الحوار المتمدن - موبايل



زيف المعارضة .. ومعارضة الزيف!!

خلف الناصر

2017 / 3 / 30
مواضيع وابحاث سياسية


قد يكون وضع العراق بصورة عامة غريباً على جميع النظريات السياسية المعروفة في عالم السياسة!.
فبعد الغزو الأمريكي للعراق تصورت وآمَلَتْ جماهيره بأن يكون وطنها ، الذي عانى كثيراً من الدكتاتورية والاستبداد المطلق ، أن يكون وطناً ديمقراطياً متحرراً ، وتكون دولته دولة مؤسسات ديمقراطية حقيقية .
لكن بدلاً من أن يكون العراق (دولة مؤسسات) أصبح (دولة محاصصات) ومكونات وغنائم وسرقات علنية.. وأصبحت (الدولة العميقة) فيه ، هي الحاكم الفعلي له وهي التي تسير جميع شؤونه الداخلية والخارجية ، بما فيها علاقاته الدولية مع العالم الخارجي!.
وتتشكل هذه (الدولة العميقة) في العراق من أطراف " العملية السياسية " أنفسهم ، ومن طبقتها السياسية الحاكمة الفاسدة نفسها ، ومن ذيولها الممتدة بأشكال مختلفة في جميع خلايا الدولة والمجتمع العراقي.. بكل فئاته وطبقاته!.
وهذه الطبقة الفاسدة التي تتشكل من أطرافها (الدولة العميقة) في العراق تفرض سياستها تلك ، بواسطة المليشيات والفصائل المسلحة الأخرى على الطرف الآخر!.
فلكل من أطراف هذه الطبقة الفاسدة ميلشيا مسلحة أو فصيل مسلح ، يمتلكه هو أو يتعاون معه ، وكذلك له ولها امتدادات اجتماعية نفعية في جغرافية طائفته التي يدعي عادة تمثيلها أو حمايتها ، والاحتماء بها!.
كما وأنه وملشيته أو فصيله المسلح ، يرتبطون ويحتمون بقوى دولية وبدول جوار إقليمي ، بروابط مصالح مشتركة قوية ومتينة بينهم.. وتأتي هذه المصالح المشتركة في المقام الأول ، وقبل المصالح الوطنية العراقية بمسافات ضوئية!.

وحتى ما يسمى بقوى المعارضة (المعارضة البرلمانية) ، ومعها قوى المعارضة الحقيقية في العراق ، تخضع هي الأخرى لابتزازات ومتطلبات وارتباطات هذه (الدولة العميقة) والمُسَيطَرْ عليها من قبل المليشيات والفصائل المسلحة المختلفة ، والتي تضع مصالحها ومصالح القوى الدولية والإقليمية المرتبطة بها فوق كل اعتبار ، بما فيها مصالح العراق القومية واعتبارات سيادته الوطنية.. وذلك من خلال منع المعارضة الأولى من التحول إلى معارضة حقيقية ، ومنع الثانية من الوصول إلى حالة توازن سياسي وفكري وعددي ومادي ، يمكنها من لعب دور وطني وإنقاذي للبلاد!.
***
والعراق هذا البلد العريق والغني جداً ، والذي يعتبر تاسع أغنى بلد في العالم وثاني أغنى بلد عربي ، حسب آخر إحصاءات المؤسسات الدولية المعنية.. لكن ، ورغم هذا الغنى الفاحش ، فإن أغلبية شعب العراق تلامس خط الفقر ، والفقراء فيه يتزايدون بشكل يشبه متواليات عددية وهندسية وجبرية وإنسانية مجتمعة كلها وفي آن واحد!.

وهذه الحالة المزرية للشعب العراقي ، متأتية من هيمنة هذه (الدولة العميقة) على مقدرات العراق ، ومن شخوصها التي شكل الاحتلال من أطرافها حكوماته المتعاقبة في العراق ، ومن إشاعتها للفساد المالي والإداري والأخلاقي في الحياة العراقية! وكذلك لعدم وجود رؤية واضحة ، ولا خطة اقتصادية لهذه الحكومات الفاسدة ، مع فتحها لأبواب الاستيراد ـ لجمعية المنتفعين منها ـ على مصراعيها ، وبشكل عشوائي وبدون أية ضوابط ولا أية مقاييس للجودة الصناعية أو السلامة الصحية!.

