الحوار المتمدن - موبايل



انهيار المؤسسات بعد سقوط النظام الملكي - ج 1

وليد يوسف عطو

2017 / 4 / 8
مواضيع وابحاث سياسية


انهيار المؤسسات بعد سقوط النظام الملكي – ج 1

المقال ماخوذ باختصار من كتاب :
( ازدهار العراق الملكي تحت الحكم الملكي 1921 – 1958 )- دراسة تاريخية –سياسية – اجتماعية مقارنة . تاليف الدكتور مامون امين زكي اختصاص علوم سياسية ,علم الاجتماع وحضارة الشرق الاوسط – ط 2 – 2013-الناشر:دار الحكمة – لندن .
كان اول تبدل جوهري شهدته الدولة العراقية بعد سيطرة الضباط على الحكم هو انتهاء حكم القيادة الجماعية ونظام المؤسسات لصالح حكم الفرد الواحد .
بعد مقتل العائلة المالكة استلم الحكم ضابطان هما الزعيم الركن عبد الكريم قاسم , الذي منح نفسه منصب رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ,والعقيد الركن عبد السلام الذي اصبح نائبا له .

بدا عبد السلام عارف يتجول في محافظات العراق ويلقي خطابات فجة ورثة عكست ثقافته الضحلة والسطحية .فقد صرح في اول يوم يقول :( جمهوريتنا اشتراكية , وطنية , الهية ,خاكية , لاشرقية ولا غربية , ولا قصور , ولا سيارات ولا ثلاجات ولا تلفزيونات بعد اليوم ).

اصيب الناس بالصدمة والذهول مما سيحدث في مستقبل الايام . فقد كان معظم الموظفين والضباط المنتمين الى الطبقة الوسطى قد استفادوا من التسهيلات التي قدمتها لهم الحكومة الملكية في السنين الاخيرة , فاقتنوا البيوت الحديثة والسيارات والثلاجات بشكل واسع عن طريق المؤسسات التعاونية الحكومية والبنوك التي وفرت القروض المالية .
ومن خطابات عبدالسلام عارف الرثة والسخيفة , خطابه الشهير :
( ابو خليل .. بسطالك على راسي .. يابة الامور كلها صارت بيد ابو خليل ).

وابو خليل هو الاسم الذي اطلقه العراقيون على الجندي العراقي . وفي خطبة القاها في مدينة البصرة , قال يصف المدينة ( طاسة ببطن طاسة .. بالبحر غطاسة ).وفي احدى المناسبات كان عبد السلام يلقي خطابا فقاطعه احد الحاضرين عدة مرات بهتافات حماسية , فانزعج عبد السلام والتفت الى ذلك الشخص وقال له :
( ولك اخرس عاد ..خليني آكل خرة ..).
استفاد عبد الكريم قاسم من تهور عبدالسلام عارف واستطاع ازاحته من الحكم وايداعه السجن .ووضعه تحت الاقامة الجبرية في منزله , فانتهى دور عبدالسلام عارف وبقي عبد الكريم قاسم يحكم وحده .

تم اطلاق (55 )لقب على عبد الكريم قاسم , وبقي شعار الزعيم الاوحد ملتصقا به . ولم يسمح قاسم باجراء انتخابات ,ولم يؤسس الى برلمان .وبقي وحده زعيما اوحدا , وقد تم لصق صور الزعيم عبد الكريم قاسم على اعمدة شارع الرشيد بطوله.وفي كل مكان .كان عبد الكريم قاسم يتمتع بشخصية محبوبة من الشعب .وكانت صفاته قريبة من صفات عامة الناس .لقد كام كريم اليد , ينعم من راتبه على الفقراء ,وينفق على اصدقائه بكرم ,وبقي بعد ان تولى حكم العراق غاية في التواضع , فلم يقتني الاملاك ولا حتى دارا يسكنها .

بل اكتفى ببناء جناح بسيط مؤلف من غرفة وحمام داخل وزارة الدفاع بجوار مكتبه حتى لايضطر الى ترك مبنى وزارة الدفاع .وبقي يرتدي ملابسه العسكرية دائما .وحين حل موعد ترقيته الى رتبة لواء ركن بعد الانقلاب , ثبت الرتبة الجديدة على كتفيه الا انه اصر على ان يبقى يستلم راتب زعيم ركن ( عميد ).وطلب من الكل ان ينادوه بلقب ( الزعيم عبد الكريم قاسم ).

كان عبد الكريم قاسم عسكريا شجاعا .وقد اثبت ذلك في حرب فلسطين في معركة كفر قاسم عام 1948 والتي بقي الفلسطينيون المسنون يتغنون بها . هذه كلها صفات شخصية جيدة ,الا انها لاتؤهل قاسم لحكم العراق .فهو ليس برجل دولة ولا رجل سياسي .فهو متعود ان يتلقى الاوامر من الاعلى ويرد عليها ( نعم سيدي ). وهو يصدر الاوامر ويتوقع ان يكون الرد عليها ( نعم سيدي ).

