الحوار المتمدن - موبايل



ذكريات مدينة كان الخروج كان الخروج منها صعبا (6 )

عبد الله عنتار

2017 / 4 / 9
الادب والفن



اعترافات

حتى لا أفهم بشكل خاطئ، أنا لست أضع مدينة واد زم موضع تقريع أو تأنيب ولا أحمل أي حقد حيالها، إنني أعتبرها محض تجربة إنسانية وأظل أعتز بها مهما حييت، وإن هذه التجربة مهما كانت مريرة، فإنها مهمة في مسيرة الحياة، إن احتكاكي بهذه المدينة غيرني كثيرا، كنت كالحمل الوديع أفهم بسذاجة الواقع وكنت نظريا أكثر من اللزوم ومتشبعا بالنضال الطلابي وحلم التغيير، كم نظرية تذوب أمام صخرة الواقع، كم من السهولة أن نردد مقولة الصراع الطبقي أو مقولة البروليتاريا أو مقولة العمال، إنها مقولات حلوة وعذبة على اللسان، ولكن على أرض الواقع شيء آخر، سمعت كلمة واد زم عام 2002 حين كنت أدرس في المرحلة الابتدائية وحلمت أن أرى هذه المدينة ذات يوم لأنه كان هناك أستاذ يدرسني في مدرستنا يتحدر من هذه المدينة السعيدة، كنت أقدر هذا الأستاذ لأنه كان يزودني من حين لآخر بالجرائد التي كنت شغوفا بقراءتها، لن أنساه مهما حييت، ها قد مرت عشر سنوات بالتمام والكمال، وبالضبط في اليوم الثالث من شتنبر عام 2012 سوف أرى للمرة الأولى هذه المدينة التي ترزح أسفل هضبة الفوسفاط، تحيط بها جبال من غبار جراء الحفر المستمر بحثا عن الفوسفاط وبعد مضي عام استبشرت خيرا لأني عينت فيها، فالمدينة تنام تحت الذهب، سوف تكون مدينة العمال والبروليتاريا التي اعتبرها الفيلسوف كارل ماركس طليعة المجتمع الأكثر وعيا وتنويرا، بالإضافة إلى ذلك فدراسة تاريخ المغرب المعاصر كشفت لي أن العمل النقابي انطلق من مناجم بولنوار نواحي خريبكة، ومناجم وادي زم على مرمى حجر من ذلك، هذه هي الفكرة والنظرية التي استحوذت على مخيلتي في غشت 2013، كنت أطمئن نفسي بهذا الاعتقاد، وكنت أقول بأنني سوف أحتك بعمال المناجم وسوف أطور خبراتي التي اكتسبت بعضا منها أيام الجامعة والمسيرات التي كنا نقوم بها من أجل تعليم عمومي ومجاني وذي جودة، بالإضافة إلى رغبتي العارمة في الإنضمام إلى نقابة قوية و أتكون في هذا المجال، إن ماركس وانجلز ولينين وكل الفلاسفة الاشتراكيين الذين تعلقت بهم أيام الكلية لن يخطئون! ولكن كم هو الواقع داهية وماكر يضحك بسخرية على ما هو نظري، فالأيام كشفت لي أن واد زم حتى لو كانت تتربع على ثروة هائلة، فهذه الثروة لا تعود إلى أبنائها، ويكفي المرء أن يزور حي الحرشة الذي يتموقع في غرب المدينة أو إلى حي المسيرة في اتجاه الشرق فيكشف أننا نعيش في العصور البدائية، لم يتغير حال المدينة منذ اكتشاف الفوسفاط في العقد الثاني من القرن العشرين، ظلت شوارعها وبنيتها التحتية متردية والبنية الفوقية ضحلة بلا قياس، لقد ظل البعد الغريزي القروي متجذرا في السلوكات والممارسات، فرشق نوافذ ثانوية ابن طفيل بالحجارة عام 2013 لا يختلف عن الهجوم بالفؤوس والمناجل على ضيعات المعمرين عام 1955، أنا لا ألوم هؤلاء القرويين الذين جردوا من أرضهم وتحلوا بشجاعة لا نظير لها في سبيل الاستقلال، فالمستعمر دخل بالقوة ولا يرد إلا بالقوة، ولكن هذا الاندفاع الغريزي والعنيف حرف من طرف الأجيال الحالية نظرا لتدني المستوى الثقافي، ما معنى أن تخرب مؤسسة عمومية ؟ أليست تلك المؤسسة مؤسستنا جميعا ؟ أنا لا ألوم الأفراد، وإنما أنتقد البنية الاجتماعية برمتها، فهؤلاء الأفراد يعبرون عن سخطهم على تحويل ثروة أرضهم إلى مدن أخرى أو إلى طبقة بورجوازية حاكمة، ولكن ما هكذا ننتفض أو نثور، الثورة لا تكون بتخريب مشتل العلم والثقافة والذي هو المدرسة، هذه الأخيرة هي أس الوعي، إن ثورة ماي عام 1968 الثقافية في فرنسا لم يقم فيها الفرنسيون بتخريب المؤسسات العمومية على الرغم من أن ثورتهم انصبت على المدرسة نفسها كمؤسسة بورجوازية محافظة تمارس التعمية والتضليل وتكرس سيطرة طبقة على أخرى، لكن هناك فرق كبير بين ما وقع في واد زم طيلة أعوام 2011 و12 و13 وما وقع في فرنسا 68، لقد لاحظت أن واد زم لا تتوفر على بروليتاريا لأن العمال الذين يشتغلون في المناجم في غالبيتهم لا يتحدرون من المدينة، ولا وجود لنقابات مناضلة وديمقراطية، بل بيروقراطية