الحوار المتمدن - موبايل



الدِياثَة المُقَدَّسَةُ والكِتَابُ المُقدَّسُ

أبو مريم الشمالي

2017 / 4 / 17
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


الكتاب المقدس - العهد القديم
سفر التكوين
الفصل / الإصحاح الثاني عشر

10 وحدث جوع في الأرض، فانحدر أبرام إلى مصر ليتغرب هناك، لأن الجوع في الأرض كان شديدا

11 وحدث لما قرب أن يدخل مصر أنه قال لساراي امرأته: إني قد علمت أنك امرأة حسنة المنظر

12 فيكون إذا رآك المصريون أنهم يقولون: هذه امرأته. فيقتلونني ويستبقونك

13 قولي إنك أختي، ليكون لي خير بسببك وتحيا نفسي من أجلك

14 فحدث لما دخل أبرام إلى مصر أن المصريين رأوا المرأة أنها حسنة جدا

15 ورآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون، فأخذت المرأة إلى بيت فرعون

16 فصنع إلى أبرام خيرا بسببها، وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأتن وجمال.

تفسير الكتاب المقدس - العهد القديم - القمص تادرس يعقوب
التكوين 12 - تفسير سفر التكوين

إبرام في مصر:
"وحدث جوع في الأرض فانحدر إبرام إلى مصر ليتغرب هناك، لأن الجوع في الأرض كان شديدًا" [10].

كانت المجاعات تتكرر في أرض كنعان، وكان العلاج هو النزول إلى مصر حيث نهر النيل.
لم يكن بعد قد أقام إبرام الشيخ المسن في أرض الموعد كثيرًا حتى حدثت المجاعة، ومع هذا لم يشعر إبرام أنه أخطأ التصرف بخروجه من أرضه وعشيرته وبيت أبيه، ولا تذمر على الله، ولا استهان بوعد الله له أنه يعطيه هذه الأرض لنسله بكونها أرضًا تتعرض لمجاعات.
لقد تباركت مصر باستقبال إبرام أب الآباء لتعوله وقت المجاعة، ولتستقبل حفيده يعقوب هو وعائلته لينطلق شعب إسرائيل من مصر، وأما ما هو أعظم من الكل فقد لجأ إليها السيد المسيح نفسه في طفولته يباركها (مت 2: 13) محققًا ما تنبأ عنه إشعياء النبي (إش 19). لكن كثيرين يشعرون أن إبراهيم أخطأ بانحداره إلى مصر، إذ جاء إليها دون رسالة صريحة من قبل الله كما حدث مع حفيده يعقوب، حيث قال له الرب: "أنا أنزل معك إلى مصر" (تك 46: 4). كان نزول إبراهيم يمثل الإنسان الذي دخل إلى أرض الموعد لكنه سرعان ما اتكل على الذراع البشرى فنزل لطلب العون الإنساني لا الإلهي، إذ قيل بإشعياء: "ويل للذين ينزلون إلى مصر للمعونة ويستندون على الخيل ويتوكلون على المركبات لأنها كثيرة وعلى الفرسان لأنهم أقوياء جدًا ولا ينظرون إلى قدوس إسرائيل ولا يطلبون الرب" (إش 31: 1).

