الحوار المتمدن - موبايل



اليسار العربي بين النقد التأريخي والتمسك بالشعاراتية

عباس علي العلي

2017 / 4 / 20
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم


اليسار العربي بين النقد التأريخي والتمسك بالشعاراتية


كثيرا من اليساريين العرب وخصوصا من بقي محافظا ووفيا للمبادئ التي تعلمها في بداياته الفكرية متمسكا بحتمية أنتصار اليسار في صراعه الوجودي مع كل قوى اليمين واليمين المتطرف، ومؤمنا أيضا أن خيارات الحتمية التأريخية تشير حسب قراءاته العامة والشخصية أن الصراع محسوما سلفا لليسار مهما قويت شوكة الأعداء، الأماني في الموضوع جميلة واليسار العربي خاصة أكثر القوى السياسية في العالم تحمل أجمل الأماني في عالم تسوده قيم الديمقراطية والحرية والبناء الأشتراكي وحقوق المرأة والخ من الشعارات البراقة التي يعشقها رومانسيوا السياسة، فالواقع كما يجب أن يطرح كسؤال وجودي ممكنا أن يكون مستوعبا لهذه الأحلام والأمال العريضة في الوقت الذي نشهد كل يوم نكوصا إلى الوراء وتخلفا عن مسيرة أمتدت لقرن مع اليسار وما طرحه من تصورا ورؤى يمكنها أن تعالج واقعا مزريا يعيشه العرب وينخرطون فيه إنخراط.
كيساري أتكلم وبمرارة أن حصادنا المر مع مجتمعاتنا ومع عقل عربي لم يحسم لليوم إرادته وإنحيازه لوجوده أشعر أننا فقدنا الكثير من القوة والديناميكية السياسية اللازمة لمواصلة النضال، مع تجربة أنتكست مرات ومرات في الوضع الواقعي في المجتمع العربي، فمنذ أكثر من ستة عقود وخاصة بعد هزيمة حزيران سنة سبعة وستين وما جرت من إرتدادات على تجربة اليسار العربي، بأخطاء مشتركة لا نبرئ اليساريين العرب من جزء من المسئولية التأريخية خاصة وأن النكسة كانت ثقيلة بالقدر الذي لم يتحمله مجتمع ما زال فتيا في تجربته اليسارية، لا ننفي أخطائنا ولكن ليس بالقدر الذي صورته وضخمتها أفكار وأعلام ومناهج أصولية رجعية ومتخلفة على أنها خلاصة لما يمكن أن يجلبه اليسار لمجتمع تخلى عن تقليديته الأجتماعية وأبتعادها بخطوة عن مرجعيته الدينية، هذه الهجمة المرتدة بقوة تزعمها تيار ديني مقاوم أنشيء خصيصا ليكون الحارس الأمين على مصالح قوى أقتصادية وسياسية كانت ترى في اليسار ومن يقف خلفه من قوى صديقة خارجية وداخلية، على أنه الخطر الحقيقي على مصالحها ووجودها في المنطقة.
ولا يعني هذا أبدا أننا لا نعي ما يدور ولكن مشكلتنا أننا لم نراجع بجدية وبمنهج نقدي كل التجربة وكل المخاض الذي أدى إلى بروز قوى اليمين على الساحة العربية وبقوة، ونعزي ذلك في كل مرة إلى نظرية المؤامرة ونظرية جدلية الصراع الحتمي ونحن نفقد مواقعنا موقعا تلو موقع، متناسين أن التجربة التأريخية التي هي رافد مهم في فهم الواقع العربي وإشكاليته الفكرية والسياسية، لم تؤشر عبر واقعها نجاحا لليسار حتى في صورته الدينية التي نعتز به برموزه ودوره التأريخي، فالمجتمع العربي مجتمع محافظ ومتدين ومؤمن بالماضي أكثر من إحساسه بالمستقبل مهيمن عليه الهاجس الروحي، لذا حتى من يقسم دور الدين في تأريخنا ومن خلال إسقاط المفاهيم الفكرية عليه ويصور الصراع الجدلي فيه على أنه صراع بين يسار ديني متحرر ينتصر للشعوب والإنسان كقيمة ويمين ديني مغلف بهيمنة السلطة الكهنويتة وقداسة المعبد.