ومهادنة، في عامي الأول كانت عندنا معركة من أجل الأجر الذي أخروه عنا، فجمعت رفاقي الأساتذة في ثانوية المقاومة من أجل المقاطعة وذهبنا الى فرع نقابة الاتحاد المغربي للشغل، وبدل الوقوف معنا في هذه المعركة راحوا يلوموننا على المقاطعة وباتت كلمة "الرفيق" خشبية فاقدة لأي حس نقابي أو ثوري، وكم كرهت أشباه المناضلين هؤلاء الذين ميعوا العمل النقابي كشكل من أشكال الصراع الطبقي التواق إلى إحلال العدالة الاجتماعية وبهذه المناسبة أشكر نقابة الفيدرالية التي وقفت معنا رغم موقفي من حزب الاتحاد الاشتراكي الذي تنكر لنضاله وقبل بحكومة التناوب عام 98، في حين وجدت فروع الأحزاب الاشتراكية خافتة وكم مرة راودني الانضمام إلى فرع الحزب الاشتراكي الموحد ولكن كنت أجد مقره مقفلا، وتركت الساحة فارغة للأحزاب الرجعية كالعدالة والتنمية تعمي الشبيبة الوادزمية بالخنوع والغباء عن طريق جناحها الدعوي التوحيد والاصلاح الذي يوزع الصدقات في الأحياء الأكثر فقرا، ولم أراه يقف مع مطالب الساكنة حول الحق في الشغل في المناجم القريبة، لقد حضرت وعاينت القمع الذي طال جمعيات المعطلين في ساحة الحرية، غير أن الجناح الدعوي كان صامتا صمت القبور، إن تمدد هذا الحزب الرجعي في أرجاء المدينة يعزى إلى غياب الأحزاب الماركسية والاشتراكية أو إلى عدم نجاعتها أو فعاليتها في التوعية والتنوير أو الارتباط بالواقع، لقد ترك المعطلون يواجهون مصيرهم لوحدهم دون أدنى مساعدة، مع العلم أن هذا العمل من صميم الأحزاب الاشتراكية التي تراهن على تحقيق العدالة الاجتماعية، فالأرض لمن يملكها والشغل حق وتنمية المدينة حق، كل الأشكال صارت مميعة، لذلك فلا وجود لبروليتاريا أو طبقة عمالية في واد زم، بل هناك بروليتاريا رثة تناضل من أجل البقاء وغالبيتها غير مؤطرة نقابيا، كالأساتذة والمحامين وعمال النظافة وأصحاب الحرف والمحلات التجارية وسائقي التاكسيات وبعض عمال المناجم، أما المصانع التي كانت بالمدينة تم الاجهاز عليها وخوصصتها حين وصول "الاشتراكيين"! إلى السلطة عام 98، لذلك فالمدينة في غياب طبقة عمالية باتت مرتعا للعديد من الظواهر كالقرصنة الإلكترونية كشكل من أشكال البقاء نظرا لسياسة التهميش التي ترزح تحتها المدينة، بالإضافة إلى العمالة الجنسية التي و إن كانت قديمة قدم البشرية، فإنها ارتبطت مع الوجود الفرنسي الذي أسس الكثير من البورديلات في المدينة من أجل الجنود أو من أجل العمال، ولازالت العمالة الجنسية إلى جانب القرصنة هما الجانبان المخفيان في مدينة واد الأسد التي تجاوزت أكثر من 100 سنة على تأسيسها، ففي أي مدخل من مداخلها لن تر إلى الكآبة والفوضى، لم تستفد المدينة شيئا غير التلوث الناجم عن مصانع الفوسفاط، والغبار الذي يسكنها والحرارة الجاثمة عليها طول الساكنة، كان من الممكن أن تتمدن وتتعصرن المدينة ولكن هذا هو مصيرها وقدرها، ولكن المصير صناعة بشرية كما يقول سارتر، وما دمت مؤمنا بهذه الفكرة، فرهاني مهما طال الزمن يبقى مرتكزا على الشباب، وأنا أكتب هذه الذكريات ليس إلا تعبيرا عن حب خالص لهذه المدينة، على الرغم من أنني افترقت عنها ولا رابط صار يجمعني بها، ومهمتي فيها انتهت، وأن فترة 2013/16 ذهبت بلا رجعة، فإنني أعتبرها مرحلة مهمة من حياتي، علمتني الكثير من الأشياء التي كنت اجهلها، بل هناك رفاق من الأساتذة والتلاميذ توطدت علاقتي معهم بشكل قوي، بل حتى أساتذة جدد في ثانوية المقاومة منهم أستاذ درسته حين كان تلميذا عندي في بني ملال أيام التكوين عام 2012، لقد صرت من حين لآخر أتردد عليها، رغم تحاملي عليها الكبير في المقالات السابقة، فلابد من النقد، فتقدم الشعوب يكون بالنقد ولا شيء غيره .

عبد الله عنتار / 9 أبريل 2017/ وادي زم - المغرب







اخر الافلام

.. بعد حظر 35 عاماً.. السينما تعود الى السعودية ومعها شهية المس


.. شركات عالمية تبدي رغبتها في التوسع بالسعودية بعد قرار السما


.. ست الحسن - المخرج خالد جلال: عادل إمام ومحمد صبحي لا يرتجلوا




.. ست الحسن - نجلة الفنان عمر الحريري: أنا لما بيجيلي احباط بتف


.. المخرج خالد جلال وأبطال مركز الإبداع الفني .. في ست الحسن