الحوار المتمدن - موبايل



أردوغان ظاهرة صوتية بدون مواقف ثابتة والمصالحة الوطنية مطلب ملح لوقف الخلافات مع الأوروبيين والمعارضة

نبيل بكاني

2017 / 3 / 28
مواضيع وابحاث سياسية



لا شك أن تصاعد الخلافات والتوتر في الآونة الأخيرة بين أنقرة وعواصم في الاتحاد الأوروبي لن يخدم مصالح الطرفين ويمكن أن تكون له تداعيات سلبية وضررا على العلاقات بين الجانبين إذا لم يتم تصحيح الوضع. والمؤكد أن أي عاقل متتبع للتطورات المتسارعة لن يقبل بأن تنجر دولة محورية في المنطقة خاصة في ارتباطها بالملف السوري وموضوع اللاجئين كتركيا، إلى صراع مجهول الأفق.
أردوغان الذي اعتاد مخاطبة الملايين من الأتراك والمسلمين والعرب ممن يناصرونه، بلغة تستهدف المشاعر والأحاسيس عند كل مناسبة، دعا أوروبا الى احترام الديمقراطية وحقوق الانسان والحريات، ولم يكتف عند هذا الحد، بل اتهم المستشارة الألمانية انجيلا ميركل باتباع أساليب نازية ضد مسئولين في حكومته، غداة رفض دخول وزير الخارجية التراب الهولندي في إطار الحملة التي أطلقتها الرئاسة التركية لحث الأتراك المقيمين على أراضيها للتصويت لصالح التعديلات الجديدة على الدستور.
برلين وأمستردام اللتان بررتا المنع بأنه جاء لدواع أمنية، احتكمتا في تعاملها مع تصريحات أردوغان إلى قدر واضح من التأني، إن لم نقل احتكمتا الى العقل ومنطقه، وقد جاءت ردودهما مخففة إلى حد كبير، مكتفيتان في عدة مرات بدعوة الرئيس التركي إلى التخفيف من لهجته.
أردوغان لم يكتفي بمهاجمة الدولتين كلاميا، وإنما أعلن مباشرة بعد ذلك عن عقوبات على هولندا فقامت سلطات بلاده في اليوم الأول بمنع أول شحنة بقر قادمة من هولندا ردا على منع وزرائه. وفيما كان يُنتظر أن تهدأ موجة الخلاف، فاجأ أردوغان الجميع بموقف تصعيدي مهددا بفتح الأبواب لنحو ثلاثة ملايين لاجيء على الأراضي التركية نحو بلدان الاتحاد الأوروبي، قائلا أن بمقدور تركيا أن تقول "وداعا" لللاجئين المقيمين على أراضيها مضيفا قلنا للأوروبيين، آسفون سنفتح الأبواب ونقول وداعا للمهاجرين.
تفاعلا مع منع هبوط طائرة زميلها، أعلنت وزيرة الأسرة والسياسة الاجتماعية في تحد لقواعد الدبلوماسية أنها ستدخل هولندا، لكن الذي حدث أن الشرطة الهولندية منعت سيارتها من الوصول إلى القنصلية التركية في روتردام قصد مخاطبة مناصري حزب العدالة والتنمية من أفراد الجالية التركية المقيمة؛ في تصريح إعلامي قال عمدة روتردام، أحمد أبو طالب، ذو الأصول المغربية، انه نظرا لمخاوف أمنية لن يُسمح لتشاويش أوغلو (وزير خارجية تركيا) بالحديث الى الأتراك في هولندا للحصول على تأييدهم في الاستفتاء الدستوري. المنع لم يمر دون نزول المئات من المتعاطفين الى الشوارع اذ واجهتهم السلطات الهولندية بتدخل لا يتناسب مع ديمقراطية البلد، مستعينة بالكلاب وخراطيم المياه في مشهد يحاكي تدخل الأمن التركي قبل حوالي ثلاث سنوات لتفريق تظاهرة ساحة تقسيم السلمية؛ هذا التدخل الهولندي انتقده أردوغان معتبرا أنه يخالف مباديء الديمقراطية ومعه الحق في ذلك.