وبقدر ما صوّر لنا الكتاب المقدس إبرام في أروع صوره وهو خارج في طاعة للدعوة الإلهية يتكئ على وعد الله بإيمان، إذ به يكشف عن ضعفه في صورة بشرية مؤلمة، فقد اتكأ على أرض مصر وقد عرف ما اتسم به المصريون في ذلك الحين من شهوات جسدية فخاف، مطالبًا زوجته أن تقول أنها أخته... "ليكون لي خير بسببك وتحيا نفسي من أجلك!" [13].
هذا وعندما تحدث الكتاب هنا عن المجاعة قال: "وحدث جوع في الأرض" [10]، ولم يقل "اشتد الجوع على إبرام "كما قال عن المصريين: "لأن الجوع أشتد عليهم" (تك 47: 20). وما قيل عن المجاعة التي حدثت في أيام إبرام قيل عن تلك التي حدثت في أيام حفيده يعقوب: "وكان الجوع شديدًا في الأرض" (تك 43: 1) فالمؤمنون قد تحوط بهم المجاعات لكنها لا تمس إلا الأرض أي الجسد، أما غير المؤمنين فينحنون لها وينكسرون أمامها "لأن الجوع اشتد عليهم" (تك 47: 10). وكما يقول العلامة أوريجانوس: [لم تشتد المجاعة على إبراهيم ولا على يعقوب أو أولاده، إنما إن اشتدت إنما تشتد "على الأرض". وفي أيام إسحق قيل أيضًا: "وكان في الأرض جوع غير الجوع الأول الذي كان في أيام إبراهيم" (تك 26: 1). لكن الجوع لم يكن قادرًا أن يغلب إسحق، حتى قال له الرب: "لا تنزل إلى مصر، اسكن في الأرض التي أقول لك، تغرب في هذه الأرض، فأكون معك" (تك 26: 2، 3). وفي رأيي، يتفق مع هذه الملاحظة قول الرسول فيما بعد: "كنت فتي وقد شخت ولم أر صديقًا تُخلي عنه ولا ذرية له تلتمس خبزًا" (مز 37: 25). وفي موضع آخر: "الرب لا يجيع نفس الصديق" (أم 10: 3). كل هذه النصوص تعلن أن الأرض يمكن أن تعاني من الجوع، وأيضًا الذين لهم الفكر الأرضي (في 3: 19). أما الذين لهم الخبز الذي به يفعلون إرادة الآب السماوي (مت 7: 21) والذين تنتعش نفوسهم بالخبز النازل من السماء (يو 6: 51، 59) فلن يعانوا من حرمان مجاعة.
لا نخف إذن من المجاعة، فإنها تصيب الأرض والأرضيين، أما من التصقوا بالرب وقبلوا جسده المقدس طعامًا روحيًا فلن يصيبهم جوع، إذ يأكلون من شجرة الحياة (رؤ 2: 7) ويشربون عصير الكرمة الحقيقية (يو 15: 1) جديدًا في ملكوت الآب (مت 26: 29).
لنكف عن أن نكون أرضًا فلا يصيبنا الجوع، ولننعم بالحياة السماوية فيكون لنا الشبع الأبدي.

ساراى وفرعون:
أخطأ إبرام بنزوله إلى مصر دون الرجوع إلى الله أو انتظار إعلاناته له، وسحبه الخطأ إلى أخطاء متوالية... وكانت الثمرة الطبيعية أنه حُرم من زوجته إلى حين إذ سلبه فرعون إياها. والعجيب أن ما كان إبرام عاجزًا عن إعلانه بأن ساراى زوجته أعلنه الله لفرعون ليردها إليه دون أن يمسها بل ونال غني وكرامة.
العجيب أن الله لا يحاسب الإنسان حسب ضعفاته، فلو أن الله سمح لفرعون أن يمس امرأة إبرام لبقي الأخير معذب الضمير كل أيام حياته، مهما نال من بركات أو عطايا... لذلك حفظها الرب من يدي فرعون، بل وردّ لإبرام غني وكرامة... لنقول مع المرتل: "لم يصنع معنا حسب خطايانا ولم يُجازنا حسب آثامنا، لأنه مثل ارتفاع السموات فوق الأرض قويت رحمته علي خائفيه" (مز 103: 10، 11). لقد كان إبرام أحد خائفي الرب ومحبيه، لذا تمتع بالمراحم التي تعلو علي الأرض، وتحقق فيه القول: "لا تمسوا مسحائي، ولا تُسيئوا إلى أنبيائي" (مز 105: 15). وكما يقول القديس أغسطينوس : [بأن إبرام ينتظر عمل الله معه، وما كان إبرام يترجاه صنعه له الرب].

