الحوار المتمدن - موبايل



خطورة خلط الدين بالثقافة القومية للشعوب

طلعت رضوان

2017 / 4 / 10
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني



أعتقد أنّ أخطرشىء يـُـهـدّد تماسك الشخصية القومية، وقدرتها على المقاومة والصمود، هواعتبارالدين أساس الانتماء، مقابل نفى (الوطن) أو- حتى- رقعة معينة (من الأرض) وهذا الأساس الدينى هوما استند إليه الأصوليون الإسلاميون، الذين لايعترفون بالانتماء لمفهوم الوطن فى العصرالحديث، وإنما يعترفون بشىء هلامى أطلقوا عليه (دارالإسلام) مقابل (دار الحرب) وكان سندهم فى ذلك ما قاله نبى الإسلام لأتباعه بعد غزوة بدر، أنْ يتخلوا عن الانتساب للوطن ((حيث انصهرالمهاجرون والأنصار)) وقال لهم اتركوا ((عصبية الأرض.. دعوها إنها منتنة.. ليس منا من دعا إلى عصبية.. فانتهى أمرهذا النتن.. نتن عصبية النسب.. وماتت هذه النعرة.. نعرة الجنس.. واختفت تلك اللوثة.. لوثة القوم.. واستروح البشرأرج الآفاق العليا.. بعيدًا عن نتن اللحم والدم.. ولوثة الطين والأرض..وإنما عاد (= أصبح) وطنه هو(دار الإسلام) الدارالتى تــُـسيطرعليها عقيدته، وتحكم فيها شريعة الله وحدها، الدارالتى يأوى إليها ويدافع عنها، ويستشهد لحمايتها ومد رقعتها، هى (دارالإسلام) لكل من يدين بالإسلام عقيدة ، ويرتضى شريعته. والأرض التى لايـُهيمن فيها الإسلام، ولاتحكم فيها شريعته هى (دارالحرب) بالقياس إلى المسلم، وإلى الذمى المعاهد كذلك، يحاربها المسلم ولوكان فيها مولده، وفيها قرابته من النسب وصهره، وفيها أمواله ومنافعه)) وكان تعقيب سيد قطب الذى نقل هذا الكلام ((وكذلك حارب محمد مكة- وهى مسقط رأسه- وفيها عشيرته وأهله، وفيها داره ودورأصحابه وأموالهم التى تركوها، فلم تــُـصبح دارإسلام له ولأمته إلاّ حين دانتْ للإسلام وطــُـبقتْ فيها شريعته)) (معالم فى الطريق- أكثرمن طبعة- ص157)
000
وعندما حطـّ جمال الدين الإيرانى، الشهيربالأفغانى رحاله فى مصر، ردّد هذا الكلام، وحاول ترسيخ مقولة (الرابطة الدينية) مقابل الولاء الوطنى. وعندما ذهب إلى باريس وأسّسوا له مجلة (العروة الوثقى) لم يُخاطب الشعوب على أساس انتمائها الوطنى وإنما على أساس انتمائها الدينى، فكتب يُطالب المسلمين بأنْ ((يعتصموا بحبال الرابطة الدينية التى هى أحكم رابطة، اجتمع فيها التركى بالعربى والفارسى بالهندى والمصرى بالمغربى وقامتْ لهم مقام الرابطة الجنسية)) (العروة الوثقى 24/8/1884) وكتب ((لاجنسية للمسلمين إلاّفى دينهم)) (العروة الوثقى26/7/1884) وكتب ((وعلمنا وعلم العقلاء أجمعين أنّ المسلمين لايعرفون لهم جنسية إلاّفى دينهم واعتقادهم)) (العروة الوثقى14/8/1884) أما أخطرما روّج له فهومحاولة إقناع الشعوب بالاحتلال الأجنبى، وعدم مقاولة الاستعمارتأسيسًا على قاعدة (الرابطة الدينية) التى ألحّ عليها كثيرًا فكتب ((...هذا ما أرشدنا إليه سيرالمسلمين، من يوم نشأة دينهم إلى الآن، لايتقـيّـدون برابطة الشعوب وعصبيات الأجناس، وإنما ينظرون إلى جامعة الدين، لهذا نرى المغربى لاينفرمن سلطة التركى، والفارسى يقبل سيادة العربى، والهندى يذعن لرياسة الأفغانى، لا اشمئزازعند أحدهم ولا انقباض)) (العروة الوثقى28/8/1884)
