الحوار المتمدن - موبايل



الله في فكر عمر الخيام 12 /25

داود سلمان الكعبي

2017 / 4 / 22
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


مبادئ التسامح:
يقول الخيام:
احسن الى الاعداء والاصدقاء
فإنما انــــــس القلوب الصفاء
واغفــــــر لأصحابك زلاتهم
وسـامح الاعداء تمح العداء
يا لها من حكمة عظيمة... حيث يدعو فيها الخيام الى التسامح؛ لأن بالتسامح نقضي على الاحن والاحقاد، وبه نغفر الزلات التي تصدر عن الآخرين، سواء بنية كانت مقصودة، او بنية غير مقصودة، فتتصافى القلوب وترتشف الافئدة مياه المحبة، وتستنشق هواء التسامح، والذي يعود بنا الى الكرم، وفق الحكمة التي تقول:" المسامح كريم". وما احوج الناس، اليوم وفي كل يوم، الى هذا التسامح الذي يسقي القلوب الظمأى التي اصبحت يبابا، بعد أن عصفت بها رياح الحقد والغيض؛ خصوصا ما نعانيه اليوم في القرن الواحد والعشرين من تشظي و احتراب لا مبرر له، افضى بنا الى هدم قيم؛ وكأن الخيام قد استقرأ الغيب وعلم ما ستؤول اليه الامور، فدعا الى مبدأ التسامح، لكننا للأسف لم نلتزم بذلك.
والتّسامح أحد المبادئ الإنسانية، كما أنّ التّسامح في دين الإسلام يعني نسيان الماضي المؤلم بكامل إرادتنا، وهو أيضاً التخلي عن رغبتك في إيذاء الآخرين لأيّ سببٍ قد حدث في الماضي، وهو رغبة قويّة في أن تفتح عيناك لرؤية مزايا النّاس بدلاً من أن تحكم عليهم وتحاكمهم أو تدين أحداً منهم. والتّسامح أيضاً هو الشّعور بالرّحمة، والتّعاطف، والحنان، وكلّ هذا موجود في قلوبنا، ومهمٌّ لنا ولهذا العالم من حولنا. والتسامح أيضاً أن تفتح قلبك، وأن لا يكون هناك شعور بالغضب ولا لوجود المشاعر السلبية لأيّ شخصٍ أمامك. وبالتسامح تستطيع أن تعلم بأن جميع البشر يخطئون، ولا بأس بأن يخطئ الإنسان.

