الحوار المتمدن - موبايل



ابن خلدون والأحوذي يردان على رشيد المغربي

أبو مريم الشمالي

2017 / 4 / 11
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


في موقعه الرسمي على الإنترنت نشر الزميل الكاتب المتنصر المغربي المعروف الأستاذ رشيد مقالا للكاتب الأستاذ ثروت البطاوي حمل عنوان :
من سيبويه إلى ابن جني والزمخشري... جهابذة العربية ليسوا عرباً

وهذا رابط الموقع الرسمي للأستاذ رشيد المغربي المختص بنشر المقالات ؛ ولا أعلم سقف حريته في الرأي الآخر المخالف له !

http://v1.brotherrachid.com/ar-jo/

وهذا رابط المقال

http://v1.brotherrachid.com/ar-jo/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA/ArticleID/396/%D9%85%D9%86-%D8%B3%D9%8A%D8%A8%D9%88%D9%8A%D9%87-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D8%A8%D9%86-%D8%AC%D9%86%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%85%D8%AE%D8%B4%D8%B1%D9%8A-%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%A8%D8%B0%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%8A%D8%B3%D9%88%D8%A7-%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D8%A7%D9%8B

وجاء فيه :
ثروت البطاوي

كثيرون ممن أسهموا في بناء الصرح البديع للغة العربية، ووضعوا قواعده وشيدوا بنيانه، لم يكونوا من العرب. مفارقة فريدة من نوعها ربما في التراث الإنساني بأكمله. فمن سيبويه الذي يعد كتابه دستور اللغة أول وأروع تدوين وتصنيف لقواعدها النحوية، إلى ابن جني الذي وضع نواة فقه اللغة، مروراً بالجرجاني مؤسس علم البلاغة، وصولاً للفيروزآبادي صاحب القاموس المحيط، كان العديد من جهابذة العربية من أصول غير عربية تنوعت بين الفارسية والرومية وصولاً إلى بربر المغرب العربي الذي نبغ فيهم الجزولي صاحب مقدمة النحو الشهيرة.
سيبويه: دستور العربية
هو إمام النحاة وأول من بسط علم النحو، وصاحب مؤلف "الكتاب" الذي يعد حجة اللغة العربية ودستورها، وأول كتاب منهجي ينسق ويدون قواعد العربية. إنه أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر الملقب بـ"سيبويه" (765–796م)، وهو من أسرة فارسية، ولد بقرية البيضاء بشيراز ورحلت أسرته إلى البصرة حيث نشأ وتعلم بها. واتجه في البداية إلى دراسة الفقه والحديث، ثم تحوّل لدراسة النحو على يد الخليل بن أحمد.
سمي بسيبويه، الذي يعني بالفارسية رائحة التفاح لحمرة وجنتيه وجماله، وقد توفي شاباً في شيراز بعد أن رحل إليها حزيناً عقب مناظرته الشهيرة مع الكسائي في بغداد.
يقع كتاب سيبويه الشهير في جزأين: الجزء الأول موضوعه مباحث النحو، والجزء الثاني يتناول الممنوع من الصرف والنسب والإضافة والتصغير وكل ما يتعلق بعلم الصرف.
واشتمل الكتاب، الذي قيل عنه إنه لم يصنع قبله ولا بعده مثله في النحو، كل ما يتعلق بالمجاز والمعاني وضرورات الشعر وتعريب اللغة الأعجمية ومباحث الأصوات العربية.
ابن جني: فقيه اللغة
يعد أعظم العلماء الذين قدمـوا نموذجاً مشرقاً لمباحث اللغة في التراث العربي المعرفي، وقدم دراسات كانت ولا تزال لها فاعليتها في الثقافة اللغوية، والنشاط الفكري، وبحث مسألة نشأة اللغة، وأوضح أن اللغة أكثرها مجاز صار في حكم الحقيقة، وتحدث عن لغات العرب وغيرهم، وتبين مؤلفاته العظيمة نبوغه الفذّ، مثل: الخصائص، وسر صناعة الإعراب، والمنصف في شرح تصريف أبي عثمان المازني.
إنه أبو الفتح، عثمان بن جِنّي الموصلي النحوي اللغوي (941–1002م)، من أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف، وصاحب التصانيف الفائقة المتداولة في اللغة. أبوه (جني) كان عبداً روميّاً مملوكاً لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي الموصلي، ولم يُعرف عنه شيء قبل مجيئه الموصل.
