الحوار المتمدن - موبايل



شخصِيةٌ غير نَمَطِية

امين يونس

2017 / 4 / 20
الادب والفن


تلقى " حسن أفندي " نبأ ولادة زوجتهِ لِذَكَرٍ .. بِفَرحٍ وإرتياح . كانَ ذلك في شتاء آخر سنة من القرن التاسع عشر ، أي نهايات عام 1899 . فعلى الرغم من ان حسن أفندي كانَ مُتعّلِماً ومُتخَرِجاً من مدارس عثمانية ، ويحمل شهادةً تُخّوله للتدريس باللغات التركية والعربية والكردية ، فأنهُ شأنهُ شأن أهالي العمادية الآخَرين ، يُفّضِل ذُرِية من الذكور لإعتبارات إجتماعية مُتوارثة . على أية حال ، أسْمَوا الوليد " إسماعيل " ، وفي سنواتٍ لاحِقة ، تبعهُ ثلاثة أولاد آخَرين وبنتٌ واحدة .
المخاضات الصعبة التي مرّتْ بها الإمبراطورية العثمانية " المريضة " في تلك الحقبة ، وإنخراطها في حربٍ طويلة شّاقة ، وإنتشار المجاعات والأوبئة في مقاطعات كثيرة من الإمبراطورية المترامية الأطراف .. كُل ذلك أثّرَ سِلباً على منطقة العمادية أيضاً . ولكن بِدرجةٍ أقَل من المناطِق الأخرى ، وذلك لأن قَبضة الحُكم العثماني ، كانتْ مُتراخية وعاجزة عن السيطرة الكامِلة على مثل تلك الأماكن الجبلية الوعرة البعيدة ، بل ان العمادية كانتْ تُدار على الأغلَب من قِبَل حُكامها المحليين وبلديتها يُديرها في العادة شخصٌ من وجهاء القصبةِ نفسها ، مع وجودٍ رمزي لسُلطة الدولة العثمانية . إلا أن هزيمة الإمبراطورية المريضة في الحرب العالمية ، وإحتلال القوات البريطانية للبصرة ثم بغداد وتقدمها نحو الموصل ، زادَ من تدهور الأوضاع في المنطقة وعّمتْ الفوضى أبان وصول طلائع القوات البريطانية إلى مشارِف العمادية ، حيثَ كَمَنَ بعض المُسلحين من أهالي المنطقة تحت اُمرة " الحاج شعبان " للجيش المُتقدم ، وبأسلحتهم البسيطة تمكنوا من قتل ضابطٍ بريطاني كبير ، وإنسحبَ المسلحون بعدها إلى داخل الأراضي التركية .
وسط هذهِ الأجواء المشحونة ، ترعرعَ " إسماعيل " في كنف والده حسن أفندي . ولأن حسن كان أفندي مُحتَرَم ووجهاً من وجوه العمادية ويمتلك خزيناً جيداً من المُؤن ، فأن عائلتهُ نجحتْ في عبور تلك المرحلة الصعبة المُضطربة ، بأقل قدرٍ من الخسائِر . فالعديد من العوائِل فقدتْ أبناءها في الحروب وآخرين فقدوا أعزاءهم من خلال المجاعات والأوبئة التي أكملتْ مآسي الحرب .
في مُنتصف العشرينيات من عُمره ، تزوجَ إسماعيل بإبنة عّمته ، وكان حينها قد أوشكَ أن يتخرج من المرحلة الإعدادية ... ويُعَدُ هذا إنجازاً كبيراً في ذلك الزمن الصعب ، حيث لم يكُن مُتوفراً لمعظم الناس تَرَف إرسال أبناءهم إلى المدارِس في مُدنٍ بعيدة ، بعد المرحلة الإبتدائية .