______________


شرح الكتاب المقدس - العهد القديم - القس أنطونيوس فكري
التكوين 12 - تفسير سفر التكوين

آية 10:
" 10 وحدث جوع في الأرض فانحدر ابرام إلى مصر ليتغرب هناك لأن الجوع في الأرض كان شديدا "
هذه أول مجاعة تذكر في الكتاب المقدس ومن المؤكد أن سببها هو شر سكان الأرض وكانت المجاعات تتكرر في أرض كنعان وكان العلاج هو النزول إلي مصر حيث نهر النيل. وهكذا صنع إبراهيم دون إن يستشير الرب الذي كان قادرًا أن يعوله كما فعل مع إيليا. وهذا الخطأ يمثل خطأ من تاب لكنه سرعان ما يعتمد علي الذراع البشري فيطلب المعونة الإنسانية وليس المعونة الإلهية. ولم يكن في مصر مذبح بناه إبرام فهو يبحث عن شبع البطن ومشكلتنا أننا نبحث عن الراحة الخارجية وليس عن السلام الداخلي الذي يتحقق باللقاء مع الرب عند المذبح، مذبح الصلاة والشكر.
[بالرغم من خطأ إبراهيم إلا أن أرض مصر تباركت بزيارته كما تباركت بعد ذلك بحفيده يعقوب ثم بأعظم الكل السيد المسيح. إلا أن هناك فرقًا بين نزول إبراهيم ونزول يعقوب. فيعقوب نزل إلي مصر بمشورة الله].
لأن الجوع في الأرض كان شديدًا: الجوع يؤثر في الأرض لكن أولاد الله السماويين لهم معاملة خاصة فالكتاب لم يقل أن إبراهيم جاع. أو اشتد عليه الجوع كما قال عن المصريين (تك 20:47) وقد يجوع الجسد لكن هناك سلامًا في النفس (مز 25:37) الله لا يتخلي عن أولاده ويعطيهم حياة سماوية وشبعًا أبديًا.

الآيات 11-13:
" 11 وحدث لما قرب أن يدخل مصر أنه قال لساراي امراته اني قد علمت أنك امراة حسنة المنظر 12 فيكون إذا راك المصريون أنهم يقولون هذه امراته فيقتلونني ويستبقونك 13 قولي أنك اختي ليكون لي خير بسببك وتحيا نفسي من اجلك "
هذه هي سقطة أبرام الكبري. فإخفاء جزء من الحقيقة (أنها زوجته) يعتبر كذبًا حتي لو كانت شقيقته من أبيه وليس من أمه. فهذا يعتبر خداع وكذب وضعف إيمان. والخداع هو نوع من الغواية يسقط فيه الإنسان ليحل مشكلة بطريقة سهلة فيجلب علي نفسه مشاكل عديدة. وبدء السقوط كان ضعف الإيمان الذي جعله ينزل إلي مصر. وهذا امتد لضعف إيمان أن الله قادر علي حمايته وحماية زوجته. فالخطية تأتي ورائها بخطايا أخري. والنتيجة أنه حرم من زوجته.
الآيات 14-20: "14 فحدث لما دخل ابرام إلى مصر أن المصريين راوا المراة انها حسنة جدًا 15 وراها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون فاخذت المراة إلى بيت فرعون 16 فصنع إلى ابرام خيرا بسببها وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد واماء واتن وجمال 17 فضرب الرب فرعون وبيته ضربات عظيمة بسبب ساراي امراة ابرام 18 فدعا فرعون ابرام وقال ما هذا الذي صنعت بي لماذا لم تخبرني أنها امراتك 19 لماذا قلت هي اختي حتى اخذتها لي لتكون زوجتي والان هوذا امراتك خذها واذهب 20 فاوصى عليه فرعون رجالا فشيعوه وامراته وكل ما كان له "
العجيب أن ما كان إبرام عاجرًا عن إعلانه بأن ساراي زوجته أعلنه الله لفرعون ليردها إليه دون أن يمسها، بل ونال غني وكرامة. فالله في محبته لا يحاسب الإنسان حسب ضعفاته. ويفهم من الكلام أن الله ضرب فرعون بضربات لا نعرفها، المهم أنها أي الضربات استطاعت أن تقنع فرعون بأن الله غاضب إذ هو حاول أن ينال من ساراي. وربما أفهمت ساراي فرعون أنها زوجة إبرام وطلبت منه أن لا يمسها. وربما حاول فرعون فضربه الله. المهم أن الله في محبته لم يقبل أن يعيش إبرام معذب الضمير كل حياته في حالة أن فرعون مس ساراي زوجته. لذلك حفظها الرب من يدي فرعون بل ورد لأبرام غني وكرامة (مز 10:103، 11) فالله يخرج من الجافي حلاوة. لقد كان إبرام أحد خائفي الرب ومحبيه لذا تمتع بالمراحم التي تعلو علي الأرض (مز 15:105) وتوبيخ فرعون لأبرام يشبه توبيخ البحارة ليونان النبي وهو شيء يدعو للأسف.

