الحوار المتمدن - موبايل



وعى الليبراليين بأهمية التفاعل بين الشعوب

طلعت رضوان

2017 / 4 / 18
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


وعى الليبراليين بأهمية التفاعل بين الشعوب
طلعت رضوان
من بين آفات الأنظمة العربية، أنّ رؤساءها وملوكها، احتضنوا غلاة الإسلاميين الذين ردّدوا مقولة (الغرب الكافر) وأنّ التردى الأخلاقى والاجتماعى سببه الانفتاح على أوروبا. ويأتى على رأس قائمة الأسباب: الأخذ بالقوانين والدساتيرالوضعية، لأنه لايجوزللبشرأنْ يضعوا الدساتير، بينما الدستور(الإلهى- القرآن) فى أيدينا.
وبينما يقول الإسلاميون ذلك الكلام، فإنهم فى حياتهم العملية، يسمحون لأنفسهم بارتكاب المغالطة التى تدينهم، حيث يستخدمون كل إنجازات (أوروبا الكافرة) من سلع وخدمات، وفــّـرتها التكنولوجيا الحديثة، التى كانت ثمرة جهود علماء العلوم الطبيعية، الذين كفــّـرهم الإسلاميون، ومع ذلك فإنّ الإسلاميين لم يخجلوا من أنفسهم ولم يتوقفوا عن نقد هؤلاء العلماء، بهدف تشويه صورتهم أمام الشعوب العربية، فيزداد التخلف.
وإذا كان غلاة الإسلاميين يستخدمون تلك اللغة (المُـحرّضة على كراهية الغرب) ونحن فى القرن الحادى والعشرين، فإنّ المفكرين الليبراليين من أوخرالقرن التاسع عشر، ومع مطلع فجرالقرن العشرين، كانت لهم رؤاهم المختلفة، التى رأتْ أهمية التفاعل مع المنجزالتشريعى الأوروبى، حتى يمكن التعايش مع معطيات العصرالحديث.
وكان من بين هؤلاء الليبراليين المفكرالكبير(محمود عزمى) الذى ردّ على من كتبوا: بأنّ ما يصلح للغرب لايصلح للشرق، وضرب لهم مثالا بما فعلته اليابان من تعديلات دستورية على الدستوراليابانى، وبصفة خاصة الأخذ بمجموعة القوانين المعروفة (بالكود النابليونى) وكتب: من الثابت والمقررأنّ الشعوب التى اقتبستْ من الغرب فى العصورالأخيرة شيئــًـا كثيرًا، من أسباب الحضارة، وفى مقدمتها العلوم والفنون على اختلافها. وبعد قليل من الاختيارستستفيد من الأنظمة الدستورية، وأنّ هذه الأنظمة ستكون مصدرخيرلشعوبها.
ولم يكتف محمود عزمى بذلك وإنما كتب: بصريح العبارة نقول إنّ كل انتقال فى حياتنا السياسية، إنْ لم يكن مستندًا إلى انتقال فى حياتنا الفكرية، ومعتمدًا على انتقال فى حياتنا الاقتصادية، هولامحالة انتقال غيرمجدٍ وغيرمنتج (صحيفة المقطم- 24/4/1924، والأهرام- 28/4/1927- نقلا عن صابرنايل فى كتابه "التجربة الليبرالية والعلمانية- هيئة قصورالثقافة- عام2011- ص13، 14)
وعندما اقترح البعض إضافة فقرة على المادة الثالثة من دستورسنة1923، لتمييزالأقليات الدينية، اعترض التيارالليبرالى على هذا الاقتراح، مثل عبدالحميد بدوى الذى كتب أنّ الفارق الدينى أخذ فى الضعف ولن يطول الزمن حتى تــُـمحى آثاره. ولأنّ محاولة استبقاء هذا الفارق هى بهدف تثبيت الماضى بأفكاره (المتخلفة) بينما أصبح العامل الذى يربط الناس فى حياتهم الاجتماعية، هوعامل المصلحة المشتركة، بغض النظرعن الدين أوالمذهب.
