الحوار المتمدن - موبايل



كان اِسمها مريم

تيماء حسن ديوب

2017 / 2 / 25
الادب والفن


أن تولد الأنثى في الشرق معناه أن تتعلم السير في حقل ألغام! عبارة لم أعد أذكر حقاً قرأتها في مكان ما أو فكرت فيها يوماً أثناء حفلات شرودي المعتادة و اللامتناهية. ليس معنى كلامي هذا على الإطلاق أن حال الذكر أفضل، الشرق حزين ملبد بكبته، تناقضاته، عِلاّته، أطلال أفراحه و انتصاراته... يولد الذكر فيخصى أو يتبع دورة مكثفة في تكنولوجيا الأخصاء، اثنان أحلاهما مرّ.

وجه المرأة الستينية الجالسة قبالتي في مقهى المدينة الذي اعتدت الجلوس فيه لا لشيءٍ إلا لأن النادل يتحدث اللغة الفرنسية فأحتمي عنده من تقصيري في تعلم اللغة الألمانية، ذكرني وجه المرأة بقوس القزح، يبدو أنها صرفت جزءاً يسيراً من وقتها في تلّوينه علماً أن خبرتها في استخدام الريشة لم ينفع في مسح غيمة الحزن عن وجهها الخريفي.

انعكست صورة وجهي المتعب على زجاج المقهى النظيف، عبست و لُمتْ نفسي لإهمالي زينتي، ابتسمت في وجه صغيري، تذكرت كيف شاكستُ صديقاتي، كم وبختهن على اهمالهن أنفسهن بعد انجاب أطفالهن، كم نَظّرتُ في مسألة تنظيم الوقت، طالما قلتُ: المرأة الذكية لا تطغى أمومتها على أنوثتها! لملمتُ بقايا ذكرياتي بخجلٍ، أكتب مجدداً عن الذكرى بعد أن عدّت مجدداً أجلس وحيدة في مقاهي الغرب.

كان صيف عام 2000، الباصُ متجه من العاصمة دمشق إلى اللاذقية، صعدتْ لتجلس بجانبي سيدة، إذا نظرت إلى سِحْنَتها تقول: سيدة أربعينية وإذا نظرت إلى ملابسها تقول: صبية بنت عشرين. لم اعتد وأنا المناصرة للنساء حتى النخاع وليس العظم أن أحكم عليهن من مظهرهن الخارجي، حَيّتني بعفوية غير مصطنعة: اسمي مريم. دون أن اتفوه بكلمة تابعت: قرأت اسمك على البطاقة أمامك، اسم جميل يوحي بالقوة، يبدو أنك طالبة، ما هو اختصاصك؟ قلت بنشوة: نعم طالبة دبلوم دراسات عليا. تفاجأتُ بفضولها حول دراستي، قلت لها: علم نفس اعلامي. ابتسمت قائلة: جميل، ماهي المواد التي تدرسونها بالضبط؟ هل هي نظرية بحتة؟ ما رأيك بالدراسات النظرية؟ حدثيني من فضلك عن موضوع تعملين عليه حالياً. انهمر سيل الأسئلة عليّ من امرأة لا أعرف عنها إلا أن اسمها مريم، تلكأت بالأجوبة، انتابني احساسٌ غريبٌ و أنا أفكر في جدوى هذا الحديث، أنا التي لطالما كنتُ انتقائية في علاقاتي الاجتماعية! أجبتُ: ندرس ست مواد في الفصل، عدا اللغة الاجنبية والحاسوب لكل مادة قسم نظري وآخر عملي، أنا الآن في صدد كتابة حلقة بحث حول صورة المرأة في الدراما السورية. من جديد فاجأني حكمها المباشر و الحازم: لابد أنك أيضاً تعتقدين أن المرأة مخلوق ضعيف، ضلع قاصر، ساذج و يمكن ببساطة خداعه... قاطعتها بنبرة لا تخلو من التَّعَالِي: مطلقاً، على العكس تماماً، أنا أكتب عن المرأة لأنني مؤمنة أن من يجب أن يكتب عن مشاكل المرأة، همومها، خيباتها الشخصية، هزائمها عبر التاريخ...هو المرأة وليس الرجل، أضفتُ متفلسفةً: تقول نوال السعداوي: "على المرأة أن تعي قضيتها جيداً وتدافع بنفسها عنها" و تقول سيمون دو بوفوار: "المرأة لا تولد امرأة ولكنها تصبح كذلك" قطبت حاجبيها المرسومين بقلم مهندس وقالت بهدوء: لا يهمني بتاتاً من تكون سيمون إلا أنني أتمنى أن أعرف من هي نوال السعداوي. أجبتها و شعور الأستاذة يطغى على نبرة صوتي: الدكتورة نوال السعداوي، طبيبة و ناشطة حقوقية في مجال قضايا المرأة والمجتمع، إنها مؤلفة كتاب المرأة والجنس الذي أحدث عند صدوره ضجة كبيرة في العالم العربي.