وهنا تشابه بين ما حدث لإبراهيم ونسله بعد ذلك.
1.كلاهما (إبراهيم ونسل يعقوب) ذهبوا لمصر بسبب المجاعة.
2.في الحالتين كانت هناك ضربات لفرعون وبيته.
3.كلاهما عادا محملين بالعطايا. (الله سمح بهذا ليدركوا محبته ورحمته).
وفي الآيات 20، 19: نجد أن فرعون ورجاله أخرجوا أبرام. وهنا لم يظهر له الرب. وكان الرب يحدثه باللغة التي تناسبه في ذلك الحين. فحينما كان إيمان إبراهيم بسيطًا كلمه الرب. ولكن إذ لجأ لفرعون ليطعمه ترك الله فرعون يكلمه. هذه هي معاملات الله معنا. فعندما صار بلعام جاهلًا ترك حماره يكلمه. وإذ كان المجوس مهتمين بالنجوم حدثهم بنجم عن ميلاد المسيح.
_____________________________


الكتاب المقدس - العهد القديم
سفر التكوين
الفصل / الإصحاح العشرون

1 وانتقل إبراهيم من هناك إلى أرض الجنوب، وسكن بين قادش وشور، وتغرب في جرار

2 وقال إبراهيم عن سارة امرأته: هي أختي. فأرسل أبيمالك ملك جرار وأخذ سارة

3 فجاء الله إلى أبيمالك في حلم الليل وقال له: ها أنت ميت من أجل المرأة التي أخذتها، فإنها متزوجة ببعل

4 ولكن لم يكن أبيمالك قد اقترب إليها، فقال: يا سيد، أأمة بارة تقتل

5 ألم يقل هو لي: إنها أختي، وهي أيضا نفسها قالت: هو أخي ؟ بسلامة قلبي ونقاوة يدي فعلت هذا

6 فقال له الله في الحلم: أنا أيضا علمت أنك بسلامة قلبك فعلت هذا. وأنا أيضا أمسكتك عن أن تخطئ إلي، لذلك لم أدعك تمسها

7 فالآن رد امرأة الرجل، فإنه نبي، فيصلي لأجلك فتحيا. وإن كنت لست تردها، فاعلم أنك موتا تموت، أنت وكل من لك

8 فبكر أبيمالك في الغد ودعا جميع عبيده، وتكلم بكل هذا الكلام في مسامعهم، فخاف الرجال جدا

9 ثم دعا أبيمالك إبراهيم وقال له: ماذا فعلت بنا ؟ وبماذا أخطأت إليك حتى جلبت علي وعلى مملكتي خطية عظيمة ؟ أعمالا لا تعمل عملت بي

