الحوار المتمدن - موبايل



علم النفس الاجتماعي وسيكولوجية الجماهير - ج 2

وليد يوسف عطو

2017 / 3 / 15
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


استكمالا للجزء الاول من مقالنا والمنشور على الرابط التالي :
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=551204

يقول الباحث والمترجم هاشم صالح ان حياة غوستاف لوبون الطويلة اتاحت له ان يشهد انتصار العلم في اواخر القرن التاسع عشر وبزوغ نجم الحركات الاشتراكية وصعودها , رافقها ظهور القوى الشعبية والتي اقلقته كثيرا .

لقد خرجت فرنسا مهزومة في حربها مع المانيا ( 1870 ), لتعيش تمردا شعبيا تمثل بكومونة باريس .كانت الدولة الفرنسية تشعر بوجود خطرين ,الاول خطر خارجي يتمثل بالمانيا ,الثاني داخلي يتمثل بالثورة الفرنسية التي لاتعرف كيف تنتهي منذ اكثر من قرن من الزمن .

يقول فرانسوا فوريه وهو احد كبار مؤرخي الثورة الفرنسية ان تاريخ القرن التاسع عشر كان تاريخ صراع بين الثورة والارتداد عليها .في هذا الوقت بالذات جاء العالم غوستاف لوبون .على الرغم من ان الجامعة قد رفضت دخوله الى صفوفها . وكذلك اكاديمية العلوم , الا ان همته لم تضعف, وانما اخذ يفهم العلوم الحديثة من خارج الدائرة الرسمية .

وراح يؤثر على الساحة الثقافية والاكاديمية ويصدر الكتاب تلو الاخر في مختلف المجالات النظرية . وخلال عشرة سنوات قام بتاليف اكثر من عشرة كتب ضمنها افكاره ,وبصورة تدريجية توصل الى نظريته حول سيكولوجية الجماهير , او الشعوب والاعراق البشرية .

وقد استلهم خطوطها من خلال المؤرخ الاجتماعي هيبوليت تين .ومن اكبر منظري العنصرية غوبينو . لم يكن لوبون منظرا عنصريا , لكنه حاول دراسة ظاهرة الكتلة البشرية من ناحية نفسية من خلال الثورة الفرنسية واحداث الحرب العالمية الاولى . لقد اصطدم لوبون بظاهرة الجماهير وهاله امرها,خصوصا الحركات الشعبية , او الشعبوية ,والارهاب .
اكد الباحثون الايطاليون ان هجوم الجماهير على مسرح الاحداث يمثل عودة ارتدادية عن مرحلة الحضارة والتنوير الى مرحلة البربرية والهمجية .

لقد كان ذكاء لوبون يكمن في تركيزه على هذا الموضوع وتناوله من وجهة نظر اخرى غير سائدة .وبنى عليه نظرية متكاملة ومتماسكة .بدا لوبون بتشخيص اوضاع الديمقراطية البرلمانية المنبثقة عن الثورة الفرنسية , حيث حلت محل النظام الملكي .لم يقل ان الحل يكمن في الماضي,ولا في الاشتراكية , وانما في اصلاح النظام البرلماني بشكل يتناسب مع الاوضاع المستجدة . وراى ان العلة الاساسية للنظام الفرنسي تكمن في ضعف الارادة .

لقد كان شعور غوستاف لوبون نحو الجماهير هو احتقارها .لكنها اصبحت امرا واقعا ينبغي دراستها .لذا يقوم لوبون بوصف الكتل البشرية الكبيرة بان لها ( روحا )حيث تحدث عن ( روح الجماهير ). هذه الروح مكونة من الانفعالات البدائية , ويتم تكريسها عن طريق العقائد الايمانية القوية . ولاحقا عن طريق الايديولوجيات الشمولية مثل النازية والفاشية .

وهي ابعد ماتكون عن التفكير العقلاني والمنطقي . ان ( روح الفرد )تخضع لتوجيهات وايحاءات الطبيب او المنوم المغناطيسي وللقادة الذين يفرضون ارادتهم عليها عن طريق العاطفة النفسية والقوة ,وليس عن طريق العلم والمنطق والعقلانية .

ان القائد والزعيم يستخدم الشعارات والصور الموحية الايجابية بدلا من الافكار المنطقية والواقعية, وبذلك يمتلك ارادة الجماهير ويخضعها لسياساته .ان غوستاف لوبون يريد ان يقول لنا بان كل كوارث الماضي القريب التي منيت بها فرنسا وكل هزائمها والصعوبات التي تواجهها تعود الى هجوم الجماهير على مسرح الاحداث .