وقد يحاول البعض عمل مقارنة بينه وبين نوري السعيد وجعفر العسكري وياسين الهاشمي والذين كانوا ايضا ضباط . يقول الدكتور مامون امين زكي ,نعم كانوا ضباطا ,الا انهم مارسوا وتثقفوا بثقافات مختلفة .فقد درسوا في اسطنبول خارج العراق , ثم ارسلوا الى برلين ( المانيا ),للحصول على الاركان . وكانوا جميعا يجيدون مالا يقل عن اربعة لغات , وبعد ذلك في بداية العهدالملكي كانوا يعتمدون على مستشارين انكليز يمتلكون احدث الخبرات الادارية والسياسية والدبلوماسية .

لذلك فقد تطور نظام الدولة تدريجيا , وخصوصا بعد الحرب العالمية الثانية وانتشار التعليم , ونمو الطبقة الوسطى , وتنامي راي عام اكثر وعيا وثقافة , ووجود الاحزاب السياسية . فاصبحت صناعة القرار تحت اشراف عدة جهات . ويمارس الوزراء واعضاء البرلمان الى حد ما دورا ,وان كان محدودا حيث كان بعض الوزراء والاعيان والنواب , حتى الذين فازوا بالتزكية يعبرون عن معارضتهم لبعض اللوائح , ويستقيل بعضهم احتجاجا .

اضافة الى العرائض والمذكرات والتي كان اساتذة الجامعة ورؤوساء الاحزاب يقدمونها الى الجهات العليا .كل هذه الممارسات توقفت بعد 14 تموز 1958 ووقعت الدولة بيد رجل واحد هو عبد الكريم قاسم الذي اصبح هو الدولة . فاصبح كلامه هو الدستور والقانون , وهو زعيم البلاد .

وهكذا انتهى نظام القيادة الجماعية ونظام المؤسسات .وتم قطع التطور الطبيعي والتراكمي بعد ظهور القيادات الشبابية الجديدة من ذوي التعليم العالي والذين كانوا سيحلون محل جيل الضباط العثمانيين من امثال جميل المدفعي وعلي جودت الايوبي ونوري السعيد , الذين اصبحوا كبار في السن , وكانوافي طريقهم اما الى التقاعد او الى الوفاة .واصبحت السلطة يتم تداولها بين الضباط بعد الانقلاب الجمهوري عن طريق الانقلابات العسكرية والقتل والتي اجتاحت العراق بعد انقلاب 14 تموز 1958 .

الانهيارالثاني كان في مفهوم الوطنية . فقد كان مفهوم الوطنية في العهد الملكي يتبع التعددية الحزبية .فالفرد الذي ينتمي الى حزب الاخاء والشخص الذي ينتمي الى الحزب الوطني الديمقراطي هو وطني يخدم العراق عن طريق مباديء حزبه , وهكذا .. اما بعد انقلاب 14 تموز 1958 فقد ارتبط مفهوم الوطنية بشخص الزعيم عبد الكريم قاسم .

فالذي يحب الزعيم هو وطني , اما الذي لايحب الزعيم فهو خائن وعميل للاستعمار والرجعية والصهيونية . وبعد القضاء على تمرد الشواف عام 1959 اتهمت الاطراف القومية بالخيانة والعمالة للجمهورية العربية المتحدة ورئيسها جمال عبد الناصر والذي كان بالامس القريب يلقب ب (عدو الاستعمار , وقائد التحرر العربي ,وبطل الوحدة القومية ).

واتهمت الصحف اليسارية الموالية لقاسم , عبد الناصر,بالانحراف . واطلق عليه العقيد فاضل عباس المهداوي في محكمته وكذلك المدعي العام العقيد ماجد محمدامين تهمة ( عميل راونتري والاستعمار الامريكي ). وكان راونتري مبعوث الولايات المتحدة الامريكية والذي كان يتعاون مع الرئيس عبد الناصر لايجاد حلول لمشكلات الشرق الاوسط .بينما اضحى الشيوعيون ومؤيدوا الزعيم وحدهم الوطنيون المخلصون . وبذلك انتهت التعددية الحزبية والاجتهاد السياسي , واخذت الصحف تزايد في تاييدها للزعيم مخافة اتهامها بعدم الوطنية والتشكيك بولا ئها للجمهورية.

يتبع..







اخر الافلام

.. 19-10-2017 | موجز التاسعة صباحاً.. لأهم الأخبار من #تلفزيون_


.. حصرياً: -طباخ الرئيس- يقود الكتائب الإلكترونية لبوتين لنشر ا


.. ترامب والقضاء.. المعركة تتجدد




.. الأمين العام للمجلس الأعلى الإيراني: طهران لن تسمح بتجاهل مص


.. -رحلة حنظلة- تعكس واقع القمع