اكتسحت صوتها نبرة جدية: يكبرني بخمس عشر سنة، تزوجته و أنا لا أعرف عن الزواج شيئاً "كنت بهيمة الله يعزك" سكنتُ معه في قريته، كنت أعملُ مثل الحمارة في المنزل، على أساس أنني زوجة مطيعة، أهملت نفسي، مظهري، ملابسي... كان همي نظافة و ترتيب المنزل، زوجي يمدح طبخي، كان يتباهى أمام أصدقائه أنني ست بيت من الطراز الرفيع، في السرير كنتُ جاهزة تحت الطلب، اتبع سياسة بسيطة: اغمضُ عيناي، أعدُ حتى إحدى عشرة وينتهي كل شيء، اتوضأ وأحمد ربي. تضحك بطريقة مخجلة وتقرصني: جارتي معلمة مدرسة تعد فقط حتى العشرة، تضيف وضحكتها ترن كبنات الهوى: شحارا يمكن من التعب بتعد على مهلا!
على الرغم من مرارة كلماتها، لم يشغل ذهني في تلك اللحظة سوى المستوى التعليمي لهذه المرأة؟ خرج سؤالي كما يخرج الثعبان من قفير هندي، أجابت كمن لدغها الثعبان: بكالوريا، انبسطي!؟
قبعتُ في محراب الصمت فتابعتْ: لم أدخل إلى الجامعة لأنني تزوجت، أنتن المتعلمات تفترضن دائماً أن الحياة تسير فعلاً بنظام الكتب التي تملؤون رفوفكم بها! الحياة تجربة، واقع، ألم محسوس، فعل وليست نظريات، الحياة ليست حبراً يجف على الورقة وينتهي الأمر، المرأة الشرقية عندما تتعلم تحمل شهادتها على ظهرها وتدور بها، تطبخ وتكنس وترضع أطفالها وتنام مع زوجها وشهادتها على ظهرها، قاطعتها بصوت خافت هذه المرة: هكذا ربّوها، علّموها أن شهادتها هي سلاحها، كيف تريدينها أن تتخلى عن سلاحها!؟

في المستقبل ستدور بي رحى الأيام راكضة، أسافر لأكمل دراساتي العليا، يقطن الغرفة قبالتي في السكن الجامعي في مدينة باريس شابٌ ايراني، كم تذكرتك يا مريم، يروي لنا جاري الايراني حكايته مع استاذته المشرفة على بحثه العلمي: "جلسنا معاً في كافتيريا الجامعة كما جرت العادة، في أوروبا استاذ الجامعة انسان عادي وليس إله يمشي على الأرض، جلست السيدة البروفسورة مع طالبها، دفعت ثمن طعامها ودفع هو الآخر ثمن طعامه، تبادلا الحديث حول أمور عديدة، حين أحس جاري الشرقي المنبت بود استاذته و سعة صدرها، طرح عليها السؤال الذي يفكر فيه جميع الطلاب الأجانب، حضرتك متزوجة؟ أجابته بلطف: نعم. ارتاح الطالب أكثر لإيجابية استاذته، زوجك أيضاً بروفسور؟ ردت الأستاذة بهدوء: زوجي موسيقي يعزف في المترو. اتسع قطر كرة حدقة عيني جاري ليبلغ أقصاه، ردد ببغائية: عازف مترو و حضرتك بروفسورة!؟ قابلت الأستاذة دهشة طالبها باتزان كبير: سألني جميع التلامذة الشرقيين هذا السؤال، على ما يبدو في بلادكم تتزوج المرأة مهنة الرجل، أنا أستاذة جامعية، زوجي عازف مترو، عندما نتخطى عتبة منزلنا يعود كلانا امرأة ورجل، نخلع عباءة مهننا عن أكتافنا ونرتدي عباءة الأزواج."