بعد جمال الدين الإيرانى، الذى تنكرلمذهبه الشيعى، وللغته الفارسية، جاء الدورعلى محمد رشيد رضا الذى نادى بنفس الأفكارالهادمة للانتماء الوطنى، فوصف مصربأنها (حكومة إسلامية) ولكنه بعد هذا الوصف (غيرالحقيقى) كتب ((فهذه الحكومة الإسلامية، تجعل لأدنى أجيرقبطى من الحقوق فى بلادها ما لاتجعله لأعظم أميرمن شرفاء المسلمين، يقيم فيها خاضعـًـا لحكومتها، قبل أنْ تتم له المدة (15سنة) فيها، ومن نال هذه الجنسية بشرطها كان له من الحقوق مثل ما لغيره من المصريين، سواء كانوا من آل فرعون الذى لعنه الله، أم كانوا من قوم موسى الذى كلمه الله)) (المسلمون والقبط والمؤتمرالمصرى- مطبعة المنار- ص73)
لم يكتف رشيد رضا بذلك وإنما هاجم (جريدة السياسة) لأنها وقفتْ مع على عبدالرازق فى محنة طرده من (جنة الأزهر) فكتب الأصولى العتيد رشيد رضا أنّ جريدة السياسة تنشركلام الشيخ على عبدالرزق ((المُجاهرباللادينية)) التى تـمّ اختراعها منذ عهد قريب، وزعم أصحابها أنها ستحل محل الدين ((فى التكوين المعنوى للأمم والشعوب، وضم الملايين منهم إلى جامعة واحدة، وهوما يـُـعبـّـرون عنه بالثقافة القومية. وإذا كان هؤلاء الملاحدة المصريون يدعون إلى الوطنية بالمعنى الاجتماعى العصرى، وهوتمايزالأقوام والشعوب، وتكوينها بأوطان محدودة تضمها دون ما هوأوسع من ذلك كالدين واللغة)) (المصدرالسابق- 119)
وهكذا فإنّ الأصولى العتيد (رشيد رضا) يرى أنّ على عبدالرازق (من الملاحدة) رغم أنّ عبدالرازق من العاملين بالأزهر، بل ورغم دفاعه عن الإسلام، أما كلام (رضا) عن أنّ اللغة والدين هما الأصل فى الانتماء والولاء، فهذا الكلام غيرعلمى، وفنــّـده علم الأنثروبولوجيا، حيث أنّ الشعوب تنتمى لأوطان، وليس لأديان، والدليل على ذلك أنّ شعوبـًـا عديدة تعتنق الإسلام وليست عربية (تركيا- نموذجـًـا) وأنّ اللغة الأولى لغالبية شعوب أفريقيا إما الإنجليزية، أوالفرنسية أوالإيطالية، ومع ذلك لم يقل أحد- ولايستطيع القول- بأنّ الشعب الصومالى إنجليزى أوفرنساوى أوإيطالى. وتلك الحقيقة هى ما وعاها أحمد لطفى السيد فكتب ((كان من السلف- يقصد جمال الدين الإيرانى الشهيربالأفغانى- يقول بأنّ أرض الإسلام وطن لكل المسلمين، وتلك قاعدة استعمارية، تنتفع بها كل أمة مستعمرة، تطمع فى توسيع أملاكها ونشرنفوذها كل يوم فيما حولها من البلاد. وتلك قاعدة تتمشى بغاية السهولة مع العنصرالقوى، الذى (يفتح) البلاد باسم الدين)) وكتب أيضًا ((الإسلام ليس لمسلم بوطن، فوحدة الاعتقاد الدينى ليست كافية لإقامة وحدة التضامن الوطنى)) (صحيفة الجريدة- 10مارس1907، 16يناير1913وكذلك سيرته الذاتية "قصة حياتى"- هيئة الكتاب المصرية عام1993- ص108، 109)