وقد تعاونت إدارة هذه الحكومات المتعاقبة بسياستها الاقتصادية هذه ، والتي يمكن تسميتها بــ (سياسة اللا سياسة) مع جهل القابضين على السلطة وانعدام الخبرة لديهم وعدم التخصص لديهم.. فأدت هذه العوامل بمجموعها مع عوامل متولدة عنها ، إلى خراب اقتصادي شامل ودمار كامل للبنية التحتية ، وتوقف لجميع المنشآت الصناعية والزراعية والخدمية ، في جميع القطاعات الاقتصادية (العام والخاص والتعاوني) وانهيار لجميع المصالح والمهارات والحرف الفردية والجماعية الصغيرة (وبنسبة السادات المشهورة!) أي 99,999 !!.
فقد أفضت مجمل سياسات السلطات المختلفة هذه ، مع سيطرة (الدولة العميقة) على جميع مفاصل الحياة في البلاد ، وتفشي الفساد المالي والإداري على مختلف المستويات الحكومية ، وأدت بجملها إلى خراب البلاد ، والقذف بملاين العمال والفلاحين والمزارعين والموظفين في القطاع الخاص إلى الشوارع.. فأغلقت لهذه الأسباب جميع أبواب العيش في وجوه العراقيين والشباب منهم بصورة خاصة!.
فلم يتبق أمام هئولاء الشباب ، إلا (التعين) في صنوف الجيش المختلفة أو في صنف الشرطة والقوى الأمنية الأخرى ، والمتعاظمة عددياً نتيجة للحروب المتواصلة ضد الإرهاب.. فأصبح الانخراط في سلكها هي أمنية هئولاء الشباب ـ ويدفعون الملاين كرشاوى ـ في الحصول على إحداها.. أو يجبرون تحت ضغط الحاجة ، على الانخراط في إحدى المليشيات أو المنظمات الإرهابية.. أو تجبره الظروف على فتح (بسطية/ جنبر) لبيع بعض المواد البسيطة ، لكسب لقمة العيش!.
وقد انتشرت هذه (البسطيات أو الجنابر) بشكل سرطاني عشوائي وبالملاين ، في جميع المدن والمحافظات العراقية ، وخصوصاً العاصمة بغداد ، وأدت إلى تشويه وجهها وتشويه وجه العراق بأكمله ، وحولته من بلد جميل إلى سوق بدائية لا حدود تحدها.. فأصبحت هي الأخرى مصدراً لعيش الملاين من العراقيين ، بعد أن أغلقت كافة الأبواب في وجوههم ، ولم يتبق أمامهم لكسب الرزق إلا هذه الوسيلة البائسة!.
فالحقيقة المرة تقول: لولا وجود موارد النفط في البلاد ، لتعرض العراق والعراقيين إلى مجاعة وموت جماعي.. وبالجملة ، في طول البلاد وعرضها!!.
والحقيقة الأخرى المستخلصة من هذه الحقيقة تقول أيضاً: أن سياسات حكومات العراق المتعاقبة منذ الاحتلال إلى اليوم ، تبدو وكأنها قد صممت لتدمير العراق والعراقيين والانتقام منهم أو إبادتهم ، من خلال جملة تلك السياسات ، ومن خلال إدخالهم في أزمات اجتماعية وسياسية واقتصادية بنيوية ، لا علاج ولا نهاية لها إلا بتدمير العراق أو تقسيمه.. وهذا لمنع العراق والعراقيين من النهوض ثانية.. هذا النهوض المشهود لهم به عبر التاريخ !.
***
لكن..ومع كل الخراب والدمار الذي وصل إليه العراق وشعبه ، لم نر للمعارضة العراقية (الرسمية) البرلمانية ـ عدا بعض استثناءات قليلة ـ أصبعاً واحداً يرفع ، من أجل تصحيح الأوضاع أو معالجتها ، أو لإنصاف المظلومين والفقراء والمعوزين والمعسرين منهم ، أو مجابهة الفساد المستشري في كل وزارة ودائرة ووظيفة ، كبيرة أو صغيرة كانت!.

