الحوار المتمدن - موبايل



مشروع قانون مالية 2017: هل تكلف صندوق النقد الدولي بإعداده لتقوم الحكومة بتحريره؟

رضا الهمادي

2017 / 4 / 11
الادارة و الاقتصاد


بعد أن اتضحت معالم مشروع قانون مالية 2017، و بعد مطالعة أولية للأرقام التي تضمنها، هناك العديد من الملاحظات و الأسئلة التي يطرحها هذا المشروع:

أولا: توقع هذا المشروع تحقيق المغرب لنسبة نمو 4.5% سنة 2017 رغم أن نسبة نمو 2016 لن تتجاوز 1.8%. فماذا تغير بين السنتين؟ رغم استمرار ركود و جمود الطلب الداخلي، و كذلك الطلب الخارجي المرتبط بشدة بنسب نمو دول الاتحاد الأوروبي. و رغم توقع ارتفاع طفيف في أسعار المحروقات في الأسواق الدولية سنة 2017 و هو ما له تأثير عكسي على نسب النمو للدول المستوردة لها. و ما يزيد في الاعتقاد بصعوبة تحقيق هذا الرقم هو مطالعة نسب النمو المتوقعة لمجموعة من القطاعات والتي كانت مجملها مغرقة في التفاؤل، فعلى سبيل المثال لا الحصر يبقى توقع نمو +2.5% في قطاع البناء و الأشغال العمومية بعيد المنال، و حتى بافتراض تحقيق القطاعات غير الفلاحية مجتمعة نسبة نمو +3.5%، فإن تحقيق نسبة نمو إجمالية تصل 4.5% تبقى مشروطة بتحقيق القطاع الفلاحى نسبة نمو 11.9%، و هو ما يعني دائما حسب مشروع قانون المالية تحقيق +109% في محصول الحبوب!!

بعبارة أخرى، رهن مشروع قانون المالية نسبة النمو بالقطاع الفلاحي و بالمناخ و الأمطار بشكل أكبر من السنوات الماضية، و هذه النسبة معرضة للانهيار في حالة إن عاشت بلادنا سنة جافة أو سنة متوسطة فلاحيا.

ثانيا: رفع ميزانية الاستثمار ب 5.5% هو شيء مهم يظهر أن الدولة تواصل السير على نفس النهج الاستثماري و هو ما يشكل سوقا للمقاولات الصغيرة و المتوسطة، كما يساهم في خلق ملايين أيام العمل و توفير مجموعة من البنيات التحتية و آليات استقبال للاستثمارات الاجنبية. لكن من الواجب تقييم نجاعة و حكامة الاستثمارات العمومية كونها لم تحقق نسب النمو المتوخاة و كونها لم تخلق الدينامية الاقتصادية المرجوة منها بعد 15 سنة متتالية من اعتماد سياسة الأوراش الكبرى، و كون النموذج الاقتصادي الحالي المبني بشكل كبير على الطلب الداخلي استنفذ مداه، مما يجعل استعجالية التحول و البحث عن مصادر جديدة للنمو الاقتصادي و خلق الثروة كالصناعات الموجهة للتصدير كضرورة ملحة.

ثالثا: و هذه هي النقطة التي سنفصل فيها بشكل كبير. يعاب على هذا المشروع بشكل كبير توخيه التحكم في القطاعات الاجتماعية التي تعتبرها الحكومة و كذلك صندوق النقد الدولي أعباء و قطاعات غير منتجة تستنفذ ميزانية الدولة، فميزانية الصحة سجلت انخفاضا بناقص 1.6%، و ميزانية التعليم و التكوين المهني سجلت انخفاضا بناقص 2.42% بعد أن سجلت انخفاضات متوالية سنوات 2015 و 2016 رغم الارتفاع الكبير و المهول في عدد التلاميذ المسجل سنة 2015 و 2016 و الانفجار الكبير الذي يعرفه الطلب الاجتماعي بشكل عام ببلادنا. و هو ما يكشف بشكل كبير انخراط الحكومة بشكل كلي في التنفيذ الحرفي لتعليمات صندوق النقد الدولي.