وهو نفس هجوم الجماهير في زمن الفوضى والاحداث العنيفة في العراق مثل فرهود اليهود عام 1941 وحركة 14 تموز 1958 وحركة 8 شباط 1936وسقوط نظام البعث وصدام من خلال الاحتلال الامريكي عام 2003 .لقد كان ضعف النظام البرلماني الديمقراطي في فرنسا نتيجة للجهل بقوانين علم النفس وطرق توجيه الجماهير وتسييرها .

بعد ان عرض غوستاف لوبون افكاره على شكل مبسط وحولها الى نظرية علمية متماسكة,فانه اصبح مشهورا ونال المكانة الارفع عن طريق دخوله الى الجامعة او اكاديمية العلوم.يقول سيرج موسكوفتشي , احد كبار علماء النفس الاجتماعي بان لوبون اصبح بين عشية وضحاها المنظر الفكري لمرحلةكاملة باسرها .

وقد حافظ على هذه المكانة حتى نهاية حياته . وقد بلغ رواج نظريته اوجها في العشرينات من القرن العشرين . ويكمل العالم موسكوفتشي :
(الجميع متفقون على ان كتاب – سيكولوجية الجماهير – ومجمل اعمال غوستاف لوبون تشكل نجاحا منقطع النظير في المكتبات , وانها احدى اكبر النجاحات العلمية في كل العصور . وهذا الكتاب هو المانيفست الذي دشن مايدعى اليوم بعلم النفس الاجتماعي او الجماعي ).

,حتى فلاسفة مدرسة فرانكفورت اشادوا بغوستاف لوبون , رغم اختلافهم معه .فقد كتب ادورنو وهور كهايمر يقول (بعد تجارب العقود الماضية (اي الحرب العالمية الثانية ) ينبغي ان نعترف بان اطروحات غوستاف لوبون قد تحققت الى درجة مدهشة ,على الاقل بطريقة سطحية ,حتى ضمن الحضارة التكنولوجية الحديثة , التي كنا نتوقع ان نجد فيها جماهير اكثر استنارة ).

ومن المعروف ان الصدمة التي اصابت فلاسفة مدرسة فرانكفورت هو كيف ان الجماهير قد ثارت باسم الفاشية والنازية في اكثر الدول الاوربية تحضرا , اي المانيا .وكان سؤالهم الاساسي :
لماذا لم يستطع عصر التنوير ان يمنع ذلك ؟ بمعنى كيف ان البربرية تعود للانبثاق من جديد حتى بعدالتنوير والحداثة وانتصار العلم والتكنولوجيا .

لقد حققت تنظيرات لوبون نجاحا منقطع النظير بعد وصول هتلر الى سدة الحكم وتعبئة الجماهير بشكل لم يسبق له مثيل .لقد صدمت اطروحات لوبون الاشتراكيين لانها مضادة لاطروحاتهم , حيث اكد لوبون على تركيزه على العوامل اللاعقلانية في تسيير الجماهير , وقوله بالسمة المحافظة جدا للجماهير .

فعلى الرغم من غرائزها الثورية الظاهرية يرى لوبون ان الجماهير تظل محافظة جدا , لانها تعيد دائما ماكانت قد دمرته .كان رد الفعل الاقوى على اطروحات لوبون قد جاء من قبل المفكر الاشتراكي جورج سوريل ,صاحب كتاب (تاملات حول العنف ).لقد ركز سوريل على انعدام الاطر السوسيولوجية المحسوسة لتحليلات لوبون .ولكن كل هذه الانتقادات لم تمنعه من الاقتراب من مواقع لوبون بمرور السنوات .

والدليل على ذلك اكتشافه لضرورة وجود اسطورة جبارة ,وبالتالي لاعقلانية من اجل تحريك الطبقة العمالية .وجعلها ثورية .فلولا الحلم والوهم لما ثارت الجماهير الثائرة لا في الماضي ولا في الحاضر .لقد تم تجاهل غوستاف لوبون لانه ضد الثورة والاشتراكية . لان الاحزاب جميعها كانت تستخدم افكاره للدعاية عن افكارها واعلاناتها ولكنها لاتريد ان تعترف بذلك .

ان جميع الوسائل المستخدمة من قبل القادة والاحزاب ترتكز على استراتيجية واحدة وهي :الايمان بلا عقلانية الجماهير ضمنيا ثم التظاهر في نفس الوقت بانها عقلانية ومنطقية !
لهذا السبب يقال بان كل زعيم سياسي يظهر على شاشة التلفاز يضع مسبقا قناعا على وجهه لكي يقول مايريد ايصاله الى الجماهير .

يتبع ..







اخر الافلام

.. أبرز محطات إدارة ترمب في الأيام المئة الأولى


.. هل يطبق النظام الفدرالي في اليمن؟


.. نافذة من فرنسا - الطريق إلى الإليزيه 23-4-2017 (التاسعة)




.. مرآة الصحافة الأولى 24/4/2017


.. موسكو: تفجير لوغانسك يهدف لعرقلة التسوية