وجاء عميد الثقافة المصرية (طه حسين) فأكــّـد على ما سبق ولكن بأسلوبه الخاص فكتب ((من المحقق أنّ تطورالحياة الإنسانية قضى منذ عهد بعيد بأنّ وحدة الدين ووحدة اللغة، لاتصلحان للوحدة السياسية، ولاقوامًا لتكوين الدولة)) وأضاف ((القومية المصرية القديمة لم تنسها مصرفى يوم من الأيام، فالتاريخ يـُـحدثنا بأنها قاومتْ الفرس أشد المقاومة، وبأنها لم تطمئن إلى المقدونيين حتى فنوا فيها وأصبحوا من أبنائها. والتاريخ يحدثنا- كذلك- بأنها خضعتْ لسلطان الامبراطورية الرومانية الغربية والشرقية، على كــُـره مستمر، ومقاومة متصلة، فاضطرالقياصرة إلى أخذها بالعنف. والتاريخ يـُـحدثنا- كذلك- أنّ السلطان العربى بعد (الفتح) لم يبرأ من السخط والمقاومة والثورة)) (صحيفة السياسة31/12/1923)
وبعد رشيد رضا جاء الدورعلى أصولى آخر(حسن البنا) الذى قال ((إننا نعتبرحدود الوطنية بالعقيدة وليس بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية، فكل بقعة فيها مسلم، وطن عندنا. والإخوان المسلمون لايؤمنون بالقومية، ولابأشباهها فيقولون فرعونية وعربية وفينيقية وسوريا. ولاشيئــًـا من هذه الألقاب التى يتنابزبها الناس)) (الرسائل الثلاث- نقلاعن د. هالة مصطفى- الإسلام السياسى فى مصر- مركزالدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام- عام1992- ص93)
وقد عبـّـرلطفى السيد عن الموقف الحقيقى للانتماء الوطنى فكتب ((فى العصرالذى ارتمتْ فيه السياسة المصرية فى أحضان فرنسا وتركيا، تستنجد بالأولى وتستعديها على إنجلترا (كما كان يفعل مصطفى كامل) مستغلين ما بينهما من منافسات (استعمارية) كى نتعلق نحن المصريين بخيوط العنكبوت فى علاقتنا بالعثمانيين، مستغلين سيادتهم (الاسمية) على مصر)) وقال: إنّ مصرأمة متميزة ولها خصوصيتها.. ووطننا مُحدد الجهات بحدود طبيعية.. ورغم ذلك يدورالبعض حول أوهام وخيالات يُطلقون عليها (الاتحاد العربى) أو(الجامعة الإسلامية) ولكن يجب علينا تنقية عناصرالصفات التى تولدتْ من نقص الاعتقاد بمصريتنا، أى أنّ لنا وجودًا خاصًا ومنافع يجب علينا تحصيلها. وذكرأنه فى سنة1911زارمصروفد من الشام، ودارحديث الشوام حول (مشروع جامعة عربية) وقال بعضهم إنّ ((مصرفيما مال.. وسوريا فيها رجال)) لإقناعى بعمل وحدة بين سوريا ومصر، ولكننى قلت: إنّ مصرللمصريين. وأنّ المصرى (الحقيقى) هوالذى لايعرف له وطنـًـا آخرغيرمصر. أما الذى له وطنان- يقيم فى مصر، ويتخذ له وطنــًـا آخرعلى سبيل الاحتياط ، فبعيد عليه أنْ يكون مصريـًـا بمعنى الكلمة.. كنتُ أريد أنْ يتحمل كل قاطن فى مصرمن الواجبات ما يتحمله المصريون لتحقيق القومية المصرية. ولذلك فأنا لا أوافق على كيان وهمى اسمه (الجامعة الإسلامية) أوكيان وهمى آخراسمه (الجامعة العربية) فأنا أدعوإلى (الجامعة المصرية) (قصة حياتى- مصدرسابق- ص107)