وبحث ابن جني في كتابه "الخصائص"، قضايا كثيرة حول أصل الألفاظ واستعمالاتها المختلفة، ممهداً بذلك لعلم "فقه اللغة".
وأثبت فقيه العربية الكثير من النظريات اللغوية، منها ان "أصل اللغات هو الأصوات المسموعة"، و"نظرية تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني"، و"نظرية الاشتقاق الأكبر".
أبوعلي الفارسي: إيضاح القواعد
يعتبر من أفذاذ علماء العربيَّة في القرن الرابع الهجري، وأنْحى مَن جاء بعد سيبويه، وذلك لشخصيته المستقلَّة، المتفرِّدة في تقديم آراء اختلفت عن السابقين، وأثَّرت في اللاحقين.
إنه "أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن سليمان"، المعروف بـ"أبو علي الفارسي"، (900–987م). ولد في بلدة فسا، بإيران حاليا، لأبٍ فارسي، وأم عربية.
رحل إلى بغداد وتجوّل في كثير من البلدان، وأقام بحلب، ثمّ عاد إلى فارس، فصحب ملك شيراز عضد الدولة ابن بويه، وتقدم عنده، فعلمه النحو، وصنف له كتاب (الإيضاح) في قواعد العربية.
ترك أبو علي الفارسي تراثاً حافلاً، من الكتب منها "التذكرة" في علوم العربية (عشرون مجلداً)، "تعاليق سيبويه" (جزآن)، “الشعر"، "الحجة " (في عِلل القراءات)، "جواهر النحو"، "الإغفال في ما أغفله الزجاج من المعاني"، "المقصور والممدود"، "العوامل" (في النحو).
أحمد ابن فارس: مقاييس اللغة
هو أحمد بن فارس بن زكريا، أبو الحسين الرَّازيُّ القزويني، المعروف بالرازي المالكي اللغوي (941–1004م)، أصله فارسي من قزوين، وأقام مدة في همذان، ثم انتقل إلى الري فتوفي فيها، وإليها نسبته.
من أهم مؤلفاته كتاب المجمل، ومتخير الألفاظ، وفقه اللغة، وغريب إعراب القرآن، وتفسير أسماء النبي، ومقدمة نحو، ودارات العرب، ومقاييس اللغة. صنف ابن فارس كتباً كثيرة في اللغة والفقه والسيرة ولكن الغالب عليها اللغة.
ومن بين كتب المعاجم التي وضعت في اللغة، انفرد ابن فارس في معجميه "المجمل" و"المقاييس" بطريقة خاصة تنسب إليه وحده، فإضافة إلى اتباعه الابجدية العادية انفرد بفكرتي الأصول والمقاييس لجميع مفردات اللغة.
تميز ابن فارس بغزارة المادة اللغوية التي ظهرت من خلال تناوله لبعض المسائل اللغوية، وجاءت دراسته شاملة لمستويات اللغة الأربعة: المستوى الصوتي، والصرفي، والنحوي، والدلالي، فضلاً عن الظواهر اللغوية التي تناولها كالنحت والأضداد والترادف والإتباع وغيرها.
الزمخشري: العربية سبيل الريادة
هو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري (1074–1143م)، ويلقب بالإمام الكبير في التفسير، والحديث والنحو واللغة وعلم البيان، اطلق عليه لقب "جار الله الزمخشري"، لأنه سافر إلى مكة وسكن بها زماناً.
ولد من أصل فارسي ببلدة زمخشر بخوارزم بآسيا الوسطى، أوزبكستان حالياً، وكانت المنطقة التي نشأ بها متعددة اللغات، فيما كانت العربية لغة الصفوة من العلماء، واللغة المنشودة لكل من أراد العلم وفنونه ومن تطلع إلى امتزاج كيانه بالإسلام.
فكانت اللغة العربية هي سبيل الزمخشري إلى كل هذه العلوم التي برع فيها ووضع بها مؤلفاته العظيمة، فانصب تفسيره الشهير "الكشاف" على بلاغة القرآن وتراكيبه اللغوية.
ويعد معجمه "أساس البلاغة" من أهم كتبه، ومن أعظم قواميس اللغة العربية. ويحتوي على التعابير البليغة عند العرب، والمجازات اللغوية والمزايا الأدبية، وبين فيه الحقيقة من المجاز في الألفاظ المستعملة إفراداً وتركيباً.
الجرجاني: تأسيس علم البلاغة
و"دلائل الإعجاز" من أهم المؤلفات العربية في هذا المجال.
