الحوار المتمدن - موبايل



عالم علماني .... عالم أخلاقي

عباس علي العلي

2017 / 4 / 7
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


عالم علماني .... عالم أخلاقي


الكثير من الناس وخاصة في المجتمعات الغارقة لحد هامتها في المفاهيم المزروعة في العقول الجافة والمتحجرة تستفز من كلمات ومصطلحات فكرية لمجرد أنها توحي له بما يخالف المزروع المتحجر لديه، فقط قل كلمة علماني وسترى كم الشتائم والسباب والتكفير الذي تلاقيه منهم، ولو سألته ماذا تعني لك العلمانية سيقول على الفور وبدون تردد الكفر بالله والأنحلال الأخلاقي وووو الخ من الصور التي برع تجار الكهنوت في ترسيخها في أذهان ساذجة، ولو قلت له طيب وماذا تعني ديننة المجتمع ونشر كل ما تعتقده من دينيات في هذا المجتمع وماذا تتوقع أن يحصل؟ هل تجزم مثلا بأن التدين والمحافظة على الواقع من التطور يمكن لنا أن نصنل به لجمهورية أفلاطون أو المدينة الفاضلة، سيرد سريعا من المفترض ولكن التجربة تقول أن الإنسان هو مخزن الشر ومخزن الخير وبالتالي ما لا يصلحه عقله لا يصلحه الدين.
بين الجواب الأول والجواب الثاني رابط حقيقي هو أن الأفكار هي التي تصنع الإنسان من خلال العقل وقدرته على الترجمة، وليس ذات الفكر أو ذات العقيدة هي التي تصنع الإنسان، لو كان الدين هو قادر بذاته على أن يجعل من المجتمعات المتدينة مجتمعات فضيلة، لكان حدث هذا على الأقل قبل ألف وأربعمائة سنه، ولكن بقي المجتمع الإسلامي مثلا مجتمعا بشريا كباقي المجتمعات الأخرى يعيش وجوده الواقعي بما فيه لا بما في الدين من قيم، تتقاذفه الأفكار والتناقضات وتحركه إرتداداتها على ما يفهم العقل منها وما يترجمه في الواقع، العلمانية بعيدا عن كونها فكر إنساني أراد أن يبني الإنسان من خلال أعادته لإنسانيته المفقودة والمسلوبة من الكهنوت وسلطة المعبد، هو الأخر يجب أن يعامل كبقية الأفكار ويمنح الحرية في الحركة حتى يثبت للعقل قدرته على التشخيص إيجابا أو سلبا.
العلمانية ليست أيديلوجية فكرية أو عقائدية فيها واجب ومستوجب وحلال وحرام لازم وملزوم أو دعوة للعمل في موضوع ما والنهي عن أشياء بعينها، بل هي دعوى للتحرر العقلي من عبودية الأفكار لصالح تحرير اليقين الذهني من أسر الثوابت المتحجرة والتسليمات على العلات دون فحص أو نقد معرفي إيجابي، وهي بكل بساطة خيارات تقول للإنسان حرر عقلك وفكر بمنطق وعش وجودك كما هو، تريد أن تكون متدينا هذا حق أساسي وحسب ولا خلاف على ذلك، أما قرارك في أن تكون على غير دين فتلك خيارات وأنت من تتحمل وزر يقينك ونتيجة تعقلك، لكن لا تفرض على الأخر أي شكل من أشكال الألتزام الذي تؤمن به أو تظن أنه من الواجب عليك فعل ذلك تقربا لله، فكما أنت حر بعقلك فللأخر حرية في عقله مساوية لحريتك وموازيه له تماما، وكل متوازيان لا يلتقيان حتى تبقى العلاقة في مدارها الطبيعي دون تقاطع أو معاكسة.
فما علاقة الأخلاقيات الشاذة بالعلمانية وما هي المناهج التي يعتقد بها البعض أنها تدعو للكفر والإلحاد والرذيلة مثلا، هل ورد في كتاب رب العلمانيين دعوة لذلك، أم هل بشر نبيهم مثلا بالجنة العلمانية والنار المعلمنة أو دعا لجهاد المتدينين ومقاتلتهم على أن يكونوا علمانيين أو يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون، من عيوب العقل المؤدلج الذي لا يرى الحقيقة كلها إلا من خلال إيمانه أنه يملك مفاتيح التحكم بالعالم، وبالتالي فأي تغيير بأتجاه تحرير هذا الوهم وتخليص العقل منه، لا ينسبه للعقل على أنه هو محل الأدلجة ولكن يرده لذات الأيديولوجية الحاكمة وكأنما هو المثال والمصداق الحقيقي لها، فالمتدين عندما تحدثه عقليا عن أن العلمانية قيمة أخلاقية تساعد الإنسان أن يعود لوجوده الحي ويتخلص من إشكاليات التمسك الأعمى بالموروث والتأريخي وعليه أن يعيد قراءته من جديد، ليفهم الواقع والوجود كما هو دون أن يركن لما ترسخ في ذهنة يظن أنك تشتم دينه أو تسب ألهته، هذه الدعوة العقلية بدل أن يحاكم العقل فيها ويسأله سؤال الحكمة، تراه ينتقل من إدانة العقل كما تريد العلمانية ليحولها إلى إدانة للعقيدة وكأنما العقيدة عنده والعقل متوحد في فكرته الخاصة.