تعّينَ إسماعيل في مديرية غابات السليمانية في بداية حياته الوظيفية ، وبقى هنالك لعدة سنوات ، ثُم نُقِلَ إلى مديرية غابات أربيل ، التي إستقَرَ فيها . كانَ إسماعيل حتى نهاية الثلاثينيات ، موظفاً نَشِطاً مَرِحاً ، مُحِباً للسَفَر، له علاقات صداقة عديدة في أوساط الموظفين في أربيل .. لكن تعرّفه على بعض رجال الدين والخُطباء وتقّرُبه منهم ، كانتْ البداية في تغيير مَسار حياته كُلِياً . صحيح ان إسماعيل كان إبن الحاج حسن أفندي ، المُحافِظ كما أغلب الناس في ذلك الزمن ، الذي عّلمهُ على التقوى والرحمة وحُب الخير ، وهو نفسه ، أي إسماعيل ، كانَ مُلتزماً منذ شبابه المُبكِر ، بأداء الفرائِض الدينية حسب الأصول .. لكنهُ كانَ مُعتَدِلاً عموماً ويُمارِس حياته الإجتماعية مثل أقرانه .
في مُقتَبَل الأربعينيات ، سافرَ مع مجموعة من الملالي والخُطباء ، لأداء العُمرة لأول مّرة ، فأعجبَ إيما إعجابٍ ، بِمّكةَ والمدينة وببساطة وتواضُع الناس فيها . في السنةِ التالية ، ذهبَ إسماعيل إلى الحج مع القافلة ، لكنهُ لم يَعُد معهم .. بل بقى ثلاثة أسابيع إضافية هناك ، يتعبد .. وشعرَ أنهُ قريبٌ إلى الله .
كانَ الحاج إسماعيل ، بعد عودتهِ ، يشتاق الى الحجاز ويتذكر تفاصيل الأيام التي قضاها هُناك . بدأتْ علاقاته الإجتماعية تتقلص وإقتصرتْ تدريجياً ، على حلقةٍ من المتدينين . وبعد ذلك ، كان من النادِر ان تمُر سنة أو سنتَين ، من دون أن يحج أو يعتمر . تكونتْ علاقةٌ روحية متينة بينهُ وبين بيت الله الحرام ، لم يستطع الفِكاك منها .
إسلوب حياته الجديد ، لم يَعُد يتوائَم مع متطلبات وظيفته في دائِرةٍ حكومية ، فتركَ الوظيفةَ بِكُل بساطة في سنة 1949 ! . وللمُفارَقة ، هي نفس السنة التي تَعّينَ فيها شقيقه الأصغر " مصطفى " مُدّرِساً للجغرافية في أربيل . وبعد ذلك ، كان إسماعيل ، يحجُ كُل سنة أو يعتمر ، ويبقى في كُل مرّة مُدّةً فوق المُقّرَرة ، بل أنهُ مكثَ في المدينة المنورة في إحدى السنوات ستة أشهُر مُتواصِلة ، ولا يُعرَف كيف سمحتْ لهُ الحكومة السعودية بذلك ! .
إستمرَ الحاج إسماعيل على نفس النهج طيلة الخمسينيات ، وعندما يتمعنُ المرءُ اليوم ، في طبيعة علاقة الرجُل مع الدين والإيمان عموماً .. نكتشف أنهُ أي الحاج إسماعيل ، كانَ قد وصلَ إلى مراحل مُتقدِمة من التصّوُف .. فلم تعُد عندهُ العائلة من الأولويات ، ولا تهّمه مباهج الدُنيا وزخارفها ، بل لم تكُن لهُ طموحات دنيوية .
هذه المواصفات الخاصة بالزُهد والتصوُف ، يصعب إستيعابها وتقبُلهاعادةً ، ليسَ فقط مِنْ قِبَل الأهل والأقرباء فقط ، بل من المُجتمَع عموماً . فلم يكُن من النادِر أن تسمع هُنا وهناك ، ان الحاج إسماعيل قَد جُنّ أو خَفَ عقله ! .
في منتصف الستينيات ، وفي طريق عودة الحاج إسماعيل من الحَج ، تَخَلَفَ عن القافلة في الأردن ، عمداً ، ولم يرجع معهم الى العراق ، بل توجهَ إلى القدس الشرقية ومكثَ فيها بضعة أيام ، ثُم إستطاع عبور الجدار الفاصِل الى الجانب الغربي بطريقةٍ من الطُرُق ، ووصلَ الى المسجد الأقصى وصّلى هُناك . بعد الصلاة دعاهُ أحد المُصلين لتناول الغداء في منزله ، فذهب معهُ . تبادَل الحديث مع الرجل المضيف وأخبرهُ بِعفويةٍ وحُسن