استقطبت كتاباته ونظرياته في البلاغة وفقه اللغة اهتمام عدد كبير من الباحثين والدراسين، نظراً لتركيزه كثيراً على منطق اللغة أو عقلنتها وميله الواضح لأولوية المعنى على اللفظ.
إنه أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني (1009–1078م)، الذي نشأ من أصل فارسي في أسرة رقيقة الحال بمدينة جرجان بإيران حالياً.
يعتبر كثير من البلاغيين أن كتابه "دلائل الإعجاز" هو الكتاب الأول في بيان الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم، وتعد نظرية النظم أهم نظرياته اللغوية وتتلخص في أن الكلمات المفردة لا معنى لها إن لم تنتظم في سياق تركيبي، وهو النحو، وأن معنى الكلمة تكتسبه خلال السياق التركيبي هي التي يقصدها المتحدث، وتختلف تلك المعاني وفقاً للسياق الذي تنتظم فيه الكلمة.
الفيروز آبادي: القاموس المحيط
صاحب القاموس المحيط، هو محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر، أبو طاهر، مجد الدين الشيرازي الفيروزآبادي، (1329–1415 م)، الذي يعد من أئمة اللغة والادب، ولد ببلدة بكارزين بشيراز في إيران حالياً، واشتهر بالفيروز آبادي نسبة إلى “فيروز آباد” وهي مدينة جنوب شيراز كان منها أبوه وجده.
ذاعت شهرة معجمه "القاموس المحيط" حتى كادت كلمة "القاموس" التي تعني معظم ماء البحر، تحل محل "المعجم"، إذ حسب كثير من الناس أنهما لفظان مترادفان، وذلك لكثرة تداول معجمه وانتشاره.
عرف الفيروز آبادي بعلمه وثقافته الواسعة، وكان متمكناً من اللغتين العربية والفارسية، وصب اهتمامه على دراسة اللغة وعلومها، واشتهر بحبه الشديد لاقتناء الكتب وقراءتها.
وترك صاحب القاموس المحيط نحو 60 كتاباً في علوم القرآن الكريم والحديث الشريف واللغة والنحو.
"الجنسية" العربية
يقول الدكتور خالد فهمي، أستاذ اللغويات في كلية الآداب جامعة المنوفية والخبير في مجمع اللغة العربية، لرصيف22، إن المفارقة تكمن في أن الكثير من أئمة العربية ليسوا عرباً "بمعاييرنا اليوم". وأوضح فهمي أن علماء النحو واللغة كسيبويه وابن جني وغيرهما تفوقوا بقدرتهم على الكلام والفهم والإنجاز باللسان العربي، وجاء تميزهم في العلم باستثمار الميراث الحضاري المعرفي الذي ورثوه وأضافوا له وطوّروه.
أعاجم العباسيين
وبين الدكتور محروس بريك، الأستاذ المشارك بقسم اللغة العربية بجامعة قطر، أن نهضة العلوم العربية بدأت مع رواد عرب، كان من أوائلهم الخليل بن أحمد، المنشئ لعلم النحو، وصاحب أول معجم في العربية، وواضع علم العَروض، وأضاف أن عالماً آخر من علماء العربية الكبار هو يونس بن حبيب المتوفى 798م، عاصره.
وتابع: كان أشهر رواة الشعر من العرب الأصمعي، كل أولئك النَّفَر من العلماء العرب برعوا تحت ظل الدولة العباسية، وقد طلب العلم على أولئك الجيل من الرواد جيل آخر كثير منه من غير العرب، مثل سيبويه وابن جني وغيرهما، وبعض هؤلاء من غير العرب وفد إلى حواضر الدولة العباسية (بغداد والكوفة والبصرة) وبعضهم وُلِد ونشأ وترعرع بين العرب إلا أن أصوله غير عربية.
وأرجع بريك السبب في بزوغ نجم هؤلاء العلماء إلى أن الدولة العباسية، بازدهارها وتوسعها، جذبت علماء من جميع أصقاع العالم، وترعرع على أراضيها أبناء الفرس والأعاجم وتلقوا العلم في شتى المعارف. وأضاف لرصيف22: "كما طلب كثير من الفرس العلم لأنه كان الباب الكبير للترقي في السلم الاجتماعي بالدولة العباسية، وود كثير منهم أن يُسهم في بناء الدولة الإسلامية تحت راية العباسيين، وبخاصة أن تلك العلوم التي برعوا فيها كانت لها علاقة بالقرآن (كتاب العربية الأول)، والمؤكد أن فضل هؤلاء على العربية وأهلها لا ينكره إلا جاحد".

