الحوار المتمدن - موبايل



عندما نتكلم عن علي في ذكرى ميلاده

عباس علي العلي

2017 / 4 / 11
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


عندما نتكلم عن علي


من يعرف عليا عليه أن يعرف حقيقة واحدة، هي أن العقل الإنساني حينما يتحرر من طوق الجسد وضرورات المادة يمكن أن يكون أستثناء خارج مدى المتوقع والممكن، علي ليس إماما فقط أو قائدا إسلاميا وخليفة، فهو بهما أو بدونهما يبقى الظاهرة التي لا تتكرر ولا يمكن أن تعود، فقد عرف وجوده جوهريا قبل أن يعرف الأخرون مجرد بناء هذه الكلمة وما تعني، لذا ضل طوال حياه يشرح للناس ويثقف ويتأمل ويسبر أغوار المخيفة من الأفكار وهو واثق من عقله، قد يكون الله قد منحه ميزة أضافية، ولكن أيضا هناك أكثر من فرد منح تلك الفرصة، ولكن عليا سخرها لأجل الإنسان وفي طريقه بسط كل ما يعرف ولم يبخل بعلمه على أحد، لذا فما يعرف عنه أقل بكثير مما لا يعرف غير أنه شجاع وفقيه وعادل ومحارب من الطراز الذي يندر في وجوده، كل هذه الصفات تبقى إنعكاسا لمعرفته وفرعا من روحانيته ولكن الأساس الأول أنه كان فوق مستوى وعينا وفوق مستوى إدراكنا له.
لقد كان لولادة علي في مكة وفي مجتمع يبدو لنا من منظار زمني بعيد نوعما شبه أقطاعية أستبدادية شعارها (السيد والرب أنا) كمفارقة تأريخية جاءت على موعد مع حدث أخر، حدث سيكون مفتاح لتبدلات كونية وتغيرات على غير نمط المعتاد، إرهاصات التغيير وأدواتها قد أستحضرت وفق رؤية كونية سابقة وفوقية، ولكن كواقع حال يبدو أن المفارقة هذه ستولد بعد حين وهي لا تملك جذر يساعدها على البقاء وملتصقة بالواقع، فلا مكة مهيأة لأن تبيع هويتها لهذا التحول ولا قادرة أن تتجنب أعصار التحول ومده التسونامي، فأختار سلاحها الطبيعي سلاح الأنا المتضخمة (القتل أو الشراء) وكلاهما لا يمكن لعلي أن يقبلهما، ولا يمكن لعلي أن يتعامل بهما خارج نطاق معرفته الكلية ووعيه المطلق، لذا تحول عليا وإن كان مكيا قرشيا إلى العدو رقم واحد لمكة وقريش وأحلافها وأنصارها ومن يؤمن (أن لا نسب إلا لقريش ولا وطن إلا مكة).
هذا التناقض شكل واحدة من إشكاليات علي في الوجود وواحدة من أساسيات التغريب التي عانى منها في حياته وبعد رحيله المبكر، فهو ولد في خضم طفرة وجودية وبلا غطاء موضوعي يفهم من هو علي ولماذا صار أستثنائيا في زمن عاقر بالفكر والمعرفة، صحيح أنه كان ربيب النبوة ومحل العناية منها، لكنه أيضا تحمل كل وزر العناد والرفض والإقصاء وكأنهم ينتقمون من الله الذي بعث الإسلام بالأنتقام منه شخصيا، ليس هذا فقط بل حاولوا في مرحلة تسقيطية لاحقة أن يجعلوه مساويا لغيره من رعاة الأبل وأبناء النكرات ليكون سلاحهم القادم أن لا فضل له ولا ميزة سوى أنه رجل من الصحابة، هذا الموقف لم يمر مرور الكرام في مجتمع متصارع مع ذاته ومع وجوده ومناقض لكل منطقية تعقلية، فقد أنبرى من يحبه ويواليه ودفاعا عنه كما يظنون أن ألهوه وقدموه على أنه إرادة السماء كاملة وجردوه من إنسانيته الطبيعية ونسبوا له المحال.
علي قد يكون عند الكثير رجل إشكالي جدلي بروحه الإنسانية المفعة بكل ما هو طبيعي وغير متكلف، ولم يقيم معرفيا بقدر ما قدمه محبوه وأعداءه على السواء كإنسان خارج القدرة على الفهم، المثير في قضية علي أنه ولد في مجتمع جاهل تنعدم فيه مصادر العلم والمعرفة والتنوير، ومع ذلك كان واحدا من أعاظم ما منح الوجود من معرفة لليوم تستصعب على الكثيرين في تدبرها وفهمها، لو كان الدين وحده هو مصدر معرفته لما خرج علينا بهذه الضخامة من الرصيد المعرفي والفلسفي مع وجود الكثيرين من الذين تخرجوا من نفس المدرسة الدينية وبنفس الظروف المعرفية، هذه أيضا إشكالية جدلية في كيفية بناء معرفته العلمية والحكمة التي ينطق بها من دون أن يكون هنالك من حاضنة طبيعية مهيأة لأن تنتج لنا مثالا حيا أخر له.
