الحوار المتمدن - موبايل



في نقد التجربة الديمقراطية في العراق

عباس علي العلي

2017 / 4 / 2
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق


في نقد التجربة الديمقراطية في العراق

من أول وأكبر المشاكل التي واجهت الديمقراطية الوليدة في العراق، هي مسألة تحديد معنى الديمقراطية وأصولها وتعريفها في مجتمع مبني على هرمية سيادينية أجتماعية متجذرة وفاعلة ومفرطه في قوتها، الناتجة أولا عن تخلف المجتمع العراقي عن الأنفتاح السياسي والفكري على التجارب العالمية، وثانيا تأصل عامل التبعية اللا واعية للموروث الأجتماعي العميق، ومحدودية الأصوات التي تناقض مشروع التجديد والتحديث في البنيوية الأساسية للعوامل البانية للشخصية الفردية، إلا قلة من محاولات أكاديمية ولدت في أجواء قهرية لم يسمح لها الواقع أن تكشف عن أوراقها الكاملة، أو تبلور مشروع حداثي يرتقي بالمجتمع ويطور من فاعلية الإرادة الشعبية.
فولدت التجربة الديمقراطية في فراغ على أمل أن تنتج قيم والإكار وممارسات قادرة م خلال منح الشعب العراقي قدر من الحرية ليعيد صياغة مفهوم الديمقراطية وفقا للخصائص المحلية، هذه النظرية بحد ذاتها أسست لمرحلة فوضى فكرية وتحولت الممارسة الديمقراطية في ظل تحالف الثالوث الديني والأجتماعي والسياسي إلى ما يشبه سباق مارثون طويل ومتعب، لا ينجح فيه إلا من يمتلك مقومات القوة الفاعلة في الجري، وهذا ما جعل الوضع السياسي يميل لأصحاب القوة والهيمنة وأعاد لمراكز القوة التي لا تؤمن بالديمقراطية في مشروعها الذاتي إلا محاولة لفرض المزيد من الهيمنه، دون أن يكون هدفها بناء مجتمع وأعمار البلد، لذا فتكالبت على مصالحها وزجت بأدواتها الجاهلة وفصلت كل قوانين العمل الديمقراطي من قانون أنتخاب إلى المحاصصة في المفوظية المستقلة للأنتخابات لتكريس واقع هيمنة ديكتاتورية القوة فقط قبال مصلحة الشعب وأساس العمل الديمقراطي.
تحول النظام السياسي في العراق ما بعد عام 2005 إلى نظام الأقطاع السياسي الديني الأجتماعي، ولم تنجح العملية الدستورية في إرساء شكل حقيقي للديمقراطية الوليدة، ولم تساهم بتطوير الفكر السياسي ولا أنتاج رؤية وطنية جامعة تعيد للعراق مجتمعا وكيانا وإنسانا جزء من شخصيته الحقيقية، وتحول السياسة إلى ميدان صراع للثيران الكبيرة على المغانم والمكاسب، هنا لا بد لنا أن نؤشر حقيقة أن التجربة الديمقراطية عندما تولد بدون مقدمات بالتأكيد سوف لن تنتج إلا الفوضى العبثية ولا يمكنها أن تؤسس لمشروع قادر على التطور والنجاح، وكان لا بد من دراسة نقدية لهذا الواقع وأبتكار نماذج تراع فيها الجوهر الديمقراطي والخصيصة المحلية في توافق بنيوي قادر أن نتلمس من خلاله أفق وضوء في أخر النفق.
لو كان النظام السياسي في العراق قد تأسس على فكرة مقبولة من الناحية الدينية زلا يرفضها المختلف النوعي لأنها فكرة أساسية لا خلاف عليها وهي نظرية الشورى النخبوية، تقوم هذه النظرية (أولا) على مبدأ المشاورة والتشارك في بناء القرار السياسي بناء على شخصية العضو الذاتية والتخصص والنخبوية، وأعتمادها رؤية تشرعن دستوريا وقانونيا مفادها أن الأقدر والأنجح والذي لديه منجز في مجال أختصاصه يجعله أكثر قدرة لبناء حركة المجتمع ودفعها للأمام وهو الشرط الأساسي في الترشيح للبرلمان، وتكون المنافسة بين أصحاب المشاريع الناجحة والنخب المنتجة والعقول الإبداعية، بذلك نمنح الفكر السياسي قوة مستمدة من قوة النخبة ودورها القيادي في المجتمع، فلا يكفي أن يكون خريج الأعدادية أو حملة الشهادة الثانوية شرطا ليكون باني وهو قد فشل أصلا في أجتياز مرحلة التعليم الجامعي الذي يعد اليوم في المجتمعات الأخرى مجرد مرحلة دراسية أولية، التجربة مع الأنجاز شرط أساسي لأختيار المشرع الذي يراد له أن يبني وطن وتجربة حقيقية.