ابن خلدون
يقول ابن خلدون في مقدمة تاريخه (الصفحة 747 وما بعدها):
الفصل الثالث والأربعون في أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم:
من الغريب الواقع أنّ حملة العلم في الملّة الإسلاميّة أكثرهم العجم لا من العلوم الشّرعيّة ولا من العلوم العقليّة إلّا في القليل النّادر. وإن كان منهم العربيّ في نسبته فهو أعجميّ في لغته ومرباه ومشيخته مع أنّ الملّة عربيّة وصاحب شريعتها عربيّ. والسّبب في ذلك أنّ الملّة في أوّلها لم يكن فيها علم ولا صناعة لمقتضى أحوال السّذاجة والبداوة وإنّما أحكام الشّريعة الّتي هي أوامر الله ونواهيه كان الرّجال ينقلونها في صدورهم وقد عرفوا مأخذها من الكتاب والسّنّة بما تلقّوه من صاحب الشّرع وأصحابه. والقوم يومئذ عرب لم يعرفوا أمر التّعليم والتّأليف والتّدوين ولا دفعوا إليه ولا دعتهم إليه حاجة. وجرى الأمر على ذلك زمن الصّحابة والتّابعين وكانوا يسمّون المختصّين بحمل ذلك. ونقله إلى القرّاء أي الّذين يقرؤون الكتاب وليسوا أمّيّين لأنّ الأمّيّة يومئذ صفة عامّة في الصّحابة بما كانوا عربا فقيل لحملة القرآن يومئذ قرّاء إشارة إلى هذا. فهم قرّاء لكتاب الله والسّنّة المأثورة عن الله لأنّهم لم يعرفوا الأحكام الشّرعيّة إلّا منه ومن الحديث الّذي هو في غالب موارده تفسير له وشرح. قال صلّى الله عليه وسلّم: «تركت فيكم أمرين لن تضلّوا ما تمسّكتم بهما: كتاب الله وسنّتي» . فلمّا بعد النّقل من لدن دولة الرّشيد فما بعد احتيج إلى وضع التّفاسير القرآنيّة وتقييد الحديث مخافة ضياعه ثمّ احتيج إلى معرفة الأسانيد وتعديل النّاقلين [1] للتّمييز بين الصّحيح من الأسانيد وما دونه ثمّ كثر استخراج أحكام الواقعات من الكتاب والسّنّة وفسد مع ذلك اللّسان فاحتيج إلى وضع القوانين النّحويّة وصارت العلوم الشّرعيّة كلّها ملكات في الاستنباطات والاستخراج والتّنظير والقياس واحتاجت [2] إلى علوم أخرى وهي الوسائل لها من معرفة قوانين العربيّة وقوانين ذلك الاستنباط والقياس والذّبّ عن العقائد الإيمانيّة بالأدلّة لكثرة البدع والإلحاد فصارت هذه العلوم كلّها علوما ذات ملكات محتاجة إلى التّعليم فاندرجت في جملة الصّنائع. وقد كنّا قدّمنا أنّ الصّنائع من منتحل الحضر وأنّ العرب أبعد النّاس عنها فصارت العلوم لذلك حضريّة وبعد عنها العرب وعن سوقها. والحضر لذلك العهد هم العجم أو من هم في معناهم من الموالي وأهل الحواضر الّذين هم يومئذ تبع للعجم في الحضارة وأحوالها من الصّنائع والحرف لأنّهم أقوم على ذلك للحضارة الرّاسخة فيهم منذ دولة الفرس فكان صاحب صناعة النّحو سيبويه والفارسيّ من بعده والزّجّاج من بعدهما وكلّهم عجم في أنسابهم. وإنّما ربّوا في اللّسان العربيّ فاكتسبوه بالمربى ومخالطة العرب وصيّروه قوانين وفنّا لمن بعدهم. وكذا حملة الحديث الّذين حفظوه عن أهل الإسلام أكثرهم عجم أو مستعجمون باللّغة والمربى لاتّساع الفنّ بالعراق. وكان علماء أصول الفقه كلّهم عجما كما يعرف وكذا حملة علم الكلام وكذا أكثر المفسّرين. ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلّا الأعاجم. وظهر مصداق قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لو تعلّق العلم بأكناف السّماء لناله قوم من أهل فارس» . وأمّا العرب الّذين أدركوا هذه الحضارة وسوقها وخرجوا إليها عن البداوة فشغلتهم الرّئاسة في الدّولة العبّاسيّة وما دفعوا إليه من القيام بالملك عن القيام بالعلم، والنظر فيه، فإنّهم كانوا أهل الدّولة وحاميتها وأولي سياستها مع ما يلحقهم من الأنفة عن انتحال العلم حينئذ بما صار من جملة الصّنائع. والرّؤساء أبدا يستنكفون عن الصّنائع والمهن وما يجرّ إليها ودفعوا ذلك إلى من قام به من العجم والمولّدين. وما زالوا يرون لهم حقّ القيام به فإنّه دينهم وعلومهم ولا يحتقرون حملتها كلّ الاحتقار. حتّى إذا خرج الأمر من العرب جملة وصار للعجم صارت العلوم الشّرعيّة غريبة النّسبة عند أهل الملك بما هم عليه من البعد عن نسبتها وأمتهن حملتها بما يرون أنّهم بعداء عنهم مشتغلين بما لا يغني ولا يجدي عنهم [3] في الملك والسّياسة كما ذكرناه في نقل [4] المراتب الدّينيّة. فهذا الّذي قرّرناه هو السّبب في أنّ حملة الشّريعة أو عامّتهم من العجم. وأمّا العلوم العقليّة أيضا فلم تظهر في الملّة إلّا بعد أن تميّز حملة العلم ومؤلّفوه. واستقرّ العلم كلّه صناعة فاختصّت بالعجم وتركتها العرب وانصرفوا عن انتحالها فلم يحملها إلّا المعرّبون من العجم شأن الصّنائع كما قلناه أوّلا. فلم يزل ذلك في الأمصار الإسلاميّة ما دامت الحضارة في العجم وبلادهم من العراق وخراسان وما وراء النّهر. فلمّا خربت تلك الأمصار وذهبت منها الحضارة الّتي هي سرّ الله في حصول العلم والصّنائع ذهب العلم من العجم جملة لما شملهم من البداوة واختصّ العلم بالأمصار الموفورة الحضارة. ولا أوفر اليوم في الحضارة من مصر فهي أمّ العالم وإيوان الإسلام وينبوع العلم والصّنائع. وبقي بعض الحضارة في ما وراء النّهر لما هناك من الحضارة بالدّولة الّتي فيها فلهم بذلك حصّة من العلوم والصّنائع لا تنكر. وقد دلّنا على ذلك كلام بعض علمائهم من تآليف وصلت إلينا إلى هذه البلاد وهو سعد الدّين التّفتازانيّ. وأمّا غيره من العجم فلم نر لهم من بعد الإمام ابن الخطيب ونصير الدّين الطّوسيّ كلاما يعوّل على نهايته في الإصابة.
فاعتبر ذلك وتأمّله تر عجبا في أحوال الخليقة. والله يخلق ما يشاء لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير وحسبنا الله ونعم الوكيل والحمد للَّه.
__________
[1] وفي النسخة الباريسية: الرواة.
[2] وفي النسخة الباريسية: واحتيج.
[3] وفي نسخة أخرى: عليهم.
[4] وفي نسخة أخرى: فصل.