حتى الديانات وأشدها دعوة للألتزام لم تجبر أحدا على أن يكون فوق وجوده الحر، نعم هي تدعو ولكن في حدود المنطق العقلي الذي يقبله الإنسان، فلو جاءت ديانة ما وقالت للناس أنكم مجرد حيوانات في غابة وعليكم أن تمارسوا حيوانيتكم على النحو المرسوم في تصرفات الحيوان البري، فهذا ليس بعيب في هذا الدين من ناحية أن يتحول الناس إلى ما تريد، بل العيب في العقل الذي يؤمن به ويعمل على أشاعة هذا الدين، من هنا فالفكر في أي دعوة منه يبقى خارج التعامل الطبيعي حتى يقتنع العقل به ويؤمن بقين أنها أي الدعوى الفكرية دعوى منطقية، فالمدان في الخراب والبؤس الإنساني ليس الدين ولو أفترضنا أنه همجي ولا عقلاني، والمدان الحقيقي في الأول والأخر هو العقل، العلمانية تعيد للعقل أخلاقياته وتعيد له أهليته في أن يكون أكثر واقعية في طريقة ممارسة الوجود.
هذه الدعوى الإنسانية هي دعوى أخلاقية بأمتياز لأنها تحترم العقل وتقدر للأخلاق كقيم رأسية أن تعود لتنظم واقع خربه الإنسان بأعتباطية فهمه للدين، أما قول البعض أن العلمانية دعوة للتحرر من الأخلاقيات والكفر بالأديان، فالمطلوب منهم أثبات نجاح الفكر الديني عموما على تخليق المجتمع وأنسنته بأمثله واقعية وأحترامه أيضا لأديان الأخرين كما تحترم العلمانية هذا التنوع الرهيب في عقائد الناس، لا يحتج علينا بأمثله وحكايات أفتراضية، نعم نجحت العلمانية بتحرير العقل من وهم الفضائل التي لا تنتج واقع فاضل، ونجحت في تخليص المجتمعات من ظاهرة الكهنوتية التي تسوق الإنسان نحو خرافات التجهيل والتعمية والتغريب وصنعت أمما نهضت بالعقل وحررت وجودها من عوامل الركون للتأريخ وأنتظار وهم المنقذ والمصلح، وأيضا لم تمنع أحدا من البقاء في واقعه المر ولم تدعو أحدا للتخلي عن عقيدته لأجل أن يعيش، لقد كسرت العلمانية سوط الكهنوت وهزت قلاع المعبد المبني على أستغلال الإنسان.
إذا كانت الأفكار الدينية ولا أقصد تحديدا الأديان السامية تفرق الناس على أساس ما تؤمن به بين مؤمن وكافر وخصم وعدو، فالعلمانية جمعت الجميع أمام كلمة إنسان وتركت العقل يتحرك لأجل أن يعمل، وهي بذلك تساوت مع بعض الأديان في دعوتها للعمل وترك الحساب ليوم أخر، المهم أن تتاح للفرد حرية العمل وحرية الحركة وحرية التعقل حتى يكون مسئولا مباشرا وحقيقيا عما كسب في وجوده، وما حصل عليه من فرصة ليكون طبيعيا متوافقا مع فكرة أن الإنسان واحد ورب الإنسان هو من يحق له أن يصنف الناس وفقا للنتائج، وليس وفقا للواقع الذي يمكن أن لا يرى كما هو، كما لا يمكن الحكم على الراهنية الزمنية في ترتيب الأحكام النهائية وهناك رحلة طويلة تتبدل فيها الأشياء وتتغير فيها الرؤى وتنضج فيها الأفكار، العلمانية دعوة حقيقية لأنسنة الوجود ورفع الظلم والتصنيف المجف للناس وفقا لمعايير أعتباطية، العلمانية شعارها (كن إنسان حقيقي وكفى) يمكنك أن تقبل به أولا تقبل فأنت حر وكفى.







اخر الافلام

.. منفذ تفجير مانهاتن شاب من بنغلاديش بايع تنظيم -الدولة الإسلا


.. فرص نجاح قمة إسطنبول الإسلامية بشأن قرار ترمب


.. الحصاد- القدس.. اختبار القمة الإسلامية




.. هل فعلا انتهت الحرب ضد تنظيم -الدولة الإسلامية- في سوريا وال


.. العبادي يعلن تحرير العراق من قبضة تنظيم- الدولة الإسلامية-