الحوار المتمدن - موبايل



وتسير القافلة

عبد الله عنتار

2017 / 2 / 25
الادب والفن



نحن مجرد مسافرين، نحن لا نختلف عن أوراق الخريف المتساقطة تأخذها الرياح حيث تشاء كما تأخذنا الظروف حيث تريد، ماذا نحن إذن؟ نحن مجرد مسافرين أقولها دائما، في كل محطة نتوقف سرعان ما نواصل سيرنا نحو الأبدية، ماذا تكون هذه الأبدية؟ لا أعرف عنها شيئا، بل هي مجرد افتراض، إنها المجهول، لذلك أحب أن أسافر فوق هذه الباخرة التي تسمى بالأرض، كم تكون الرحلة مذهلة حينما نعرف شيئا مجهولا، وما أتعس الرحلة عندما تمر على أمكنة تراها كل يوم، إنها رحلة مملة وباعثة على الغثيان، عندما نستقر نتكلس ونموت، عندها حياتنا تشبه حياة المقابر، لا نعرف من أين أتينا ولا أين نمضي، الأساس هو أن نمضي ونضارع المجهول، ما أروع المجهول، في رحلاتي كلما مررت على قرى ومدن لا أعرفها انقبضت أحاسيسي من أجل معرفة شيء مجهول وجديد كل الجدة في حياتي، كم كان مجالي صغيرا في السنوات الأولى من وجودي في هذا العالم، كان الذهاب إلى الغابة المجاورة رحلة قصية والاطلالة على منحدرات الوادي كمن زار دولة أخرى، إن حياة طفل في سن الخامسة تتلخص في المنزل، كلما كبرنا وإلا يكبر المجال فينا، فبعد 10 سنوات من ذلك السن تحولت مدينة بنسليمان إلى حقيقة بعد أن كانت حلما، لم أكن أعرف أي شيء عن المدينة اللهم ما ينقله كبار السن عنها، فكان يسمونها "بضاية بوبو" أو " القشلة"، فكان يختلط لي الاسم الأول بأكلة " صيكوك" الشعبية، فالوالدة عندما تسرف في وضع اللبن فيها تسميها "ببوبو"، لكن هذا الاسم ما هو سوى تحريف شعبي لأحد أسماء بنسليمان وهو كامبولو (camp boulhaut) ويعني مخيم بولو القائد الفرنسي الذي قتله السليمانيون في سنة 1907، ونصب المخيم بالقرب من ضاية فسميت ببولو، فحرفت إلى بوبو، أما الاسم الثاني فكان يختلط لي " بالشكلاط"، ففي بداية التسعينات كان عندي خال يشتغل في الجندية وكلما زارنا من المدينة التي عرفت " بالقشلة " ( الثكنة) منذ أيام الفرنسيين، كان يحمل حلويات كثيرة بقيت عالقة في ذهني، فصرت أخلط بين "القشلة" و "الشكلاط" أو الحلوى، كما أن السوق على مرمى حجر من الثكنة وكم كنت أثوق إلى زيارته، كان حجا بالنسبة لي حيث الحلويات واللعب وغيرها من المغريات، أين أنا من ذلك الطفل ؟ لماذا سافر ورحل؟ هل يمكن أن يعود يوما ؟ إننا مجرد مسافرين، هكذا أقول دائما، القافلة تمضي بلا رجعة ويبقى الأثر والصور والذكريات لاجتراح الحنين والاهات، بعدما ينيف عن عشرين عاما التقيت بخالي، ذهبت النياشين وذهب الشباب ولكن بقيت تلك الحلويات عالقة في الذاكرة، لم تكن تعني شيئا في ذلك الوقت، بل صارت كل المعنى الآن، و لئن كنت في طفولتي أتوق للذهاب إلى بنسليمان، فإنها صارت الآن مألوفة وعادية وقس على ذلك أغادير التي ذهبت إليها أول عام 2007 والرباط عام 1994 وعدد كثير جدا من المدن المغربية ابتداءا من 2010، لكن هناك مدن لم أذهب إليها توجد في الصحراء المغربية، أتوق إلى السفر إليها وأسيح فيها بحثا عن ذاتي الهاربة، إنني مجرد ذرة غبار تائهة تنشد عوالم جديدة، لقد قال الانتروبولوجي الفرنسي شارل دو فوكو : " إن السفر دراسة " . إنني اسافر لكي أتعلم واقرأ وهو استمرار للسياحة بين الأوراق والكتب، فلنمضي مع القافلة، إنها تسير.
ع ع / الدار البيضاء، المغرب، / 24 فبراير 2017







اخر الافلام

.. زفاف الأمير هارلي على الممثلة الأمريكية ميغان ماركل في 19 ما


.. on screen - أهم ما جاء من أخبار وفعاليات على هامش مهرجان دبي


.. on screen - لقاء خاص مع صناع وأبطال فيلم -تونس الليل-




.. انا وانا - رأي محمد حفظي في أزمات الفنانة شيرين عبد الوهاب


.. نقابة الصحفيين تكرم الفنان علي الحجار