مقدَّمة ابنِ الصلاح :
روينا عن ( الزهري ) قال : قدمت على ( عبد الملك بن مروان ) فقال : من أين قدمت يا زهري ؟ قلت : من مكة . قال : فمن خلفت بها يسود أهلها ؟ قلت : ( عطاء بن أبي رباح ) . قال : فمن العرب أم من الموالي ؟ قال : قلت : من الموالي . قال : وبم سادهم ؟ قلت : بالديانة والرواية . قال : إن أهل الديانة الرواية لينبغي أن يسودوا . قال : فمن يسود أهل اليمن ؟ قال : قلت : ( طاووس بن كيسان ) . قال : فمن العرب أم من الموالي ؟ قال : قلت : من الموالي . قال : وبم سادهم ؟ قلت : بما سادهم به عطاء . قال : إنه لينبغي . قال : فمن يسود أهل مصر ؟ قال : قلت : ( يزيد بن أبي حبيب ) . قال : فمن العرب أم من الموالي ؟ قال : قلت : من الموالي . قال : فمن يسود أهل الشام ؟ قال : قلت : مكحول . قال : فمن العرب أم من الموالي ؟ قال : قلت : من الموالي عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل . قال : فمن يسود أهل الجزيرة ؟ قلت : ( ميمون بن مهران ) . قال : فمن العرب أم من الموالي ؟ قال : قلت : من الموالي . قال : فمن يسود أهل خراسان ؟ قال : قلت : ( الضحاك بن مزاحم ) . قال : فمن العرب أم من الموالي ؟ قال : قلت : من الموالي . قال : فمن يسود أهل البصرة ؟ قال : قلت : ( الحسن بن أبي الحسن ) . قال : فمن العرب أم من الموالي ؟ قال : قلت : من الموالي . قال : ويلك فمن يسود أهل الكوفة ؟ قال : قلت : ( إبراهيم النخعي ) . قال : فمن العرب أم من الموالي ؟ قال : قلت : من العرب . قال : ويلك يا زهري فرجت عني والله لتسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها . قال : قلت : يا أمير المؤمنين ؟ إنما هو أمر الله ودينه من حفظه ساد ومن ضيعه سقط
وفيما نرويه عن ( عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ) قال : لما مات العبادلة صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي إلا المدينة فإن الله خصها بقرشي فكان فقيه أهل المدينة ( سعيد بن المسيب ) .
( 4 / 38 ) كان صاحبُ صناعة النحو ( سيبـويه والزجّاج والفارسي ) وكلهم عجمٌ ، وكذلك حملةُ الحديث ، وعلماءُ أصولِ الفقه ، وأكثرُ المفسرين ، إذْ العرب قد أشغلتهم الرياسة في الدولة العباسية .
مقدمة تحفة الأحوذي.
تحفةُ الأحوذي بشرح " جامع الترمذي " .
للإمام الحافظ / أبي العلا محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري ( 1353 هـ ) .