وهذه الابيات تدعونا الى الخوض في نظرية التسامح، والتي دعا اليها العديد من الفلاسفة، قديما وحديثا، بما فيهم شاعرنا وفيلسوفنا الخيام. فنقول:
ما هو التسامح؟
والتسامح يأتي بمعنى: التساهل، العفو، الحلم، التجاوز، وبمعنى ان تتساهل وتعفو وتتجاوز عمن ظلك او اساء اليك وانك تتجاوزه بالعفو والحلم.
ويراد من التسامح في الشيء، في المعنى اللغوي، التساهل فيه، والمسامحة هي المساهلة والتَّساهُل هو التسامُح واسْتَسْهَلَ الشيءَ عَدَّه سَهْلاً. (لسان العرب– سهل: 11/ 349).
والتسامح في (التعريفات للجرجاني ص45) هو: "استعمال اللفظ في غير الحقيقة بلا قصد علاقة معنوية، ولا نصب قرينة دالة عليه، اعتماداً على ظهور المعنى في المقام، فوجود العلاقة بمعنى التسامح. أي يرى أن أحداً لم يقل إن قولك: رأيت أسداً يرمي في الحمام، تسامح، وهو ألا يعلم الغرض من الكلام، ويحتاج إلى فهمه إلى تقدير لفظٍ آخر".
والإعلان الدَّوليّ للتسامح الصَّادر سنة 1995م عرَّف التسامح بالنّص التَّالي: "إنّ التّسامح يعني الاحترام والقبول والتّقدير للتّنوع الثريّ لثقافات عالمنا ولأشكال التّعبير وللصِّفات الإنسانيّة لدينا. ويتعززّ هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفِكر والضمير والمُعتقَد. وأنَّه الوئام في سياق الاختلاف، وهو ليس واجبًا أخلاقيًّا فحسب، وإنما هو واجبٌ سياسيٌّ وقانونيٌّ أيضًا، والتَّسامح هو الفضيلة التي تُيسِّر قيام السَّلام، تُسهِم في إحلال ثقافة السَّلام مَحلَّ ثقافة الحرب".
وثمة امور تهدينا الى تسامح من اساء الينا، وان نصفح عنه حتى تتصافى القلوب وتموت الاحقاد، ونسبح في مياه التصالح منتشين، متحابين، تجمعنا الانسانية وروح المودة في خيمة واحدة، وهذه الامور لخصها ذوي الاختصاص والخبرة بما يلي:
1- تعلم من أخطاءك السابقة: إن التسامح أمر سهل لكن في بعض الأحيان يكون النسيان أصعب، ركز على الجانب العاطفي أو الطيب لديك ودع قلبك يتكلم، في النهاية شيء ما سوف يحدث ثم يعود كل شيء لوضعه الطبيعي. التجارب هي دروس لتعلمك وتوجهك لتكون انسان أوعى من السابق حاول ان تتعلم مما حدث معك ويكون درساً لا عليك، الحياة مراحل وكل يوم نتعلم دروس جديدة كل صديق وكل موقف هو لصالحك انت فقط تعلم.
2- الامتنان والسعي لتحقيق السعادة من الداخل إلى الخارج : حاول أن تتذكر محاسن الشخص وأن لا تنكر أنه كان يعنيك في يوم ما. السعادة هي قرار قرر من داخلك أنت، وانك ستكون سعيد ولتكون سعيد أنسى تمام او لا تفطر ولا تذكر مساوئ رفيقك سابق اذكره بالخير.
3- الاعتذار: إذا أخطأت يوما في حق شخص ما يجب عليك أن تعتذر له، لأنه من البديهي إن تسبب أحد الناس بأذية شخص فليس من الممكن أن يراه أو يتحدث إليه.
4- حافظ على وجهة نظرك إذا كنت تمر بفترة صعبة: وحاول أن تذكر نفسك بأن ما يحصل هو جزء من حياتك وليس حياتك كاملة، فلا تسمح للأحداث أن تطغى عليك. عليك ان تنتبه جيداً لهذه النقطة ان موقف حدث معك او تجربة هو جزء من حياة كاملة نعم جزء بسيط حدث ورحل واصبح من الماضي لذلك عليك ان تسامح، سامح من قلبك.
5- حافظ على تركيزك: أي أن بعض الناس يتجاوبون مع الكراهية بالكراهية، والغضب، بالغضب وهكذا، لكن أنت حاول أن تبقى شخصا هادئا وحنون و محب وتحلى بالسعادة.
ايجابيات التسامح
وللتسامح ايجابيات مهمة تصب في خدمة المجتمع، حيث إن المجتمع الإنساني ينطوي على درجةً كبيرة من التباين والتوحد في الوقت نفسه، يتجلى التباين في العدد الكبير من الأعراق والأجناس والأديان والقوميات التي تحمل قيماً ومعتقدات تؤدي إلى ثقافات مختلفة، ويتجلى التوحد في أن كل أعضاء هذه الجمعيات يشتركون في كونهم يسعون للعيش بكرامة وسلام، وتحقيق طموحاتهم ومصالحهم وعلى ذلك؛ فإن ما يجمع الناس هو أكثر مما يفرقهم. ولكن لماذا العنف والصراع والحقد والكراهية التي يشهدها العالم اليوم ؟! وفي العصر الحالي فإن احتكاك المجتمعات بعضها ببعض وتشابك المصالح بينها نتيجة لثورة الاتصالات والمعلومات والمواصلات جعل من التسامح والتعايش والاتصال والحوار المفتوح ضرورات لا بد منها لتحقيق مصالح المجتمعات جميعهاً، بمعنى أن عالم اليوم هو ليس عالم الامس.

قيمة التسامح
كان ومازال مبدأ التسامح، يشغل حيزا واسعا في فكر المثقفين والمفكرين والمعنيين، قديما وحديثا، وعلى مدار حقبة طويلة من التاريخ. وهو اليوم حديث القاصي والداني، ذلك لما له من اهمية كبرى، في ديمومة الحياة والتواصل مع معطياتها، ولاسيما وان الإنسانية أخذت على عاتقها بث التفاؤل منسجمة وحيادية، تجاه الفرد والنظر اليه كانسان له حق العيش على هذه البقعة من الأرض المعطاء، وان لا يعتدى على كرامته احدا.
وقد طرحت كثير من الدراسات والبحوث، من قبل الكتاب والباحثين تناولت وجهات نظر كثيرة ، أكدت فيها حرصها على ترسيخ مبدأ التسامح ودعت الى اعتناق هذا المبدأ، ومن ثم بثه في المجتمعات المختلفة، كي تعيش في سلام ووئام دائمين، وان تنبذ العنف والتفرقة، وما يدعو إلى الاحتراب والاقتتال، وما يشجع على الشحناء البغضاء والكراهية، والتي دوما ما تفضي الى خوض معارك طاحنة تخلف مزيدا من الضحايا الأبرياء، حيث يكون هؤلاء الابرياء وقودا سريع الاشتعال.
فلا ريب، أن الغرب كانوا سباقين في هذا المضمار، فقد تبنى كثير من فلاسفتهم ومفكريهم مبدأ التسامح، واكدوا عليه من خلال نظرياتهم وبحوثهم ودراساتهم. ولعل ابرز من تبنى التسامح واكد على اعتناقه، هو الفيلسوف الانكليزي (جون لوك) ، فقد كتب رسالة في هذا الخصوص اطلق عليها اسم (رسالة في التسامح ) ثم تبعه، بعد ذلك كثير من الفلاسفة والمفكرين، وسار قسم كبير على نهج خطاهم. اما التسامح الذي دعا اليه (لوك) ، فهو التسامح الديني في المسيحية ، واشار الى أن التعدد في الدين أمر طبيعي، وان لكل إنسان السلطة العليا المطلقة في الحكم لنفسه في أمور الدين. لكن الشيء المهم الذي أكده لوك في رسالته قوله: "ينبغي على الحاكم الا يتسامح مع الملحدين لأنه لا أمان لمن لا يؤمن بالله ،وأنه موجود وطاعته واجبه".
وبالمقابل، فأن في العالم العربي لا زالت هناك كثير من الأصوات، تدعو الى التسامح وبث هذه البذرة المسماة بالتسامح، في أقصى بقاع الأرض لكي يعم السلام وتزدهر الحياة، ويعيش الجميع في وئام مستمر، حتى تدور عجلة الحياة كما ينبغي.
لكن اليوم، وللأسف الشديد، قد شوهت كثير من معالم الإسلام، من قبل الاسلامويون والذين تبنوا افكار ابن لادن والظواهري والدواعش، حيث راحوا يفسرون الدين على هواهم، فيكفرون المسلمين، من خلال فتاوى ما انزل الله بها من سلطان. وقد نتج عن ذلك عمليات إرهابية كثيرة، ولا تزال قائمة من تفجير وقتل واختطاف. ناسين او متناسين ان التسامح له قيمة عليا لكنهم لا يفقهون.