10 وقال أبيمالك لإبراهيم: ماذا رأيت حتى عملت هذا الشيء

11 فقال إبراهيم: إني قلت: ليس في هذا الموضع خوف الله البتة، فيقتلونني لأجل امرأتي

12 وبالحقيقة أيضا هي أختي ابنة أبي، غير أنها ليست ابنة أمي، فصارت لي زوجة

13 وحدث لما أتاهني الله من بيت أبي أني قلت لها: هذا معروفك الذي تصنعين إلي: في كل مكان نأتي إليه قولي عني: هو أخي

14 فأخذ أبيمالك غنما وبقرا وعبيدا وإماء وأعطاها لإبراهيم، ورد إليه سارة امرأته

15 وقال أبيمالك: هوذا أرضي قدامك. اسكن في ما حسن في عينيك

16 وقال لسارة: إني قد أعطيت أخاك ألفا من الفضة. ها هو لك غطاء عين من جهة كل ما عندك وعند كل واحد، فأنصفت

17 فصلى إبراهيم إلى الله، فشفى الله أبيمالك وامرأته وجواريه فولدن

18 لأن الرب كان قد أغلق كل رحم لبيت أبيمالك بسبب سارة امرأة إبراهيم

تفسير الكتاب المقدس - العهد القديم - القمص تادرس يعقوب
التكوين 20 - تفسير سفر التكوين

ساراى وأبيمالك
إذ انتقل إبراهيم إلى جرار قال عن سارة امرأته إنها أخته، فأرسل أبيمالك ملك جرار يطلبها زوجة له، لكن الرب منعه من الاقتراب إليها
أبيمالك وسارة:
بعد حوالي 23 عامًا ترك إبراهيم بلوطات ممرا وذهب إلى جرار، ربما لأنه قد تأثر بصورة سدوم وعمورة وهما تحترقان فأراد ترك الموضع كله، أو لأن مواشيه كانت قد كثرت فصار يطلب مرعى آخر، أو لعل مجاعة قد حلت بالمنطقة. أيًا كان السبب أنتقل إبراهيم إلى جرار وهناك قال عن سارة إنها أخته، فأرسل أبيمالك ملك جرار يأخذها لنفسه زوجة وكانت قد بلغت في ذلك الحين التسعين من عمرها. فجاء الله "الوهيم" إلى أبيمالك في حلم الليل يوبخه: "ها أنت ميت من أجل المرأة التي أخذتها فإنها متزوجة ببعل" [3]. وكان أبيمالك لم يقترب إليها، وقد أجاب الله: "يا سيد أ أمة بارة تقتل؟! ألم يقل هو لي إنها أختي، وهي نفسها قالت: هو أخي. بسلامة قلب ونقاوة يدّي فعلت هذا" [5] "فقال له الله في الحلم: أنا أيضًا علمت أنك بسلامة قلبك فعلت هذا. وأنا أيضًا أمسكتك عن أن تخطئ إليَّ، لذلك لم أدعك تمسها. فالآن رد امرأة الرجل فإنه نبي يصلي لأجلك فتحيا. وإن كنت لست تردها فأعلم أنك موتًا تموت أنت وكل من لك"
[6-7].
كلمة "أبيمالك" تعني (أبى ملك)، وكان أبيمالك ملكًا للفلسطينيين وثنيًا، وقد اتسم بصفات جميلة ولطف عجيب في حديثه مع الله الذي ظهر له في حلم، وفي لقائه مع سارة وأيضًا إبراهيم.
لقد طلب أبيمالك سارة زوجة له، لكنه طلبها بسلامة قلب ونقاوة يد... لهذا يقول الله: "وأنا أيضًا أمسكتك عن أن تخطئ إليَّ لذلك لم أدعك تمسها" [6]. ربما ضربه الله بمرض أصابه لكي لا يقدر أن يلتقي بسارة، وكان هذا المرض ليس غضبًا إلهيًا عليه، بل من قبيل رعاية الله حتى لا يخطئ في حق الله نفسه باجتماعه مع سارة امرأة إبراهيم خليل الله. لقد سبق فأقام إبراهيم معاهدة مع زوجته أن تخفي حقيقة ارتباطها به كزوجة ، ومنذ سنوات طويلة حين نزل إبرام إلى مصر أخذها فرعون ليجعلها لنفسه زوجة (12: 14-20) والرب ضرب فرعون وبيته ضربات عظيمة حتى لا يمس سارة، وقد وبخ فرعون إبرام بسبب إخفائه حقيقة زواجه بسارة، ومع ذلك بقى إبراهيم ضعيفًا في هذا الأمر، فتكرر حتى في شيخوخته مع أبيمالك. كأن الله يحذرنا من أنفسنا أننا وإن بقينا عشرات السنوات لا نرتكب ضعفًا معينًا لكنه ربما في سن الشيخوخة نسقط فيما سقطنا فيه قبلًا! إن كان رجل الله إبراهيم بعد كل هذه المعاملات مع الله سقط، أفلا يليق بنا نحن أن نحذر من أنفسنا؟!

