الحوار المتمدن - موبايل



الدعاية النفسية في ظل العولمة

وليد يوسف عطو

2017 / 3 / 25
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع



العولمة هي نظام الانتاج والتسويق والنقل عن طريق الكومبيوتر .تتميز الدعاية والاعلان في زمن العولمة بتاثيرات هائلة جدا ,عن طريق الصورة والشعارات والاعلان والترويج لها على شاشات الحواسيب والهواتف الذكية والفضائيات وعلى شبكات التواصل الاجتماعي .

يمكن استثارة مخيلة الجماهير عن طريق الشعارات والرموز المختصرة .اما اذا ارتبطت بالصورة فانها تمتلك قوة سحرية للايحاء والتاثير على الجماهير .يقول عالم النفس الاجتماعي غوستاف لوبون في كتابه ( سيكولوجية الجماهير):
(ان قوة الكلمات مرتبطة بالصور التي تثيرها ,وهي مستقلة تماما عن معانيها الحقيقية .والكلمات التي يصعب تحديد معانيها بشكل دقيق هي التي تمتلك احيانا اكبر قدرة على التاثير والفعل ).

لقد امتلكت داعش نظام دعاية واعلان متطور جدا .ولم تستطع الحكومة العراقية مجاراتها في خلق اعلام ودعاية مضادين لها .من وسائل الترويج لتنظيم داعش الارهابي هو تسميتها بتنظيم الدولة الاسلامية ,في حين يستفزها تسميتها باسم داعش .كما ان بث اليوتيوبات التي تبثها داعش ومناظر الدماء والذبح هو ترويج لها .

ان سنتين من احتلال داعش لمحافظة نينوى جعل الاطفال يجيبون على اسئلة منظمات المجتمع المدني بعد التحرير عن اسم (الدولة الاسلامية ), فكان جواب الاطفال بانها( باقية ).وهذا يستلزم من الحكومة العراقية ممارسة برامج لمكافحة ارهاب داعش وفق اساليب وتقنيات متطورة جدا تفتقدها حاليا الحكومة العراقية .ويجري تنفيذ هذه البرامج عن طريق علماء نفس وعلماء اجتماع متخصصين .

ان مخيلة الجماهير تشبه حالة الشخص النائم والذي يتعطل عقله مؤقتا لصالح العقل اللاواعي . حيث تنبثق الصور المكثفة والسحرية الطابع.وفق هذه الالية النفسية فان الجماهير المنومة مغناطيسيا لاتعرف المستحيل .وعلى قاعدة المخيال الشعبي تاسست قدرة الفاتحين , عن طريق التاثير النفسي ,ثم تحريك الجماهير والتاثير عليها.

ان الجماهير تخضع للزعيم او القائد او النبي بعاطفتها . وهي تعتبر المخالفين لها اعداء.نعود الى قوة تاثير الكلمات المرتبطة بالصور.فكلمات مثل ديمقراطية, حرية ,اشتراكية, مساواة , ارهاب , عمالة ,تحمل الكثير من الغموض في معانيها .يقول لوبون لان الصور المثارة من قبل الكلمات مستقلة عن معانيها .وهي تختلف من عصر الى عصر اخر , ومن شعب الى شعب اخر .

يقول لوبون ( الكلمة ليست الا الزر الذي نكبسه لكي تخرج الصور فورا ).ان الكلمات تتغير معانيها عبر القرون بشكل بطيء جدا , ولكن الصور التي تثيرها او توحي بها تتغير باستمرار دون توقف ,وكذلك المعنى الذي نربطه بها .ولهذا توصل لوبون الى نتيجة مفادها ان الترجمة الدقيقة للغة ما ,خصوصاعند الشعوب المتخلفة , والتي يسميها لوبون بالميتة هي شيء مستحيل كليا .

اننا عندما نبحث في كتاب مكتوب منذ عدة قرون فاننا نحل الكلمات والصور والافكار التي اثارتها حياتنا الحديثة في عقلنا محل المفاهيم والصور في نصوصها القديمة .والتي كانت خاضعة لشروط وجود لاعلاقة لها بشروط وجودنا .ان انصارالثورة الفرنسية والجمهورية الفرنسية توهموا انهم يقلدون الاغريق والرومان . وهم لم يفعلوا سوى ان اعطوا للكلمات القديمة معنى جديدا لم تعرفه ابدا .

فالجمهورية في زمن الاغريق كانت, بحسب لوبون ,مؤسسة ارستقراطية مشكلة من اتحاد مستبدين صغار يهيمنون على جمهور من العبيد الخاضعين للاستعباد المطلق .وهذه الارستقراطيات القروية القائمة على نظام العبودية ماكان بامكانها ان توجد لحظة واحدة لولا هذه العبودية . فاي علاقة تربط جمهورية الاغريق بالجمهوريات الحديثة ؟

كذلك كلمة حرية . لم تكن تعني في زمن الاغريق والرومان حرية التفكير .وكلمة وطن كانت تعني في زمن الاغريق عبادة اثينا او سبارطة , وليس عبادة اليونان , والتي كانت مشكلة من مدن متنافسة , وفي حالة حروب دائمية.كذلك لايمكننا استخدام هذه الكلمات واسقاطها على مجتمع مكة ويثرب في القرن السابع الميلادي . وهي مجتمعات قبلية لاتعرف نظام المؤسسات .من هنا نصل الى نتيجة , وهي ان الكلمات ليس لها الا معاني متحركة ومتغيرة , من عصر الى عصر ,ومن شعب الى شعب اخر.