وكان محمد فريد وجدى أحد المدافعين عن فكرة الجامعة الإسلامية، فردّ (فؤاد فلتاؤوس) عليه بمقال بعنوان (الوطنية والدين ووجوب الفصل بينهما) قال فيه ((إنّ الدين هوعلاقتى بالله جل ثناه، والذى يعلم ما ظهرمنى وما بطن. والسياسة هى علاقتى بالناس فيما يسعد البلاد ويخلصها من أمراضها وعللها. ومصرلن تستقل إلاّ بعد أنْ تتحد كلمة أبنائها (من المسلمين والمسيحيين) وأنّ من ينادى بالجامعة الإسلامية، ينسى أنّ العقلاء الذين يقولون: مصريون قبل كل شىء، لايدعون الناس إلى هجرة الدين، ولكنهم يحظرون ويحذرون من خلطه بالسياسة، لأنّ أخطرشىء هومزج السياسة بالدين (صابرنايل- العلمانية فى مصر- ص220)
وكتب سلامة موسى أنّ مصرهى أصل حضارة العالم القديم كله، والمصرى يمتازبأنه يُنير أذهاننا عن نشوء الحضارات. ونحن عندما نخلع نفسنا من الشرق، لانفعل ذلك لكى نعود إلى (وطنية فرعونية) كلا. إنما نريد ((وطنية مصرية حديثة، تنتهج منهج القرن العشرين فى الوطنية والقوميات. وتسيرعلى مبادىء أوروبا فيها)) (سلامة موسى فى كتابه "اليوم والغد"-ص241)
وردّ د. محمد حسين هيكل على الذين قالوا إنّ المصريين أقرب إلى العرب أوالرومان، فقال هذا غيرصحيح، حيث أنّ هناك اتصالابين مصرالقديمة ومصرالحديثة، وهواتصال وثيق، وقد تأكد فى مظاهرعديدة، منها أنّ الطقوس الدينية للمسلمين والمسيحيين (المصريين) أخذتْ الكثيرمن الطقوس الفرعونية، والكثيرمن الأساطيروالعقائد والعادات، وكل ذلك يمت بصلة وثيقة للفراعنة. ومن ثم فعلينا أنْ نبث فى الشعب روح القومية. وأنْ ندرس الأدب الفرعونى فهو- قبل كل شىء- تراث الأجداد (ثورة الأدب- ص148) وكتب حافظ محمود أنّ القول بمجد المصريين للمصريين، ليس فيه خروج على الدين.. فالشعوب الأوروبية تعتنق (المسيحية) ولكنهم لايقولون (قومية مسيحية) وشاركه توفيق الحكيم فى رأيه وأضاف: إنّ اختلاط المصريين بالعرب، كاد أنْ يُنسينا أنّ لنا روحـًـا خاصة، ولابد أنْ نعرف من المصرى ومن العربى، ولذلك خصّص لهذا الموضوع فصلا كاملا فى كتابه (تحت شمس الفكر- دارسعد للطباعة والنشر- ط3 عام1945)
***








اخر الافلام

.. بابا الفاتيكان فرنسيس يقيم قداسا في استاد الدفاع الجوي بالقا


.. البابا فرانسيس يزور الكنيسة البطرسية التي فجرها -داعش- في ال


.. بابا الفاتيكان في زيارة رسمية لمصر




.. بابا الفاتيكان في ضيافة مصر


.. هل تعتبر الأمم المتحدة الإخوان في ليبيا جماعة إرهابية؟