وبناءاً على هذا الحال في كل مجال..يمكن القول: أن هذه المعارضة البرلمانية العراقية ، هي أغرب معارضة سياسية شهدها نظام سياسي في العالم أجمع ، وفي العراق خصوصاً ، وعلى طول تاريخه السياسي المتواصل منذ تأسيسه الحديث إلى اليوم!.
فالمعروف عن النظام السياسي في أي بلد ديمقراطي ، يتوجب أن تكون السلطات الثلاث ـ التشريعية والقضائية والتنفيذية ـ فيه ، منفصلة عن بعضها فصلاً واضحاً وصريحاً ، وتنص عليه وتنضمة وتضمنه قوانين دستورية ثابتة وصارمة!.
ورغم أن مثل هذه القوانين الدستورية موجود في (العراق الديمقراطي الجديد).. لكنها غير مطبقة وغير معترف بها تقريباً من قبل السلطات التنفيذية المختلفة.. فبدلاً من فصل السلطات الواضح هذا ، نرى أن هذه أن السلطات الثلاث قد اختلطت ببعضها وساحت على بعضها ، وأصبح من العسير جداً أن تميز بين سلطة وأخرى!.
وأغرب ما في هذا النظام الديمقراطي في العراق ، أن (المعارضة فيه) تشكل جزءاً من السلطات الثلاث ، وحسب (مبدأ المحاصصة) .. فشخوص هذه (المعارضة البرلمانية) وكتلها السياسية المختلفة ، تشارك في السلطة التنفيذية والتشريعية بوزراء ونواب لرئيس الوزراء ، بالإضافة إلى مناصب برلمانية ودرجات وظيفية عليا مختلفة ، وفي جميع مفاصل الدولة وسلطنها التنفيذية والتشريعية!.
فهذه (المعارضة الرسمية) ربما تمثل لعبة متفق عليها بين أطراف العملية السياسية أنفسهم: بحيث يقوم جزءٌ من السلطات الثلاث ، التنفيذية والتشريعية وحتى القضائية ، بمعارضة جزءاً آخراً منها!!
لأن هذه (المعارضة البرلمانية) العتيدة ـ كما خبرناها ـ تنحصر معارضتها بالمطالبة بمزيد من (الحصص) والامتيازات لأشخاص البرلمانيين أنسفهم.. لكن تحت دعاوي مظللة ، من قبيل (المظلومية!!) التي يتحملها (مكونهم!!) الذي يمثلونه.. فيتخذون لأجل هذا مواقف طائفية عنترية ، قد تصل بالبلاد إلى مشارف الهاوية لتغطية مطالبهم الحقيقية ، والتي تمثل مصالحهم الشخصية ، وليس مصالح طائفتهم أو من انتخبهم!!
ونحن هنا لا ننفي هذه المظلومية وأية مظلومية أخرى ، لكن ليس لمكون واحد..إنما لجميع مكونات وفئات الشعب العراقي برمته ، ومن شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه!!

فهئولاء الممثلون المزعومون لا يمثلون إلا أنفسهم ، وهم بالتالي لا يمثلون أحداً ولا يمثلون العراق وشعبه ومصالحهما ، ولم يشكلوا يوماً معارضة حقيقية.. كما وأنهم لا يستطيعون ـ وبالتجربة ـ التحول إلى (معارضة حقيقية) وممثلين حقيقيين لشعب العراق ولمن انتخبهم!.
لأنهم لا يستطيعون ترك السلطة التنفيذية ومنافعها ووزاراتها.. ولأنهم في هذه الحالة ، سيخسرون السلطة ووجاهتها ومغانمها ومكاسبها الكثيرة التي يرفلون بها .. ومنذ الاحتلال إلى اليوم!.

فهئولاء ليسوا معارضة ، إنما هم ديكور للسلطة و .. مـــعـــارضـــة مـــزيـــفـــة.. تشترك مع السلطة في لعبة تناوب قذرة ، لتزوير إرادة جماهير شعب العراق بأغلبيته الساحقة!!
فعلى جميع القوى الوطنية والقومية والماركسية واليسارية عموماً.. مــعــارضــــة هذا الـــزيـــــف.. بجدية تامة!

لكن..هل تستطيع هذه القوى الوطنية والقومية والماركسيين واليساريين عموماً ومجتمعين ، من معارضة هذا الزيف وتعريته فعلاً؟.
وهل يمكنها فضح هذه المعارضة المزيفة ـ والتي افتضحت جماهيرياً ـ لتأخذ مكانها في الساحة الوطنية العراقية؟.
وهل بإمكانها أن تشكل معارضة وطنية حقيقية ، وبديلاً وطنياً عراقياً للنظام الفاسد الحالي؟.
kh_anaseeratamyme@yahoo.com







اخر الافلام

.. الشليمي: قطر تتدخل في شؤون الآخرين منذ 20 عاما


.. اليامي: قطر لديها سجل سياسي سلبي


.. البهيجان: قطر دولة مصدرة للإرهاب




.. الطيار: حكومة تركيا -انتهازية-


.. مرآة الصحافة - 01.05 - 24/7/2017