وعندما نريد ان نؤثر على الجمهور بواسطتها ,فانه ينبغي علينا ان نعرف ماهو معاني هذه الكلمات بالنسبة لهذا الشعب في لحظة تاريخية محددة , وليس في معناها الماضوي .وعندما تشعر الجماهير بنفور عميق من الصور التي تثيرها بعض الكلمات على اثر الانقلابات السياسية والتمغيرات التي اصابت العقائد. فان الواجب الاول لرجل الدولة هو تغيير هذه الكلمات دون ان يمس الاشياء ذاتها بالطبع .

ان ادخالنا لعامل الزمن بصفته العامل الاساسي المؤدي الى تغيير معاني الكلمات ,واذا ما ادخلنا ايضا عامل تغير الامة او الاثنية ,فاننا نجد ان الكلمات المتماثلة تدل غالبا على افكار مختلفة لدى الاثنيات والامم المختلفة .ان الاوهام قادرة على صناعة وازاحة فكر الجماهير .فباسم هذه الاوهام اقيمت معابد السومريين والاشوريين والبابليين في بلاد مابين النهرين ( العراق القديم ).وفي مصر وهي نفس اوهام الحرية والديمقراطية والاشتراكية لدى الانظمة الشمولية .

وقد شهدت الحركات الاشتراكية ازديادا في قوتها في القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين , بسب الوهم المستحكم فيها.وشهد اواخر القرن العشرين انهيارهذه الاوهام حول الاشتراكية والشيوعية.ووهم زوال الطبقات ووهم دكتاتورية البروليتاريا .
يقول غوستاف لوبون ان القادة ليسوا في الغالب من رجال الفكر , وانما رجال ممارسة . ونحن نعثر عليهم في صفوف المصابين بالعصاب , وفي صفوف المهتاجين وانصاف المعتوهين الذين يقفون على حافة الجنون .

وايا كانت عبثية الفكرة التي يدافعون عنها , فان كل محاجة عقلانية تذوب وتتلاشى امام قناعاتهم الايمانية والعاطفية .اي ان الايديولوجيا والاوهام تتغلب على العقلانية . والاحتقار الذي يلقونه من قبل الاخرين لا يزيدهم الا اصرارا على افكارهم وزيادة تهييجهم اكثر فاكثر .فهم مستعدون للتضحية بمصالحهم الشخصية وبعائلاتهم وبكل شيء , اذا لزم الامر ,حتى غريزة حب البقاء تمحى لديهم , الى درجة ان المكافاة التي يطلبونها غالبا هي الاستشهاد.

ان القادة يحلون محل مؤسسات الدولة كلما ضعفت الدولة ومؤسساتها .وتسيطر المافيات والعصابات والمليشيات في الدول التي تشهد تفكك وانحلال الدولة.ان الذي يهيمن على روح الجماهير ليس الحاجة الى الحرية كما يقول لوبون , بل الحاجة الى العبودية . ذلك ان غريزة الجماهير تجعلها تخضع لمن يعلن بانه زعيمها.

ان القادة العظام في التاريخ ومنهم مؤسسوا الاديان اصحاب ارادات قوية . مثل نابليون ومحمد وبولس .ان القادة يمارسون التاثير على الجماهير من خلال تكرار العبارات والشعارات , وعن طريق التركيز عليها وعن طريق التداول والعدوى والانتشار.فالاعلان لايكتسب تاثيرا فعالا الا عن طريق التكرار , وبنفس الكلمات والصياغات . ان ظاهرة التقليد عند الانسان تشبه ظاهرة التقليد عند الحيوانات .من هنا ظهر تاثير الموضة والازياء وحركات نجوم الرياضة .

ان التقليد يؤدي الى جعل كل البشر التابعين لنفس البلد ولنفس الفترة متشابهين الى درجة الاستنساخ .هذه الظاهرة يسميها لوبون بالعدوى . وهي ظاهرة منتشرة كالوباء في مجتمعاتناالعربية.ان تكرار الايات في القران وتوحيد مراسيم الحج والعمرة وملابس الاحرام والصلوات والطقوس هدفها خلق امة اسلامية ذات نفسية اجتماعية موحدة , والهدف النهائي اخضاع الامة الى نسق نفسي وديني موحد .

كتب الكاتب والاديب زهير الجزائري مقالا بعنوان ( الاعلام والثقافة الفاشية )في صحيفة المدى البغدادية بتاريخ 18 اذار 2017 ( ادركت النازية حتى قبل وصولها الى السلطة اهمية الصورة في الدعاية السياسية ). ويضيف انها اعتمدت الاعلان التجاري الذي يقوم على الصدمة والاختصار والتكرار .وان هتلر وبمساعدة غوبلز كان اول قائد سياسي في القرن العشرين راى بوضوح عناصر التشابه بين الاعلان التجاري والاعلان السياسي .بعد سقوط النظام النازي سجلت معدلات الانتحار بين الباب نسبا عالية والذين صدمتهم الهزيمة ورفضوا تصديقها .







اخر الافلام

.. أخبار عالمية - مسؤول نيجيري: #بوكو_حرام تتلقى تعليماتها من #


.. أخبار عربية - تقرير أمريكي: #داعش يعتمد على الإنتحاريات بعد


.. قتلى في قصف استهدف السجون المركزية في مدينة سبها




.. وزير الخارجية الفرنسي يتهم دمشق باستخدام غاز السارين في خان


.. ما حقيقة مقاطعة زيارة الشاهد إلى تطاوين