وأضاف فى جرأة شديدة ((وإننى أتمنى أنْ أرى اليوم الذى يجمع كل أسباب مرافقنا، حتى فى الزواج والطلاق وما إلى ذلك من أحوالنا الشخصية تحت نظام واحد، بحيث نعيش جميعـًـا حياة مدنية مُـحكمة مُـنظمة)) وأضاف أنّ النظام النيابى لم تعرفه الدول العربية، بينما هومنتشروثابت فى كل دول أوروبا، فإذا نقلنا هذا النظام إلى مصر، وجب علينا أنْ نلتزم فى نقل مبادئه المُـسلــّـم بها والمُستقرة منذ مئات السنين وألا نزج فى بنوده ما يشوه معناه ويـُـحرّف مقاصده. مع العلم بأنّ مسألة تمثيل الأقليات الدينية أوالجنسية (بدعة) لم يقل بها أحد، وهى حدث اجتماعى خطير، لو تم الأخذ بها. كما أنّ مسألة تمثيل الأقليات مخالفة لكل الدساتيرالعالمية المحترمة. وانضم إلى عبدالحميد بدوى فى البرلمان كل من (قلينى فهمى) وعبدالعزيزفهمى وعزيزمرهم، الذى قال إنّ تمثيل الأقليات سيفتح الباب للتمييز(بين أبناء الأمة الواحدة) وتقع مصرفى فوضى وتقتل الروح الوطنية.
وفى هذا المناخ الليبرالى، ذكرالبعض أنّ المجتمعات المدنية (ولنتذكر- قارئى- أنّ هذا الكلام كان فى بداية العشرينيات من القرن العشرين) فى أوروبا يتساوى فيها المواطنون، وأنّ دولة مثل فرنسا تتساوى فيها جميع الملل والنحل، من كاثوليك وبروتستانت وملحدين فى أحوالهم الشخصية، ويتم الزواج على أساس مدنى. أما هنا فى مصرفإنّ الدين يدخل الحياة الخاصة للمواطنين إلى حدود بعيدة، ليس فى الأحوال الشخصية (فقط) بل فى كل الأمورالحياتية.
وفى هذا المناخ الذى كان بمثابة (المخاض) أوالانعتاق من أعراف القرون الوسطى، اشتـدّتْ صلابة التيارالليبرالى فنشرتْ (صحيفة السياسة) التى كان يصدرها (حزب الأحرارالدستوريين) مقالا دافعتْ فيه عن المادة رقم12من دستورسنة1923، التى نصّـت على أنّ ((حرية الاعتقاد مطلقة)) وبالتالى فإنّ الدستورأباح لمن يود أنْ يرتد عن الإسلام، من غيرأنْ يكون عليه (فى ردته) حرج. وكأنّ صحيفة السياسة بذلك ترد على الذين هاجموا الشيخ على عبدالرزق بسبب كتابه (الإسلام وأصول الحكم) واعتبروه قد خرج عن الدين الإسلامى.
ونتيجة هذا المقال شعرالأصوليون وكأنّ زلزالا وقع على رؤوسهم، وكان من بينهم الشيخ بخيت (صاحب اقتراح المادة التى نصّـت على أنّ الإسلام دين الدولة، وهى المادة التى جاءتْ فى ذيل مواد الدستورحيث أخذتْ رقم149) انتفض الشيخ بخيت فحرّض الملك ضد صحيفة السياسة فكتب ((كيف يـُـعقل أنْ يمنح جلالة الملك- ودين جلالته ودين دولته هوالإسلام- أمته دستورًا يـُـبيح للمسلمين أنْ يرتدوا عن دين الإسلام، بدون أنْ يكون عليهم فى ذلك حرج؟ وكيف يصح لجريدة السياسة أنْ تنسب لحكومة جلالته أنها تــُـبيح الارتداد؟ وهى تعلم أنّ كل ما ذكرته من الكبائرمبعثه ردة وكفر)) وبعد أنْ حرّض الملك ضد الصحيفة (حرّض) الذين يقرأون الصحف، وطالبهم بمقاطعة صحيفة السياسة، لأنها تنشرالإلحاد فى البلاد.
فهل خاف المسئولون عن تحريرالصحيفة؟ هل ارتعبوا من رد فعل (جلالة الملك) وهل انزعجوا من حملة مقاطعة الصحيفة التى قادها شيوخ الأزهر؟ بالعكس فإنها نشرتْ مقالاجاء به ((قلنا إنّ الدستوريكفل حرية الاعتقاد، ويـُـبيح الارتداد عن الإسلام من غيرأنْ يكون على المرتد حرج فى ردته)) ثم خاطب (كاتب المقال) الشيخ بخيت قائلا ((وهذا ظاهريا مولانا من نص المادة الثانية عشرة من الدستورالذى اشتركتَ أنت فى وضعه، فهو يقول "حرية الاعتقاد مطلقة" ومعنى الإطلاق يا مولانا عدم التحديد بشىء ولا يتعرّض لمن يختط لاعتقاده سبيلا بسوء رضيت فضيلتكم عن خطة هذا الاعتقاد أم لم ترض، سواء خرج صاحبه عن الإسلام إلى النصرانية أواليهودية أوخرج عن أديان الله جميعـًـا إلى نظريات الفلاسفة المجردة، أوإلى عمايات الشيطان، ذلك أنّ مصرأصبح بها دستورنص فى المادة رقم12على إطلاق حرية الاعتقاد وتبيح للناس كل ما يريدونه من ارتداد عن الإسلام من غيرأنْ يكون عليهم فى ردتهم حرج ينالهم فى دنياهم.. أليس هذا ظاهرًا يا مولانا))