كم تذكرتك يا مريم، كم شردت يومها مع تفاصيل لقائنا، كيف غيرتي مجرى حديثنا يومها فجأةً عندما قلت لي: علي أن أعترف أن سعادتي منك توازي دهشتي بك، أحمر شفاهك يروق لي، خط الكحل المتقن الرسم وهذه الرموش الملونة، سرت قشعريرة في جسدي من اطراء مريم، امرأة الألوان الصارخة. سألتُ عن سبب دهشتها، جميع فتيات الشرق تتزين عندما يَلوح الزغب على أجسادهن! ردتْ بصرامة: لا تتزين النساء التي تدخل معارك الدفاع عن حقوقهن، تخلع فستان أنوثتها لترتدي جلباب رجالي فضفاض وكريه، ألا ترين السيدات في البرلمانات العربية!؟ قلت لها: بلى إنهن فقيرات، لا أعتقد أنهن خلعن ما خلعن ولبسن ما لبسن رغبةً و إنما خوفاً، ينهش المرأة العربية الخوف منذ لحظة نزولها من رحم أمها حتى لحظة اعادتها لرحم الأرض.

سأبوح لك بسرٍ يا مريم، كنت في المرحلة الثانوية عندما قرأت كتاب غادة السمان رحيل المرافئ القديمة، واحد من الكتب التي أحدثت ثورة في داخلي، قبلها كنتُ أرفضُ أن أطيل شعري، ألّون وجهي، أقلّم أظافري أو أرسم حواجبي! يقول بطل القصة للبطلة التي تفاجأت بأن "الرجل الثائر، اليساري و المثقف!" متزوج من ثلاث نساء و أنها ستكون الرابعة: زوجتي الأولى ابنة عمي، كانت حنونة لكنها "لم تنجب". أمام ضغط والدتي وليس والدي! تزوجت. زوجتي الثانية التي سرعان ما تحولت لفرّاخة أطفال. الثالثة رفيقتي في النضال، اعتقدتُ فعلاً أنها اِمرأة حياتي، صدقيني مع الأيام كنت أشعر أنني أتحدث مع رفيق سلاح وليس "اِمرأتي"، عندما التقيتكِ، عبق شذى الأنوثة للمرة الأولى في حياتي، عندما تتعلم المرأة العربية أن تكون أنتن الأربع سيتوقف الرجل العربي عن الزواج بأربع! مرةً أخرى صفعتني بجوابها: كلمات، كلمات، ترهات سخيفة مجدداً، ستتعبين أيتها الفتاة، أخرجي رأسك من رمال الحروف. الحياة أكثر قسوة مما تعتقدين، سيتوقف الرجل العربي عن الزواج بأربع عندما تتوقف المرأة أن تكون عدوة المرأة! كنتُ في أصبع زوجي خاتم سليمان، كنتُ كل النساء في اِمرأة، كانت مكافأتي رسالة في جيب بنطلونه المغسول والمكوي بعناية، أسطرٌ تفوح منها رائحة عطر نسائي رخيص، رائحة خائن ولصّة!
ماذا فعلتِ يا مريم؟ هل حطمت منزله أم تركتيه، كيف واجهتيه بخيانته، هل سمع صراخك الجيران؟ سرى وميضٌ جميلٌ في عينيها: ولماذا سأفعل كل هذا!؟ كل ما فعلته أني أشعلتُ سيجارة في المنفضة وتركتها تنطفئ لوحدها في صالون منزله، أخرجتُ علب زينتي، وضبّتُ ثياب تنظيف المنزل في أكياس القمامة السوداء، صبغّتُ شعري بالأشقر و خرجتُ للضوء. ضعيها قرط في أذنيك يا فأرة الكتب: الحرية لا تعطى، الحرية تنتزع!







التعليقات


1 - مريم
جمشيد ابراهيم ( 2017 / 2 / 25 - 11:24 )
مقال فريد صادق لانه يسجل لحظة عن معاناة المرأة بشكل مباشر من المرأة للمرأة و الرجل - العد الى العشرة يذكر بالجماع الجنسي السريع لبعض الحيوانات خاصة القردة او الجنس في بيوت الدعارة عندما تضطر المرأة ان تفصل روحها عن جسدها كليا
تحياتي الصادقة

اخر الافلام

.. ...-جريدي- أول فيلم باللغة النوبية يظهر جمال النيل وطبيع


.. بتحلى الحياة – مسلسل الحب الحقيقي – الممثل جوليان فرحات


.. بتحلى الحياة – الفنانة جاهدة وهبة




.. ريشة فنان روسي تروي زيارته لأرض سوريا


.. الفيلم اللبناني قضية رقم 23 يقترب من جائزة أوسكار