الحوار المتمدن - موبايل



الموروث الافندي عند الانتلجنسيا العراقية

سلمان رشيد محمد الهلالي

2017 / 3 / 12
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الموروث الافندي عند الانتلجنسيا العراقية ...
قال لينين ذات مرة (ان من السهولة ان تخرج الافكار من الراس ولكن من الصعوبة اخراجها من الواقع )
ان اي متتبع للشان الثقافي والسياسي العراقي يجد ان ظاهرة النزعة المثالية واقتراح الحلول الجاهزة والسحرية والمبسطة للواقع الاقتصادي والامني والتربوي المازوم من قبل المثقفين والمتعلمين العراقيين الذبن يطلق عليهم تسمية ( الانتلجنسيا )هى سمة ظاهرة بافراط على السطح , بل هى تشكل النظام المعرفي لتلك الانتلجنسيا وتكمن سلبية تلك المقترحات اليوتوبية ليست لانها متسامية على الواقع المعقد فحسب , بل لانها مقاربة جدا لما يطرحة الانسان البسيط اوالعامي غير المتعلم . وقد ارجع الدكتور علي الوردي استحكام النزعة الجدلية والمثالية عند العراقيين الى سبب تاريخي يكمن في قوله : ان العراقيون الحاليون هم احفاد او ورثة اهل البلد الاصليين في البلدان المفتوحة من قبل العرب والمسلمين كالاراميين اوالمسحيين السريان والانباط الذين اسلموا لاحقا تحت تسمية (الموالي)(ويقصد بها موالاة اي قبيلة عربية من اجل الحماية) وقد عانى هؤلاء من تبعات الغزو او الفتح الاسلامي الاعرابي كالتهميش والاقصاء والاحتقار والفقر والاتاوات والخراج والصدقات وغيرها , وبما انهم اصحاب حضارة وثقافة سريانية عريقة فانهم اصبحوا معارضيين للتوجهات الدينية والسياسية والطائفية والعنصرية للسلطات العربية الحاكمة على مدار التاريخ , ومن الطبيعي ان يكون خطاب المعارضة هو الخطاب المثالي او الثوري ( فالمثل العليا هى سلاح المتذمرين ) - كما قال الوردي - وقد شكل هذا الخطاب المثالي والثوري الاساس المعرفي للثقافة العراقية طيلة القرون اللاحقة , تبلور في ظهور العشرات من الفرق والمذاهب والتيارات الاسلامية والصوفية والعقلية والالحادية واللغوية , ورغم وجاهة ومصداقية راي الدكتور الوردي هذا , الا انني اعتقد ان هناك سببا اخر معاصرا لهيمنة النزعة المثالية عند الانتلجنسيا العراقية وهوما اسميته ( الموروث الافندي ) , فكلنا يعلم ان اول فئة تلقت التعليم الحديث في العراق هم فئة ( الافندية) التي تبلورت او تشكلت في نهاية العصر العثماني وبداية تاسيس الدولة العراقية عام 1921 وهى اول فئة اجتماعية في العراق ارتدت اللباس الافرنجي (البنطلون والقميص )( والطربوش كغطاء للراس في العهد العثماني ثم السدارة الفيصلية في بداية العهد الملكي) ويتكلم اغلبها التركية , كما انها اول فئة استحقت لقب ( الانتلجنسيا ) في البلاد على اعتبار ان المجتهدين والملائية ورجال الدين المثقفين السابقين لايطلق عليهم تسمية (الانتلجنسيا ) لانهم لايتبنون الانماط والانساق الثقافية العصرية والحديثة , ورغم ان فئة الافندية تميزت بالليبرالية والتنوير النسبي بالقياس الى الفئات الثقافية المؤدلجة الاخرى التي ظهرت في البلاد بعد الحرب العالمية الثانية , الا انها تميزت ايضا بسلبيات عده اهمها تاسيس النزعة المثالية والتجريدية في الثقافة العراقية الحديثة , بسبب اطلاعها على الافكار التحديثية الغربية وقرائتها للصحف والمجلات العربية والتركية , ومطالبتها للحكومة والمجتمع ان تاخذ بتلك الافكار والمتبنيات حرفيا , ومايطالبون به بعين الاعتبار - او التنفيذ السريع - دون الاهتمام بالواقع العراقي انذاك الذي تهيمن عليه البنى الاجتماعية المتاخرة وانتشار الامية , على اعتبار ان مجرد المناداة بتلك المطالبات هو امتياز لافت ومهم , لان