نِية ، بأنهُ من العراق وأنهُ كان ضمن العائدين من الحج ، لكنهُ تخلَفَ عن القافلة ، عازماً على المجئ إلى القدس خصيصاً للصلاة في المسجد الأقصى وأنهُ عبرَ الجدار الفاصل خلسةً . قالَ له الرجل : تفضَل إشرب الشاي سأخرج الآن ولن أتأخر في العودة . غادرَ الرجُل ، وما هي إلا دقائِق عادَ ومعهُ ثّلة من الجنود الإسرائيليين .. فقبضوا على الحاج إسماعيل وأخذوه . هذا " الفلسطيني الطيب " ظهرَ أنهُ مُخبر لدى الأمن الإسرائيلي ! . على أية حال ، حّققوا مع الحاج إسماعيل ولم يجدوا عنده كما يبدو ما يريب ، فسّلموهُ في اليوم التالي الى السُلطات الأردنية ، التي أرسلَتْهُ بدورها إلى العراق ، حيثٌ نُقِلَ من بغداد مخفوراً إلى العُمادية ، فكفلهُ والده الحاج حسن أفندي ، واُطلِقَ سراحه ! .
المُهم في الأمر، الحاج إسماعيل رغم ما لاقاهُ من مواقف صعبة ومُعاناة وإحتجازٍ لدى الإسرائيليين في القدس الغربية والسلطات الأردنية بعد ذلك وترحيلهِ قابضاً من بغداد الى العمادية ... رغم كُل ذلك ، وفي قرارة نفسه ، كانَ مُرتاحاً لأنهُ تمكنَ من الصلاة في المسجد الأقصى ، وهو أمرٌ لا يُتاحُ لأيٍ كان ! .
في مُقتَبَل السبعينيات ، وكان الحاج إسماعيل عائِداً لتوهِ من الحجاز ، أخبرَ زوجته وأولاده ، بانهُ جاءَ ليودعهم نهائِياً ، لأنهُ ذاهبٌ إلى المدينةِ المنورَة ليُقيم فيها لبقية عمره ولن يعود ! .
كانَ هنالك كما يبدو " هاتِفٌ " يهتفُ في أعماق نفس الحاج إسماعيل ، يدعوه للذهاب إلى الحجاز ، مغناطيسٌ لا يستطيع مقاومته ، يجذبه نحو مكّة والمدينة المنورة . وبالفعل غادرَ الحاج ولم يَعُد .
بعد عدة سنوات ، زارَتْهُ زوجته وإبنته الوحيدة وأحد أبناءه ... ورأوا كيف أن الحاج كانَ مُتصالِحاً مع نفسه قنوعاً هادئاً .
في 1983 ، ومن خلال القنصلية السعودية في تُركيا ، إستطاعَ إبنهُ الأصغر ، وبعد ان شرح لهم بالتفصيل حكاية والده ، الحصول على موافقة للسفر على حساب الحكومة السعودية ذهاباً وأياباً ، فإلتقى بوالده في المدينة المنورة ، حيث كان يقيم في منزل كبير ، متكون من خمسة غُرَف مُؤَثثة بصورةٍ ممتازة ، وفي كُل غُرفة " شيخٌ أجنبي " .. حيث كان الشيخ الحاج إسماعيل في إحدى تلك الغُرَف ، ويقومُ عاملٌ نشيط على خدمة الشيوخ . والمنزل كله مُلك لثريٍ من أهل المدينة ، أوقفه لخدمة هؤلاء الشيوخ في سبيل الله .
توفى الحاج إسماعيل في نيسان 1984 في المدينة المنورة ودُفِنَ فيها .
الراحِل الحاج إسماعيل حسن أفندي ، كانَ شخصيةُ غير نمطية على أكثر من صعيد ... رُبما آخر المتصوفين من أهالي العمادية .







اخر الافلام

.. فيلم وثائقي استثنائي استغرق إنجازه خمس سنوات انطلاقا من دبي


.. منزل الفنان سيد درويش يتعرض إلى الانهيار التام


.. الفيلم والثائقي: اليمن - وباء الحرب




.. حاكم دبي يطلق أكبر تحد للترجمة في العالم العربي


.. هذا الصباح- المؤثرات البصرية في الأفلام السينمائية