فمن المعلوم أن حكومة عبد الإله بنكيران هي الحكومة الوحيدة في تاريخ المغرب التي حصلت على 3 خطوط مالية مجموعها 15 مليار دولار، و هي طبعا مشروطة بمجموعة من التوصيات كان من بينها طبعا توصيات مفيدة للاقتصاد الوطني كإصلاح صندوق المقاصة و صندوق التقاعد رغم وجود مجموعة من التحفظات حول تفاصيل إصلاح صندوق المقاصة و خصوصا تحرير أسعار المحروقات بشكل عشوائي. ثم هناك توصيات لم تخرج بعد لحيز الوجود كدعم القطاع الخاص و تنمية الرأسمال البشري و مطالبة صندوق النقد بمرونة أكثر في أسعار الصرف و هو ما قد يضر كثيرا بالاقتصاد الوطني في حالة عدم التأني و اختيار الطريقة المناسبة لتحرير أسعار الصرف. لكن التوصيات الأكثر خطوة لهذه المؤسسة و التي انصاعت لها الحكومة بشكل كلي، هو مطالبتها بالرفع التناسبي من الضريبة على الدخل و هو اختيار اقتصادي غير صائب بالمرة في هذه الظرفية الاقتصادية، و قد يزيد من احتداد نسب التهرب الضريبي أو كسر الوعاء الضريبي بالمرة. ثم هناك توصية خطيرة متعلقة بتقليص الإنفاق العام بشكل عام ووقف التوظيف إلا للضرورة، و هو ما أدى إلى التضحية بالقطاعات الاجتماعية بالشكل الذي نراه الآن. كان من المفروض الحفاظ على نفس الانفاق العام و التحكم فيه عوضا عن خفضه و لكن مع توجيه المجهود نحو الحكامة في الموارد و في مصاريف القطاع العمومي مع تحسين مردوديته و تنافسيته ثم جودة خدماته، كون الطلب الاجتماعي الذي يعرف ارتفاعا مضطردا لا يحتمل خفضا في ميزانية قطاعاته. فبشكل عام، هذه التوصيات لا تحسن من أحوال الطبقات الهشة رغم أن المواطن البسيط يدفعها و يمولها من جيبه و هو ما يجعلها مغرقة في الليبرالية.

رابعا: تبدو بعض الإجراءات الضريبية الجديدة غير مفهومة، و في حالات خاصة تناقضت هذه الإجراءات مع سياسات سابقة و ضربت مفعولها في العمق. فعلى سبيل المثال لا الحصر، رغم تحفظ الدولة و عدم اعترافها بشكل رسمي بوجود أزمة خانقة في قطاع العقار، قدم بنك المغرب تشجيعات كبيرة للأبناك لضخ جزء من سيولتها في الدورة الاقتصادية عن طريق القروض كان أبرزها خفض سعر الفائدة المرجعي، و قد خصص جزء كبير من هذه القروض للسكن. و قد مكنت هذه الإجراءات من التقليل من وقع أزمة القروض على الأبناك و من التقليل أيضا من وقع أزمة العقار الذي يعرف جمودا كبيرا و الذي يبقى السكن الاجتماعي طوق نجاته الوحيد. لكن للأسف ضربت الحكومة كل هذه الجهود في عمقها بإجراء الرفع من رسوم التسجيل على عمليات اقتناء سكن جديد بما فيه السكن الاجتماعي و هو ما سيؤدي حتما إلى احتداد أزمة العقار مرة أخرى رغم اعتماد بعض الاجراءات التبسيطية كإلغاء شهادة عدم الملكية. و هو ما يكشف التناقض و عدم التنسيق الذي يطبع عمل مختلف مصالح و أجنحة الإدارة المغربية بينها و غياب نظرة شمولية للدولة في معالجة مجموعة من الملفات.

خامسا : لا بد من تثمين الزيادة الاستثنائية لوزارة الشباب و الرياضة بالثلث، و الخفض الكبير لميزانية وزارة الشؤون العامة و الحكامة ب الربع تقريبا، رغم أن هذين الرقمين معزولين لا يعكسان توجها عاما في مشروع قانون الميزانية للعناية بقطاع الشباب و الرياضة أو لخفض ميزانية التسيير في القطاع الحكومي (اتحدث عن ميزانية التسيير و ليس عن الانفاق العمومي بشكل عام).

في الأخير لا يسعنا إلا أن نذكر بأن هذه الملاحظات ما هي إلا قراءة أولية في أبرز النقاط التي أثارت انتباهنا بخصوص مشروع قانون مالية 2017. و أن القراءة المتأنية لهذا المشروع هي موضوع التقرير السنوي للمرصد المغربي للسياسات العمومية الذي لا زال في طور الإنجاز.

رضا الهمادي
رئيس المرصد المغربي للسياسات العمومية







اخر الافلام

.. اقتصادهن يستضيف أحد أشهر المؤثرات على مواقع التواصل الاجتماع


.. وزير التموين: مصر مرت بظروف صعبة والانفراجة الاقتصادية بعد 6


.. النشرة الاقتصادية الثانية 2017/11/17




.. ترويج الاقتصاد والناس


.. منصات شبابية جديدة بدأت تأخذ دورها في إحداث التغيير الاقتصاد