الحوار المتمدن - موبايل



-كيف يقرأ المرء لهؤلاء العُظماء الحكماء ولا تتطلسم الروح بهم؟- من حوارنا مع أستاذة التعليم العالي بقسم الفلسفة، الفيلسوفة الجزائرية د. خديجة زتيلي في -بؤرة ضوء- الحلقة الأولى - الجزء الثالث من -دهشة فعل التفلسف كعقلنة -

فاطمة الفلاحي

2017 / 4 / 8
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


"كيف يقرأ المرء لهؤلاء العُظماء الحكماء ولا تتطلسم الروح بهم؟" من حوارنا مع أستاذة التعليم العالي بقسم الفلسفة، الفيلسوفة الجزائرية د. خديجة زتيلي في "بؤرة ضوء" الحلقة الأولى - الجزء الثالث من "دهشة فعل التفلسف كعقلنة "

https://i58.servimg.com/u/f58/19/60/38/08/5510.jpg

كيف يقرأ المرء لهؤلاء العُظماء الحكماء ولا تتطلسم الروح بهم؟ إنّ مُنجزاتهم شاهداً على الانتصارات الإنسانيّة في مجال الفكر، وحتى لو اعتنق الناس بعدهم مُثلا وقيّما أخرى فإنّ تأثيرهم واضح وهو لا يقف عند معاصريهم فحسب بل يتعدّاه إلى معاصرينا. لقد استأنف خطاب الحكماء مساره بآفاق معرفيّة جديدة ولم تأفـل أفكارهم بل ظلت تُطّـل علينا برأسها في ثوب جديد يضفيه فيلسوف حديث أو عالِم معاصر عليها. قد يقول قائل ما حاجتنا اليوم لتهويمات القدماء وغريب آرائهم فلا يُرَّحب بفكرهم في الأوساط العلميّة؟ ولكن هذا المسعى لا يُثنينا عن عزمنا في القول بأنّه وعلى الرغم من كون منجزات القدماء تُعدّ من الكتب الكلاسيكيّة التاريخيّة فإنّها لا تزال تحتفظ برونقها وسحرها وخصوصياتها، ولا ريب أنّ معرفة البدايات مُهّمة لاستيعاب لاحق الأفكار والنظريّات وفهمها وخاصّة ما تعلّق بتاريخ العلوم والأفكار، ولعلّ هذا المبرّر من شأنه تسويغ العودة إلى الماضي والاعتراف بجهـد القدماء والاستفادة منه بدل تلك المماحكات التي تُسطّح التاريخ.

لا ينكر المرء أنّ الاكتشافات العلميّة الحديثة أطاحت بالكثير من تلك المعتقدات القديمة والتفسيرات التي كانت أقرب إلى الأسطورة منها إلى العلم، ولكن يجب الاعتراف أيضا بأنّ العلم الحديث مدين للقدماء بما حقّقه من انتصارات واكتشافات هائلة في مجال الطبيعة بل أكثر من ذلك لقد نشأ العلم الحديث في أحضان السحر ثم انطلق بعيدا يبحث عن آفاقه الجديدة، وقد لا نبالغ عندما نقول بأنّ قراءة الآخر هي معرفة بالذات أو الأنا أيضاً. وهذا الشوق للقدماء والحكماء يملئني ويعيدني في كلّ مرّة إلى سحر الإغريق وإلى الفلسفة وهي تتحدث باليونانية أوّل مرّة، وقد أتطرّف إذا قلتُ إنني عالقة في هـوى هذه الحضارة التي تتجاور فيها الأسطورة مع الحقيقة العقلانيّة في انسجام غريب ومدهش يحكي عظمة التاريخ والجغرافيا والإنسان.

تزخر بلاد اليونان بالأساطير وغالبا ما كان مصدر الميثولوجيات السائدة المعتقدات والديانات المنتشرة، وهي بلا شكّ تعكس وجهة نظر أصحابها وموقفهم من العالم والمجتمع والإنسان. إنّ أساطير اليونان لا تخفي مقاصدها وهي ذات حمولات ثقافيّة وعقائديّة مكثّفة وتعدّ من أهمّ الميثولوجيات والأشهـر في الحضارات القديمة، فقد أعيد استثمارها على نحو خلاّق في الأعمال الأدبيّة والفلسفية والتشكيليّة والسينمائية والمسرحيّة والموسيقيّة الحديثة والمعاصرة في الغرب وفي العالم بشكل عام. وتشتهـر بلاد اليونان بكتّابها البارعين الذين أمكن بفضل نصوصهم نقل الأساطير اليونانيّة إلى مختلف أنحاء العالم، ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الشاعر هوميروس الذي أتحفنا بالإلياذة والأوديسة وكتاّب المسرح سوفوكليس ويوربيديس وأرسطوفان وأسيخيلوس وغيرهم. لقد طرحت الأساطير الإغريقيّة وجهة نظرها في تشكلّ العالم ورافقت ظهور الفكر والفلسفات القديمة واليونانية منها على سبيل الحصر.