إبراهيم الذي رأي خلاص الله ورعايته واضحين في إنقاذ سارة من يدي فرعون، والذي وهبه الله شهامة لينقذ ابن أخيه لوطًا من أيدي الملوك (تك 14)، وقد نال وعدًا إلهيًا أن ينجب ابنًا من سارة ينعم بالميراث والبركة بعدما رأي الله وملاكيه واستضافهما... كان يليق به أن يكون واضحًا ولا يخفي علاقته الزوجية مع سارة! على أي الأحوال لم يخف الكتاب ضعف إبراهيم بالرغم من إبراز حياته كأب لجميع المؤمنين واتساع أحضانه لتضم كل أولاد الله...
نعود إلى أبيمالك ملك جرار فإن كلمة "جرار" تعنى (جرة) أو (إناء خزفي) وهي مدينة قديمة على الجانب الجنوبي من حدود فلسطين تبعد حوالي 5 أو 6 أميال من غزه، سكنها الفلسطينيون في وقت مبكر (تك 26: 1). ربما كانت المكان المعروف الآن بخربة أم جرار (مواقع الجرار) أو بجوارها، ويرى البعض أنها تبعد 13 ميلًا جنوب غربي قادش، بينما آخرون يرون أنها تبعد حوالي 19 ميلًا جنوبي غرب بيت جبرين (ايليتروبوليس) وحوالي 14.5 ميلًا من تل جمعة...
ويبدو أن كلمة "أبيمالك" لم تكن اسم الملك وإنما كان لقبًا لأغلب ملوك جرار، كفرعون لمصر.
يقدم لنا العلامة أوريجانوس تفسيرًا رمزيًا لهذا الحدث رابطًا إياه بالحدث السابق (أخذ فرعون سارة عنده). فيرى في "سارة" رمزًا للفضيلة الروحية أو الحكمة الإلهية التي أقتناها له إبراهيم كزوجة له، والتي لم يستطع فرعون ولا أبيمالك أن يقتنيها، الأول بسبب عد نقاوة قلبه والثاني لأن رجلها حيّ. فإن كان إبراهيم يمثل الناموس فانه لا يستطيع أحد أن يقتني الحكمة الروحية مادام الناموس حيًا، وكما يقول الرسول بولس: "إن الناموس يسود على الإنسان مادام حيًا، فإن المرأة التي تحت رجل هي مرتبطة بالناموس بالرجل الحيّ، ولكن إن مات الرجل فقط تحررت من ناموس الرجل" (رو 7: 1-2).
من كلمات العلامة أوريجانوس في هذا الشأن: [أظن أن سارة تمثل الفضيلة الروحية. فالرجل الحكيم الوفي هو الذي يرتبط بهذه الفضيلة ويتحدث بها. هذا هو الحكيم الذي يقول عنه سفر الحكمة: "ابتغيت أن أتخذها لي عروسًا" (حك 8: 2). وأيضًا يقول الله لإبراهيم: "وكل ما تقول لك سارة اسمع لقولها" (تك 21: 12)
عندما تكون الفضيلة الروحية فينا (كزوجة وعروس لنا)، إذ نصير كاملين نقدر أن نعلم الآخرين... فنقدمها كأخت لنا يشتهيها الآخرون كزوجة لهم... هؤلاء الذين يُقال لهم: "قل للحكمة أنتِ أختي" (حك 7: 4). لهذا السبب قال إبراهيم عن سارة أنها أخته، وكأنه يمثل الإنسان الكامل الذي يقدم الفضيلة لمن يشتهيها. قديمًا أراد فرعون أن يأخذ سارة لكنه لم يطلبها "بنقاوة قلب" (20: 5)، لكن الفضيلة لا يمكن لإنسان أن يقتنيها هكذا بدون نقاوة قلب. لذا يقول الكتاب أن الرب ضرب فرعون وبيته ضربات عظيمة (تك 12: 7)، إذ لا يمكن للفضيلة أن تقطن مع المدمرين (فرعون)... أما أبيمالك فبقلب نقي أراد أن تكون له الفضيلة كزوجة، فلماذا يقول الكتاب أن الله لم يدعه يمسها...؟ يبدو لي أن أبيمالك يمثل الحكماء في العالم ومحبي الفلسفة دون التقوى... كان إبراهيم يود أن يعطي الفضيلة الإلهية (سارة) للأمم الحكماء (أبيمالك) لكن الوقت لم يكن قد حان لنوال النعمة الإلهية... لقد بقيت الفضيلة مع إبراهيم، بقيت مع أهل الختان، حتى يأتي الوقت الذي تعبر فيه الفضيلة الكلية والكاملة إلى كنيسة الأمم