و(ثانيا) تحديد سن من يريد الترشح لمجلس الشورى أو البرلمان ألا يقل عن أربعين عاما لضمان قدرة المرشح على النضج والخبرة المتراكمة التي تؤهله مبدئيا أن يكون قائدا ومشرعا ناجحا، في ظل هذين الشرطين ولو تم تبنيهما والعمل على تجسيدهما نصا دستوريا وقانونيا، لأنتجت العملية الديمقراطية نخب حقيقية قادرة على بناء وطن بعيدا عن الأحزاب وصراعاتها المصلحية وضمان لأبعاد مفاهيم مثل المحاصصة والتوافقية الشكلية عن ساحة العمل التشريعي، فوجود الصناعي الناجح والأديب المبدع والأكاديمي المميز والزراعي المثمر والأقتصادي الذكي في مجلس النواب، كفيل بأن نجعل من بلدنا دولة تحترم نفسها وكفاءاتها ووجودها بدل هؤلاء الجهلة والمنافقين والأميين.
إن إشكاليتنا اليوم ليس في الديمقراطية ولا في تطبيقاتها ولكن في الإنسان الذي يتسلل للعمل السياسي وهو لا يملك القدرة على قيادة نفسه أولا، فهو خاضع لتوجهات وإرادة الحزب السياسي والذي غالبا ما متشخصنة هذه الإرادة بقائد الحزب وديكتاتورية العوائل السياسية، وثانيا أن العضو التشريعي غير قادر ذاتيا أن ينجح في مهمته وأن يسخر تجربته الخاصة في مشروع وطني لأنه ضمن مشروع جزئي وفرعي ومرتبط بإرادة خارج البرلمان، فغالبية أعضاء البرلمان في دوراته الثلاث لم يكن قد مر بتجربة ذاتية ناجحة يمكن أن يوظفها سياسيا ولمصلحة البلد، والغالبية أيضا يتحركون ضمن أنتماءات فرعية متصارعة تحاول كل منها الهيمنة على القرار السياسي، وهذا ما أنتج مؤسسة تشريعية هزيلة لم تستطع أن تطور نفسها ولا يمكنها أن تتحول إلى مؤسسة وطنية حقيقية تملك مشروعها الوطني بعيدا عن صراع الأجندات.
إذا كان الهدف اليوم بناء واقع ديمقراطي سليم ووفق مفاهيم حقيقية خالية من الشكلية الفارغة، لا بد لنا من أعادة النظر في شروط الترشيح أولا وتشديد المعايير النوعية للمرشح قبل أن نسعى مثلا لأبدال مفوظية الأنتخاب أو تغيير قانونها، وثانيا جعل الوظيفة التشريعية تكليف وطني بدل من جعله وظيفة رسمية بما تجلبه من منافع شخصية للعضو البرلماني، وثالثا إبدال مفهوم التوافق التصالحي الذي يقزم مشاريع القوانين والقرارات لتلائم الجميع إلى مفهوم القرار للأغلبية مع أحترام لرأي الأقلية مهما كانت، لأنها قد تحمل في مشروعها الخاص الأفضل خاصة إذا جردنا تأثير قادة الكتل على الأعضاء، من خلال فرض قانون أخلاقيات العمل التشريعي وأن كل عضو في البرلمان هو ممثل لكل الشعب العراقي وتحريم وتجريم العمل الفئوي أو الطائفي.
إن الإصرار في كل مرة على تطبيق نفس التجربة الفاشلة مع أضافات بسيطة بالمفاهيم والتلاعب بالأفكار، لا يمكنها أن تثمر عن عمل ديمقراطي حقيقي، بغياب المسائلة والمحاسبة والشفافية في العمل البرلماني ومنح قادة الكتل والأحزاب موقع المعصومية عن المسائلة تحت ضغط التهديد بالشارع المجيش طائفيا ومذهبيا، وتشريع قانون حماية المجتمع من أخطار العمل السياسي ومن تداعيات الفترة السابقة، يتضمن هذا القانون ألزام الحكومة والبرلمان بمراجعة كل العملية السياسية ورموزها وقادتها وما سببته من هدر بأموال ومصالح العراقيين، وأن القاعدة التي يستند لها القانون هي أن كل ما بني على باطل لا بد أن يعود إلى نصاب الحق ولا معصومية لأحد إلا معصومية المصلحة الوطنية الكبرى، بذلك يمكننا أن نؤمن بأن العراق في الطريق الصيح ديمقراطيا ولا خوف من المستقبل.







اخر الافلام

.. أخبار عربية - #قتلى وجرحى في إنفجار مخزن للذخائر وسط #عدن


.. أخبار عالمية - #حداد في #أفغانستان بعد مقتل 140 جندياً في هج


.. أخبار عربية - #داعش إستخدم قذائف هاون محملة بغاز الخردل السا




.. 46 مليون ناخب يقررون مصير سيد الإليزيه الجديد


.. نشرة الإشارة الأولى 2017/4/23