الناس لم تكن تنادي او تعرف الاصلاح , او مايدور في العالم المتقدم و المتطور في اوربا وغيرها , لذا كانوا يترفعون على الناس والعامة بسبب تلك المطالبات والامتيازات , وقد انتقدهم الدكتور الوردي بسبب وجود هذه الخاصية عندهم بقوله (كان الافندية في العهد العثماني يستحقرون لغة الشعب ويتبجحون بلغتهم التركية الفخمة ذات الهدير والخرير, وعندما تشكلت الدولة العراقية اخيرا . واخذ مجد عدنان وقحطان ونزار يحل محل حكمت ومدحت وحشمت , تراجع الافندية واسقط مافي ايديهم , ذلك ان لغة سيبوية ونفطوية شرعت تاخذ مكان تلك اللغة الهدارة وتنال قصب السبق عنها ) .
بعد الحرب العالمية الثانية ورغم ظهور نمط جديد من الانتلجنسيا العراقية مختلف عن الافندية وهو المثقف الايديولوجي او المؤدلج , الا ان النزعة المثالية والتجريدية وخروج الافكار والحلول اليوتوبية من الراس قد استمر قائما في الثقافة العراقية , بسبب الحلول الجاهزة التي طرحتها تلك الايديولوجيات والبريق الذي يصاحبها عادة كنمط غريب عن المجتمع العراقي , فاذا كان النمط الاول قد خضع لتوجهات الافندية المثالية , فان النمط الثاني خضع لهيمنة الايديولوجيات الثورية ( القومية والماركسية والاسلامية) , فالايديولوجيا - كما اكد ماركس – (هى وجدان كاذب وحجاب عن الواقع ) , لانها في الاغلب لاتاخذ الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والديني بنظر الاعتبار في دراساتها للانماط الثقافية السائدة , لانها تعتمد الحلول المستعارة والوصفات الجاهزة والتطبيقات السهلة , على اعتبار ان الحلول التي تاخذ الواقع المعاش لاتتناقض مع الايديولوجيا المتعالية والمتسامية عن الواقع فحسب , بل لان تفسير الواقع واكتشافه وطرح الحلول العملية له هو اصعب بكثير من الحلول الجاهزة , فالعجز عن مواجهة الواقع او الحقائق يلد الايديولوجيا – كما يقول كارل مانهايم .
في عام 2003 حصل تحول مفصلي واساسي في الحياة العراقية اهمها سقوط النظام السياسي البعثي الذي كان يرتكز على اسس متعددة من الايديولوجية القومية والثورية ذات اللمسات اليسارية والاشتراكية , وهذا التحول المفصلي شكل صدمة عند الانتلجنسيا العراقية (التي كانت نائمة بدثار الاب الحاكم وايديولوجيته القومية) وتحولا مؤقتا في التعاطي مع الواقع الثقافي العراقي , فقد ظهرت دعوات جريئة وعلمية وتجديدية رائعة ومتميزة في ضرورة ترك المرحلة الايديولوجية نحو افق المعرفة - حسب نصيحة محمد اركون - والانتقال الى المتبنيات السياسية والديمقراطية الليبرالية , وتبني الحلول الواقعية والعلمانية المعتدلة للاشكالات المستعصية في البنى المتاخرة التي يرزح تحت ظلها المجتمع العراقي , واخذت الصحف والمجلات تطرح افكارا ومعالجات متميزة وحديثة اعتمدت ارقى واخر المناهج المعرفية العصرية لما بعد الحداثة وغيرها (وكان قصب السبق بذلك للمرحوم خضير ميري) , واعيد الاعتبار لرائد التنوير والاصلاح في العراق الدكتورعلي الوردي الذي اخذت كتبه بالرواج والانتشار , ووجهت نقودات لاحصر لها لجميع المرتكزات الثقافية التي استندت عليها الديكتاتوريات السابقة كالماضوية والاييولوجيا القومية والاشتراكية والاسلامية وفوبيا الغرب والنزعة المثالية والادبية والتفكير الشعري – حسب وصف الوردي – وغيرها , الا ان هذا لم يستمر طويلا , فالانساق تنتصر في الاخير – كما بينا ذلك في مقالة سابقة – اذ سرعان ماعادت الانساق الثقافية السائدة في المجتمع العراقي الى انتاج نفسها من جديد , وبعثت المطارحات التي تنادي بها سابقا كالتفسير الايديولوجي للاحداث واقتراح الحلول المثالية والنزعة الجدلية والتجريدية وانتقاد الليبرالية