أبيمالك يستدعي إبراهيم:
بالرغم من أن أبيمالك ورجاله كانوا وثنيين لكن قلوبهم كانت مستعدة لقبول كلمه الله، ففي الصباح المبكر دعا أبيمالك جميع عبيده واخبرهم بإعلان الله له: " فخاف الرجال جدًا" [8].
إن كان الله قد كرم إبراهيم جدًا في عيني أبيمالك، قائلًا: "فإنه نبي فيصلي لأجلك فتحيا" [7]، لكنه سمح لأبيمالك الوثني أن يوبخ نبيه ويعاتبه، قائلًا له: "ماذا فعلت بنا؟ وبماذا أخطأت إليك حتى جلبت عليَّ وعلى مملكتي خطية عظيمة؟! أعمالًا لا تعمل عملت بي" [9]. وكأنه يقول له: ماذا قصدت بي، فإني لم أسيء حتى خدعتني وجلبت عليَّ غضبًا إلهيًا؟! لو أنك قلت الصدق إنها امرأتك لبقيت معك وما حل بنا هذا كله.
والعجيب أن إبراهيم عوض أن يعترف بالخطأ الذي ارتكبه قدم عذرًا: "قلت ليس في هذا الموضع خوف الله البتة، فيقتلونني لأجل امرأتي" [11]. حكم على أهل المنطقة أنهم بلا مخافة قط، وأنهم يقتلونه، وهكذا سقط في خطية الإدانة والتسرع في الحكم على الآخرين، مع أنه قد ظهر في أبيمالك ورجاله خوف الله واضحًا. أما السبب الثاني فهو أنه لم يكذب لأن سارة أخته من أبيه دون أمه، وإن كان هذا لا يبرر إخفاءه حقيقة علاقته بها كزوج لها، مادام هذا الإخفاء يعرض الآخرين للخطأ معها.