فبوسيدون إله البحر من الآلهة الأولمبيّة العظيمة هو وزيوس من أقدم الآلهة، إنّه إله العواصف والماء والزوابـع والزلازل، كان الناس يعبدونه ويبتهلون ويتضرعون إليه وهم يعبرون عباب اليمّ لكي يُخفف من الكوارث الطبيعيّة، وهناك صورة له على معبد البارثنون، كان مثار إعجاب رسّامي عصر النهضة وموضوع الكثير من رسوماتهم، وأثينا إلهة الحكمة والحرب وحامية المدينة وقد سُميت مدينة أثينا باسمها ومن نعمها العظيمة أن وهبتْ للبشر شجرة الزيتون، وديونيسيوس هو إله الخمر والنشوة ويتجلى في الميثولوجيا القديمة في صورة ثور أو تيس وهو يتوجّه إلى الحواس ويَعِد بالبهجة والفرح ويحضر ديونيسيوس بقوة في المهرجانات التي كانت تُقام، وأساطير أخرى كثيرة لا يمكن أن أفي حقها في كلمات موجزة. وهذا ما يجعل قراءة الأدب الإغريقي والملاحم والمسرحيّات والشعـر والخطابة والتعرّف على فنّ النحت والهندسة المعماريّة وشكل الأبنيّة والمعابد مُتعة للفكر وشفاء للروح ومحاولة لفهم المفاهيم المطمورة في الفنون والآداب والقابلة لأكثر من تأويل والمفتوحة على عدّة قراءات، فضلاً عن معرفة التاريخ السيّاقي الذي تشرحه مجموعة من العلوم والفنون السائدة. وأيّا كان الوجه الذي تُفهم به هذه الأساطير فإنّ الأمر الأكيد أنّها ميراث إنساني لا يسع المرء تجاهلة وغضّ الطرف عن قيمته وأهميته في صناعة الحضارة والتاريخ، فكلّ مرحلة تاريخيّة تخلق أشكال نصوصها التي تتساوق معها، وقد انتبه إلى أهميّتها فلاسفة كبار من أمثال فيكو وهيجل وشلنج بوصفها تحمل دلالات معيّنة وتنطوي على معاني عميقة وتعبرّ عن أشكال الوعي التي كانت قائمة.

كانت فلسفة اليونان وفنونها وآدابها تفتح أمامي آفاقا رحبة، مستلهمة منها الحكمة والجمال والمعنى بوصفها مؤسِّسة للكثير من المفاهيم التي غدت مثارا للنقاش والجدل في فكر العصور الوسطى أو في الفكر الغربي الحديث والمعاصر، أو في الفكر الإنساني عموماً، كانت تبدو لي عميقة وليست سطحيّة السجالات، فقد أسرفتْ في طرح مفاهيمها وتجاسرت على ذلك في مغامرة ترجع إلى عصور بعيدة كانت فيها بلاد اليونان، بلا منازع، المنبت الأصلي للفلسفة الطبيعيّة والإنسانية في صورتها النسقيّة المنظّمة كما جسّدها أفلاطون وأرسطو في فترة ازدهارها وبلوغها مرحلة النضج والتقدّم. ولعلّه من اللافت أنّ تناول المرجعيّات المفاهيميّة والاصطلاحيّة يقتضي العودة إلى اليونان بالضرورة، إذْ لا تستقيم ممارسة الحكمة دون هذا الشرط، ولا يعدّ هذا الأمر انحيازاً ثقافيّا، كما قد يبدو للوهلة الأولى، بقدر ما يعبّر عن انحياز للحقيقة في تشكّلاتها المختلفة سواء تجلت في شكل ميتوس أو لوغوس.


انتظرونا عند " الفضيلة عند سقراط " من "دهشة فعل التفلسف كعقلنة " في الجزء الرابع من الحلقة الأولى في حوارنا مع البروفيسورة خديجة زتيلي







اخر الافلام

.. لايف مع لوتس


.. الجزائر.. ما فائدة جولة لعمامرة في عواصم أجنبية؟


.. إشادات متواصلة بتنظيم الإمارات للنسخة الأكبر من الأولمبياد ا




.. هذا الصباح - مقهى الجزيرة يستضيف نردين أبو نبعة


.. مقابلة مع زعيم حزب عدالة الشعب الماليزي أنور إبراهيم