أعتقد أن من لا يدرك أن الدين عموما بحسب تكوينه الفكري في مجتمع بني على أساس الطاعة والولاء والخضوع والمتابعة ليس فيه يسار حقيقي يعتمد إرادة الشعوب وخياراتها المصيرية، بل هو صراع بين يمين إصلاحي ضعيف وبين يمين متطرف ومغالي في طروحاته العصبية والعنصرية، إلا في بعض الأصوات التي أنفردت بإنسانيتها المحضة لا بدافع الدين وواقعية التجربة الخاصة في مجتمع قبلي متحفظ ينحاز لقيمه الخاصة ولو تضادت وتعارضت مع قيم الدين ذاته، فشكلت هذه الأصوات أنعطافة فكرية في الواقع السياسي وفرضت معادلات خاصة لكنها لم تستثمر ولم تستمر بإيقاعها المؤسس، ما لبث أن حولها الكهنوت اللاحق في نفس الدائرة إلى يمين خرافي ودائرة من التجهيل والتقديس للرمز وشخصنت القضية بإطار ديني محض، ونسيت أصل القضية التي برز من أجلها هذا الصوت الإنساني المتفرد، فزايدت على خصومها في يمينيتها المتطرفة وأزهقت التجربة وقتلت حتى أبطالها الأوائل.
الخطوة الثانية التي هدت من قوة اليسار العربي وأجهضت حتى شعاراته هي تجريده من القدرة على توجيه الخطاب الشعبي وإعادة صياغة مفاهيمه في ضوء النكسة الكبرى، هنا نجحت كل القوى المعادية بالزحف بقوة على منافذ الصوت اليساري إعلاميا وفكريا وأستحوذت على مواقعه التي كانت تلعب دورا مهما في التوعية والتحشيد، فتحولت الكثير من الصحف ووسائل الأعلام وبعض الكتاب والشخصيات الفكرية المؤثرة بالتحول إلى جبهة الأعتدال كما يزعمون بأموال وأمتيازات شخصية ضخمة، سرعان من أنكشفت هذه الحملة ومن ورائها مال سياسي مسخر لحرب طويلة الأمد وتسقيطية لكل ما هو تحرري وتقدمي، وتسلقت أقلام وصحف صفحراء مواقع التأثير في ظل تراجع وتقهقر فكري بقى في موقع الدفاع المتأخر عن التجربة وتبرير الخطأ، هذا سهل للصوت المعادي المزيد من حصد المكاسب وتقديم البديل الأصولي بشقيه الديني والفكري اليميني كخيار وحيد للأنقاذ.
كل هذا وما زال اليساريون في الواجهة ولم يتخلوا عن الكثير من قيمهم وشعاراتهم وهذا جيد في نظري الشخصي، ولكن المطلوب اليوم التحرك أكثر للأمام ومحاولة فهم الواقع على أنه واقع يجب مواجهة أستحقاقاته بشجاعة فكرية، فلا يكفي أن نبقى أوفياء للمبادئ دون أن تدفعنا هذه القيم إلى أمام وإلى البحث عن الأختلالات واعلل الفشل ونتائج التجربة بروح النقد الذاتي، عندما أكتب ناقدا ظاهرة أو حالة أجتماعية أو سياسية فكرية فأني أمارس دوري كباحث أجتماعي وليس بالضرورة أني مستعد هذه الجهة أو تلك، فلا الواقع الديني اليوم واقع فاضل بكل معنى الكلمة ولا الواقع السياسي والفكري نزيهة لدرجة المعصومية، هذه حياتنا وفيها الكثير من الخيبة والأحباط والفشل والأنحراف، ولا بد لنا كمثقفين وذوي أختصاص أن نمارس نقدا علميا منهجيا لنصحح أو نكشف أسباب الأنحراف والتقصير تجاه أنفسنا أولا وأساسا لنبقى على قيد الوجود.







اخر الافلام

.. خطة عسكرية جديدة في اليمن


.. ميسي.. 30 عاماً


.. إسرائيل تصعد الوضع العسكري في الجولان




.. واشنطن وسوريا.. استشراف الأسوأ بعد الرقة


.. -جحا- في شوارع تركيا