أبيمالك يكرم إبراهيم:
كان إكرام أبيمالك لإبراهيم عظيمًا لا في الهدايا التي قدمها فحسب وإنما في إعلان محبته وتقديره له بقوله: "هوذا أرضي قدامك، اسكن في ما حسن في عينيك" [15].
إن كان قد وبخه لأنه عرّض حياته ومملكته للخطر لكنه أظهر سخاءه في العطاء لا حين أخذ منه امرأته كما فعل فرعون (12: 16)، وإنما حين ردها إليه مقدمًا له قلبه كما أرضه! لقد رّد الإساءة إليه بالحب العملي، الأمر الذي يصعب على بعض المؤمنين تحقيقه.
في عتاب مملوء حبًا قال لسارة: "إني قد أعطيت أخاكِ ألفًا من الفضة. ها هو لك غطاء عين من جهة كل ما عندك وعند كل أحد، فانصفت" [16]. دعى إبراهيم أخاها بتوبيخ رقيق، وقد وهبه ألفًا من الفضة ليكون ذلك غطاء عين لك، أي تكريمًا لك ورد شرف، تقديرًا لكِ ولزوجكِ أمام الجميع. ويرى البعض أن قوله: "ها هو لكِ غطاء عين" لا يعني بها الفضة بل إبراهيم نفسه يكون حاميًا لها وساترًا إياها من كل عين تتطلع أو تفكر في أخذها.
أخيرًا إذ صلى إبراهيم عن أبيمالك وامرأته وجواريه شفاهم الرب.
___________________


كيف يتخلى إبراهيم عن زوجته سارة مرتين، الأولى لفرعون مصر (تك 12: 15) والثانية لأبيمالك ملك جرار (تك 20: 2)؟ وما أكثر النُقاد الذين تعرضوا لإبراهيم أب الآباء بالنقد الجارح، وبعضهم اتهم الكتاب المقدَّس بتلفيق هذه القصة، لأن الأنبياء معصومين من الخطأ.!!
هل باع إبراهيم شرفه، طمعًا في المواشي والأغنام " قولي أنك أختي لكي يكون لي خير بسببك" (تك 12: 13) وهل إبراهيم الذي رفض أن يغتني من الأسلاب التي ردها لملك سدوم (تك 14: 23) وافق أن يغتني عن طريق التخلي عن زوجته تارة لفرعون وأخرى لأبيمالك؟!

ج: لم يطمع إبراهيم في أملاك العالم الزائل، ولم يبع شرفه طمعًا في المواشي والأغنام، والآية التي أوردها الناقد لم يوردها كاملة لحاجة في نفس يعقوب، فالآية تقول أن إبراهيم قال لسارة -قولي أنك أختي- كي يكون لي خير بسببك وتحيا نفسي من أجلك (تك 12: 13) فكل ما كان يرنو إليه إبراهيم هو أن ينجو بنفسه من الموت، فالخير الذي قصده إبراهيم هو أن يحيا ولا يقتلونه بسبب زوجته، والدليل على ذلك أن إبراهيم رفض أن يغتني من الأسلاب التي ردها لملك سدوم قائلًا " لا آخذنَ لا خيطًا ولا شراك نقل ولا من كل ما هو لك. فلا تقول إني أغنيت ابرام" (تك 14: 23).

__________________


المراجع :
الكتاب المقدس
تفسير القمص تادرس يعقوب
تفسير القس أنطونيوس فكري
كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها - أ. حلمي القمص يعقوب







اخر الافلام

.. في مصر ورغم تهديدات التعايش... أجراس الكنائس تستمر بالاحتفاء


.. كيف تنظر دمشق لإعدام 116 شخصا من قبل تنظيم -الدولة الإسلامية


.. المرصد السوري: تنظيم -الدولة الإسلامية- يعدم 116 شخصا في الق




.. تقرير خاص من دير الزور: مسلحو تنظيم -الدولة الإسلامية- لايزا


.. الاسلاميين على دوار عبدون دعما للثورة السورية 6 72012