الشفافية داخل الدوائر الرسمية، وأن تدخل الجهات ذات النفوذ العظيم داخل الدولة في جميع أجهزتها وفروعها هو من صميم الواقع الذي يتحدث عنه الكل، بيد أن ذلك لا يعفينا من طرح نفس التساؤلات الروتينية المتكررة، لكن بصيغ أُخر، ونقول كيف لقرارات بهذا الحجم، وبهذه الخطورة، وما قد تترتب عنها من تبعات، خاصة في الظرفية السياسية الحالية، وفي ظل دعوات نقابية للرد على قرارات الإعفاءات السالفة الذكر؛ كيف لهذه القرارات أن تصدر والحكومة في حالة أشبه بالشلل التام ومجلس النواب متوقف عن العمل وبالتالي عن دوره في المساءلة؟ ومن هي الجهة التي أصدرت هذه القرارات وفي أي مكان صدرت؟ من حق أي منا أن يتساءل أيضا، حول مدى قانونية هذه القرارات ومدى احترامها منطق دولة المؤسسات وما يفرضه من عدم تداخل في الاختصاصات، خاصة أن هذا الإجراء، شمل قطاعات عريضة مجملها يتبع لاختصاص مباشر للوزارات الوصية في الحكومة. نتساءل أيضا، عن الطريقة التي من خلالها تم تمرير هذه القرارات أو التعليمات إذا افترضنا أنها تمت بشكل شفوي من الجهة التي أصدرتها، إلى هذه القطاعات في تجاوز لسلطة الإشراف المخولة للوزارات الوصية، والمنتمية جميعها لحكومة تمثل نظريا، جهازا تنفيذيا، يتمتع بالسلطة التنفيذية وفقا للدستور.

إذا سلمنا بأن جهة معينة أعطت تعليماتها لاتخاذ هذه الإجراءات المجحفة – وهو بالتأكيد لن تكون الحكومة، لأن قرار مثل هذا يبقى أكبر بكثير من قدرة حكومة تصريفية مؤقتة أنهت ولايتها في انتظار خروج الحكومة الجديدة من عنق الزجاجة لتتسلم مهامها - فهل معنى ذلك، أنه بالفعل هنالك، خلف كواليس الحكومة الظاهرة التي يرأسها لحدود اليوم عبد الإله بن كيران، تستتر "حكومة كواليس" تتحكم في أجهزة الدولة من خلف ستار، أو دولة عميقة نافذة تعاكس حتى روح الدستور المختلف بشأنه؟ وفي سياق على صلة، نطرح سؤالا مشروعا آخر، وهو ما الغاية من كل تلك الإصلاحات الدستورية التي أقرها المغرب منذ 2011، بدء من مؤسسة رئاسة الحكومة باعتبار أنها ضامن لاستقلالية الوزارات، والأبواب التي أفردها هذا الدستور منعا لأي تطاول لطرف على طرف آخر أو انتهاك لصلاحيات يحفظها القانون أو خرق لمبدأ دولة المؤسسات القائمة على الشفافية واحترام القانون.

كنا نأمل من السيد رئيس الحكومة المؤقتة المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة، أن يعلق على الموضوع، من باب المسئولية السياسية والأخلاقية تجاه من زكوه بثقتهم، ويضع النقاط على الحروف ويعمل على تبديد هذه الضبابية، خاصة أن القرارات تسيء لحكومته ولجميع وعوده بفرض هيبة القانون ودولة المؤسسات كما تسيء للبلد ككل، مثلما يخلق مثل هذا الغموض المزيد من التوجس لدى عموم الناس من وجود كيان مواز للحكومة يمسك بكل الخيوط ويجعل من هذه الأخيرة مجرد حكومة واجهة مهددا بذلك كل محاولة في مسار بناء الديمقراطية المتعثرة أصلا.

نبيل بكاني
صحفي وكاتب من المغرب
Bakani1@hotmail.fr







اخر الافلام

.. الصين تحتضن مبارزات عسكرية بين مجموعة جيوش


.. اليمن.. تقدم في الساحل الغربي وتحرير مواقع في صعدة


.. قمة مصرية سودانية.. وسد النهضة أهم الملفات




.. لبنان.. نحو تشريع زراعة -الحشيشة-


.. الرئيس الصيني يبدأ زيارة للإمارات تستمر 3 أيام