لست مغاليا ولا مدعيا أن منتج علي المعرفي اليوم يبقى محدودا في طيات الفهم الديني لمحبيه وقراءه، ويربطون دوما بينه وبين الإسلام على النحو الذي يعتبرونه هو الناطق الحقيقي له، هذا فخر حقيقي ولكنها ليست الحقيقة كاملة بأوجهها المتعددة، البحث عن علي في الدين أو البحث عن الدين من طريق علي هو جانب واحد من شخصيته العامة ومن نمطية ونسقية تفكيره الحر، نعم كان عليا مثالا للمؤمن الكامل بإيمانه بالإسلام وكان يدا وعقلا وبصيره لرفاقه في الدين الجديد، لكنه أيضا تميز بوعي عميق عبر مقولاته الإنسانية التي أبحر بها بعيدا عنهم ووحيدا في عالم المعرفة والعرفان الكامل، فالناس والإنسان عند علي واحد مؤمنا أو كافرا فهو يرى فيه أو فيهم الحقيقة المطلقة ( الإنسان أخو الإنسان إن لم يكن أخا لك في الدين فهو نظير لك بالخلق)، هذه الفلسفة تطرح فهما متقدما لماهية الإنسان وكيفية التعاط مع الأخر المختلف على قاعدة أن الإنسانية هي الدين المطلق وكل ما عداها تفرعات فهمية ومعرفية لهذه القاعدة الجامعة والحاوية لكل معاني أن يكون الإنسان إنسانا واحدا.
على أعداء علي قبل محبية اليوم أن يحاولوا أن يقتربوا من الرجل كإنسان وليس كخصم ديني أو رمز إيماني يختلفون مع دينه أو عقيدته، فهو كإنسان لم يأخذه الدين لجانبه كليا ليكون متشخصنا به ولم يجره إبمانه لرفض الأخر وممعاداته، من هنا أود التذكير بأهمية علي كمعرفة وعلم وحكمة إنسانية فوق رغباتنا وأقدر على فهمنها حتى من أعاظم مفكرينا، لأنه يقدم نفسه إلينا محبين وخصوم كعامل مشترك يتساوى عنده الكل في تكوينهم وماهياتهم الطبيعية، لذا نجد كثيرا ممن لا يؤمن بدين علي يؤمن به شخصيا وهو على قرب أكبر وأدق من يدعون محبته، المسألة ليست شخصية ولا هي رغبة في الإعجاب برجل أسطوري، ولكنها بالحقيقة رغبة في البحث عن أنفسنا في فكره ومعرفته وإنسانيته، حتى لو تطلب الأمر أن نترك قناعاتنا الدينية جانبا ونستمع له كتلاميذ صغار في حضرة حكيم مقتدر.
في ذكراه اليوم جليا بنا نحن محبوه ومن عشقناه أن نتخلص من رداء العشق الإرثي والإعجاب الفارغ دون أن نرسم خطواتنا بفيض من أفكاره، ونعدل برمجياتنا العقلية والسلوكية لنقارب محتوى رسالته للناس ومحبته للجميع، لو كان عليا بيننا اليوم لا يتردد أن يقول ذات الكلمة التي قالها بالأمس لمناصريه وهو يراهم قلوبا بلا وعي وعقول جيشتها العاطفة (لقد ملئتم قلبي قيحا)، أجزم أنه لا يريد أن يكون بيننا اليوم بعد الف وأربعمائة عام تركنا فيها ولم نتغير ولم نتبدل ولم نقترب منه كما ينبغي، هو علي ذاته الذي تمنى اللحاق بربه سريعا بعد أن رأي كل البنيان الذي أشاده سنين طويله يهدمه من كان له سندا وحماية بجهل أو قلة علم أو معاندة، جازما أقول أن عليا لم يتغير عنا ونحن لم نتغير عنه والحال يبقى عصيا على الحل حتى نضع حياته وفكره وعلمه في مقدمة المعرفة الواجبة والضرورية وننهض ليس لتقديسه بل لتقديس عقولنا ونحترم إرادتها في التحرر، عند ذاك سيولد الف علي بيننا مع فارق التكوين وفارق العنوان.







اخر الافلام

.. أخبار عربية - #قتلى وجرحى في إنفجار مخزن للذخائر وسط #عدن


.. أخبار عالمية - #حداد في #أفغانستان بعد مقتل 140 جندياً في هج


.. أخبار عربية - #داعش إستخدم قذائف هاون محملة بغاز الخردل السا




.. 46 مليون ناخب يقررون مصير سيد الإليزيه الجديد


.. نشرة الإشارة الأولى 2017/4/23