أردوغان لديه دافع قوي لإنجاح الاستفتاء على الدستور وكسب تأييد نحو ثلاثة ملايين تركي يشكلون جالية قوية عريقة ومنظمة، ما يقارب نصفهم يحق لهم الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات التركية وتعد أكبر قوة انتخابية بعد دوائر اسطنبول وأنقرة وازمير، ويتجاوز عدد الناخبين الأتراك في ألمانيا لوحدها المليون. أردوغان يتطلع الى تقوية أركان حكمه وتمديد فترة رئاسة الى 2029 وتوسيع صلاحياته، بيد أن هذه الأحلام، قد تصطدم بواقع الرفض الشعبي خلال الاستفتاء اذا ما تم التصويت ب"لا" على الإصلاحات الدستورية، خاصة أن نسبة مهمة من المغتربين تشكل المعارضة التي اضطرت الى الفرار خارج تركيا تناوئ ضد التصويت بـ"نعم".
أردوغان الذي تلاقي خطبه الحماسية الكثير من التأييد والإعجاب من شريحة واسعة من الأتراك وفي بلدان المنطقة، أضحى ظاهرة صوتية تنهل مفرداتها من القاموس التحريضي والهجومي فقد أثبت في عدة مناسبات أنه ليس رجل المواقف الثابتة بدء من تغييره موقفه من إسرائيل وتطبيع العلاقات معها ثم تصريحه حول وحدة درع الفرات المقربة من حكومته بأن الهدف من إنشائها هو وضع حد لنظام بشار الأسد قبل أن يتراجع عقب انتقادات روسية ايرانية ويؤكد أن الهدف من ورائها ليس هو شخص الأسد وإنما التنظيمات الإرهابية فقط، مهاجمته أيضا روسيا محذرا بوتين من "اللعب بالنار" على اثر الخلافات الثنائية عقب إسقاط تركيا طائرة استطلاعية روسية، غير أنه لم يلبث أن تراجع مقدما اعتذارا كتابيا لموسكو.

تركيا لم تعد ذلك البلد الآمن، فهالك تهديدات وتحديات أمنية كبيرة على امتداد حدودها مع سوريا سواء من طرف "بي كا كا" أو من طرف الجماعات الارهابية كالدولة الإسلامية، والقدرة الاقتصادية للبلد ليست بتلك المتانة التي تمكنه من مواجهة تداعيات خلق المزيد من الصراعات السياسية خارجيا وتعميقها في ظل سياسة فاشلة بكل المقاييس ينهجها أردوغان داخليا وخارجيا، فداخليا الرجل خلق عداوة كبيرة وهو يسير في اتجاه إنهاء المعارضة التي تعتبر مؤسسة دستورية، كما بات قاب قوسين أو أدنى من إنهاء عصر الصحافة المستقلة أو المعارضة، وهنالك هجوم عنيف على حرية التعبير وهو ما بزيد في تأزيم حالة الاحتقان، وبالتالي فان الإصرار على تحويل نظام الحكم الى نظام شمولي لن يسهم سوى في المزيد من قمع الحريات والتضييق على المعارضة ومن تم صب المزيد من الزيت على النار وتأجيج حالة الاحتقان، وما المحاولة الانقلابية الفاشلة إلا انعكاس عن حالة عدم الرضا التي يعرفها الوضع السياسي الداخلي. لهذا، فان الفرصة الى حد اليوم مازالت أمام أردوغان لتدارك الوضع وذلك بإعلان مصالحة وطنية شاملة وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي وكل شخص من ضحايا حملة الاعتقالات العشوائية الأخيرة ما لم يبث فعليا تورطه في جريمة الانقلاب، ثم التراجع الفوري عن التعديل الدستوري المشئوم الذي لن يخدم سوى أهداف المتربصين باستقرار وأمن تركيا، وتفعيل الديمقراطية وحده كفيل بفرض احترام وتقدير الشركاء الأوروبيين بما يضمن المصالح السياسية والاقتصادية للبلاد ويجنبها شبح العزلة والأزمات.







اخر الافلام

.. شاهد: أول مهرجان شتوي للفوانيس يضيء مدينة نيويورك


.. الهند: أرز بالطماطم في معبد هندوسي يقتل 11 شخصا ويصيب 90 آخر


.. الجيش الإسرائيلي يقتحم مخيم الأمعري في الضفة الغربية ويستخدم




.. مظاهرات السترات الصفراء في باريس.. -كلاكيت- خامس مرة


.. ضبط طائرتي تجسس في مطار القاهرة الدولي