وعصاب الغرب والانغماس بالشان السياسي , وطرح الشعارات الحماسية والخطابات الثورية والحنين للقائد الرمز والاب الميت (النهاب الوهاب) والتماهي مع الشان الادبي المتخم في الاساس وو وغيرها من سلبيات الثقافة العراقية . ويرجع السبب الاساس لعودة تلك الانساق والمطارحات الى ان هذه الانساق هى الفاعل والاصل في الثقافة العراقية , فيما ان التحول الايجابي الذي حصل بعد عام 2003 هو طارىء على تلك الانساق, والدليل عدم استمراره سوى سنوات قليلة , وهناك بالطبع اسباب عديدة لانتصارتلك الانساق واعادة انتاج نفسها من جديد , ولكن يبقى اهمها الشان السياسي العام من جانب والطموح السياسي من جانب اخر, فكلنا يعلم ان تلك الانساق التي ذكرناها تتلائم مع الطبيعة العراقية التقليدية , لانها في الاصل نتاج ذهنيته وثقافته وحضارته , وهى بالتالي اكثر تلائما وتماهيا مع العراقيين البسطاء من العامة , والطموح السياسي هو من يجعل الانتلجنسيا العراقية ترتهن نفسها وسلوكها الى العامة , من اجل كسب ودهم ودغدغة مشاعرهم والدهاليز اللاواعية عندهم , لذا نجد انهم يحاولون باي يصورة التماهي مع افكارهم وطروحاتهم من اجل الكسب السياسي والانتخابي , فالعراقي يمتلك في اعماقه جوعا هائلا من الكبت والحرمان , يعتقد ان المنصب السياسي هو وحده من بستطيع ان يملئه , فالسلطة بعد عام 2003 اصبحت متاحة للجميع , ويمكن لاي قروي او صعلوك او متعلم الوصول الى اعلى المناصب في الدولة - وخاصة التشريعية منها - , وقد اكد هذه الظاهرة حسن العلوي بقولة ( ان العربي عينه على الجنة الخضراء - يقصد الارهابيين الانتحاريين - والعراقي عينه على المنطقة الخضراء ) ومايصاحبها من امتيازات وحمايات وجكسارات وراتب تقاعدي مضمون ,. كما ان حالة الاضطراب والفشل السياسي او الافشال للتجربة السياسية والديمقراطية في العراق وماصاحبها من اقتتال وفساد وصراعات بين الاحزاب , اعطى المبرر الكافي عند هذه الانتلجنسيا الرثة للنيل من التوجهات الثقافية والليبرالية العصرية التي ذكرناها سابقا , واعطى المجال لعودة تلك الانساق المكبوتة وانتصارها من جديد .
ان عدد المتعلمين في العراق اليوم قد وصل الان الى اكثر من 20 مليون فرد , يتوزعون على جميع المسارات التعليمية والادارية والثقافية والاكاديمية والتربوية وغيرها , الا ان الركائز المعرفية الاساسية للافندية مازالت تشكل النظام المعرفي والثقافي لهم , فالمثقف والمتعلم العراقي مازال يخرج الحلول السحرية من الراس , ويلعن المجتمع والدولة والحكومة لانها لاتاخذ باقتراحاته العظيمة وافكاره النادرة بعين الاعتبار, وفاته ان تلك الاقتراحات يمكن ان يطرحها حتى الانسان البسيط بعد توفر قنوات الاتصال الحديث والانفتاح العصري وغيرها (والفيس بوك خير شاهد ومثال) , الا انه لايعترف بذلك قط , ليس بسبب الجرح النرجسي الذي سوف يصيبه في حالة معرفته ان اراءه تتشابه او تتطابق مع اراء العامة والسوقة فحسب , بل لانه لايمتلك غير تلك البضاعة (الكاسدة معرفيا والرائجة ايديولوجيا) , فيما تكون اصعب الصعوبات هو اقتراح الحلول العملية والموضوعية التي تاخذ الواقع التاريخي والذاتي المعقد بعين الاعتبار( لان الواقع لايعطي نفسه بسهولة ) كما يقول المفكر الكبير الراحل محمد اركون .







اخر الافلام

.. 17/8/2017 | صور حصرية تكشف عن وجوه أفراد داعش بالرقة.. وعناو


.. 17/8/2017 | الإفطار الجيد يمنع زيادة #الوزن.. وعناوين أخرى ف


.. ماذا يمكن ان يحصل بعد احتواء الازمة الكورية الأمريكية؟




.. لبنان يلغي قانونا يعفي المغتصب من العقاب


.. الدورة الثانية من فعاليات -حكايا مسك- في الرياض