وفى هذا المناخ الليبرالى انتقد محمود عزمى اللجنة التى وضعتْ دستورسنة1923بسبب المادة التى نصّتْ على وجود (دين للدولة) فكتب: ومعنى ذلك فإنّ الدين الرسمى للدولة هوالذى يريد أنْ يستغله أصحاب الآراء العتيقة، وهوالذى سيجرعلى البلاد ارتباكــًـا قد ينقلب إلى شر مستطير. والأخطرأنّ النص على (دين للدولة) سيـُـساعد القوى الظلامية على (هدم وتقويض أسس التشريع المدنى) وكتب أنّ الشيخ شاكركتب يطالب لجنة الدستور بوضع بعض المواد كى تجعل أحكام الدين الإسلامى هى المتفوقة على كل (تشريع مدنى) فكيف يـُـطالب بتطبيق الحدود الإسلامية على سكان مصر؟ ونحن فى القرن العشرين، فتــُـقطع الأيدى والأرجل من خلاف، والرجم بالحجارة وتكون السن بالسن والعين بالعين. وأضاف: نحن نــُـلفت النظر، وسنستمرفى لفت النظرإلى الخطرالمحدق الذى يجىء من النص الذى (جعل للدولة دين)
وكان من بين التيارالليبرالى أحمد زكى أبوشادى الذى انتقد المادة التى منحتْ الدولة (ديانة) وكأنّ الدولة مثل الأفراد الطبيعيين. فقال إنّ تلك المادة فيها تهديد باستقلال مصر، وتــُـهدّد الحكم المدنى، وأثرذلك على وحدة الأمة المصرية. كما لايمكن لمصرأنْ تنسلخ عن الحضارة الحديثة، وإذن لابد من أنْ يكون أساس الحكم العصرى مدنيـًـا، ولو احتاج الأمرلتعزيز ذلك بتعديل الدستورلوجب تعديله من غيرتردد. وأضاف: وأعتقد أنّ تركيا الحديث بنظامها المدنى هى المثل الأعلى فى الشرق والواجب الاقتداء به، فقد أدى هذا النظام إلى زيادة الروابط بين طوائف الشعب المختلفة، دون أنْ يتعرّض النظام للعقائد الدينية (الخاصة بكل طائفة) أما فى مصرفقد كان من نتائج تملق الحكام لرجال الدين تشجيع هؤلاء على التدخل فى شئون الحكم وفى نظام الدولة. واستمرفى تحذيره فأضاف: وأصبحنا فى مواجهة خطرحقيقى، يـُـهدد النظام العصرى الديمقراطى، وصرنا مستهدفين لدكتاتورية دينية، لذلك يجب وضع رجال الدين فى مكانهم الطبيعى، حيث طالب بعض غلاة الإسلاميين ترحيل المسيحيين المصريين إلى الحبشة، وأخذتْ عوامل التفرقة تنعق مثل البوم، وذلك بسبب تشدد الإسلاميين، ومع ملاحظة أنه قد أثبت التاريخ القديم والحديث، فى جميع الدول أنّ الدين عندما يتدخل فى الحكم لابد أنْ يسود الفساد.
وفى ظل هذا المناخ الليبرالى المستنير، ردّ (أبوشادى) على (زكى مبارك) وانتقد كتابه (اللغة والدين والتقاليد) فقال: يجب أنْ نستبعد عنصرالدين من عناصرالاستقلال خاصة عندما نشعرأنه يزعزع (عن عمد) هذا الاستقلال، بسبب اختلاف الأديان والمذاهب. وقال للشباب: يجب الاصرارعلى مبدأ فصل الدين عن الدولة، وعلى بث الروح المدنية فى تربية أبناء الأمة المصرية، وعلى نشرالثقافة العلمية (المصدرالسابق- من ص18-21)
***







اخر الافلام

.. تنظيم الدولة الإسلامية بين الحقيقة والبروباغندا--ماوراء الخب


.. عبود الزمر ونصر عبد السلام وسمك على رأس الحضور بعمومية الجما


.. كتب الإخوان تغزو المعرض الدولى للكتاب بطنطا




.. أسرة الرائد مصطفى يسرى فى الذكرى السنوية الأولى لاستشهاده: ر


.. استمرار الجدل بشأن المساواة في الميراث وزواج المسلمة بغير ال