تحفة الأحوذي
محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء
» سنن الترمذي » كتاب المناقب »
باب في فضل العجم

3932 حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش حدثنا صالح بن أبي صالح مولى عمرو بن حريث قال سمعت أبا هريرة يقول ذكرت الأعاجم عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأنا بهم أو ببعضهم أوثق مني بكم أو ببعضكم قال أبو عيسى هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي بكر بن عياش وصالح بن أبي صالح هذا يقال له صالح بن مهران مولى عمرو بن حريث
الحاشية رقم: 1
بالتحريك ضد العرب .
قوله : ( ذكرت الأعاجم ) أي : بالمدح ، أو الذم " لأنا بهم ، أو ببعضهم أوثق " أي : أرجى في [ ص: 299 ] الاعتماد على طلب الدين " مني بكم ، أو ببعضكم " ، قال المظهر : أنا مبتدأ ، وأوثق خبره ، ومني صلة " أوثق " ، والباء في بهم مفعوله و أو عطف على بهم ، والباء في بكم مفعول فعل مقدر يدل عليه أوثق و أو فى أو ببعضكم عطف على بكم ، إما متعلق أيضا بأوثق إذ هو في قوة الوثوق وزيادة ، فكأنه فعلان جاز أن يعمل في مفعولين ، أو بآخر دل عليه الأول ، والمعنى وثوقي واعتمادي بهم ، أو ببعضهم أكثر من وثوقي بكم ، أو ببعضكم ، قال الطيبي : الأول من باب العطف على الانسحاب ، والثاني من باب العطف على التقدير ، والمخاطبون بقوله بكم ، أو ببعضكم قوم مخصوصون دعوا إلى الإنفاق في سبيل الله فتقاعدوا عنه فهو كالتأنيب والتعيير عليهم ، ويدل عليه قوله تعالى : إن تتولوا يستبدل قوما غيركم فإنه جاء عقيب قوله تعالى : أضغانكم هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل يعني أنتم هؤلاء المشاهدون بعد ممارستكم الأحوال وعلمكم بأن الإنفاق في سبيل الله خير لكم تدعون إليه فتثبطون عنه وتتولون ، فإن استمر توليكم يستبدل الله قوما غيركم : بذالون لأرواحهم وأموالهم في سبيل الله ، ولا يكونوا أمثالكم في الشح المبالغ ، هو تعريض وبعث لهم على الإنفاق ، فلا يلزم منه التفضيل قال القاري : إن كان مراده أنه لا يلزم التفضيل مطلقا فهو خلاف الكتاب والسنة مع أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وإن كان مراده لا يلزم التفضيل المطلق فهو صحيح ، إذ يدل على أنهم في بعض الصفات أفضل من العرب ولا بدع أن يوجد في المفضول زيادة فضيلة بالنسبة إلى بعض فضائل الفاضل ، فجنس العرب أفضل من جنس العجم بلا شبهة ، وإنما الكلام في بعض الأفراد . قوله : ( وصالح هو ابن مهران ) بكسر الميم وسكون الهاء قال في التقريب : صالح بن أبي صالح الكوفي مولى عمرو بن حريث ، واسم أبيه مهران ، ضعيف من الرابعة .







اخر الافلام

.. مسيحيو الأراضي الفلسطينية يتأهبون للاحتفال بعيد الميلاد


.. البيان الختامي للقمة الإسلامية: القدس عاصمة فلسطين


.. نتانياهو يقلل من أهمية البيان الختامي للقمة الإسلامية حـول م




.. القمة الإسلامية تدعو المجتمع الدولي للاعتراف بالقدس الشرقية


.. القمة الإسلامية: القدس الشرقية عاصمة محتلة لدولة فلسطين