انواع التسامح
والتسامح انواع:
اولا: التسامح الاخلاقي: وهو إنّ نقابل الإساءة بالإحسان، ولو انه ليس بالسلوك السهل والبسيط، وإنما يحتاج إلى امتلاك الشخص كثير من الطِّيبة والحبّ والإيمان القوي في القلب، وان يؤمن بمبادئ التسامح.
ثانيا: التسامح الديني
وهو ان يكون هناك احترام للأديان الاخرى الموجودة في بقاع المسلمين او بالعكس، والكل لهم حرية العبادة واختيار الدين او المذهب او المعتقد، فلا يجوز لأحد، كائنا من كان بأن يجبر الآخرين على تبني دين معين او فكر واتجاه معين، حيث لا يحق له، بل للآخرين مطلق الحرية، وعلى الدولة ان تحمي الاقليات الموجودة ضمن جغرافيتها وارضها، وان تسن قوانينها والدستور الذي يحمي الحريات الدينية والحريات الشخصية، حتى يتسنى للجميع العيش بسلام ووئام، كي يصبح بالتالي مجتمعا متكاملا.

ثالثا: التسامح السياسي
والتسامح السياسي قيمته تكمن في الاعتراف بالآخر سواء أكان أقلية أو أكثرية، وبحقه في العمل والتنظيم والترويج لأفكاره السياسية بعيداً عن إي قمع أو ضغط يمارس ضده بشرط ان لا يخل عمله بزعزعة الامن للبلاد، او بنشر قضاي تثير البلبلة وتساعد الارهاب.
وبمعنى آخر ان التسامح السياسي يتضمن نشر مفاهيم الديمقراطية والحرية والتعددية وحقوق الإنسان، وهذه بحد ذاتها احد متبنيات الفكر الغربي، وأحد مظاهر سلوكه السياسي اليوم. في حين ان مجتمعاتنا ونظمنا السياسية العربية ومنها العراق عانت ولا تزال تعاني في سبيل استيعاب هذه المفاهيم من ارتباك واضح. اذ تسود مجموعة من المظاهر السياسية التي تجعل من التسامح السياسي حالة نادرة الوجود ونتج عنها: التفرد بالسلطة، والاستئثار وغمط حقوق الآخرين، وهو ما يعد جوهر الاستبداد السياسي.
نقول هذا كنموذج عن العراق باعتبارنا عراقيون ونمر بأزمة سياسية حرقت الاخضر واليابس، حيث لم نشم رائحة التسامح السياسي منذ سقوط نظام صدام الى ساعة كتابة هذا البحث.
جون لوك ونظريته حول التسامح
ألف الفيلسوف الانكليزي جون لوك(1632ـــ 1704) رسالة في التسامح، وقد ترجمها عن اللاتينية الدكتور عبد الرحمن بدوي مع تعريف بالرسالة ونبذة مختصرة سلط فيها الضوء عن هذا الفيلسوف التجريبي، وهذه الطبعة التي بين يدي طبعة بغداد مركز دراسات الفلسفة الاسلامية.
وفيها لوك قد استوحى رسالته هذه من نصوص دينه المسيحي كما فهمه هو، وتعتبر نظريته هذه من النظريات الناهضة في وقتنا هذا وفي كل وقت، وذلك لما حوت من اسس انسانية دينية عليا أن طبقتها المجتمعات فسوف تعيش بسلام ووئام.
وقد اوجز بعض الباحثين افكار جون لوك الاساسية في رسالته في التسامح بما يلي:
1– لابد من التمييز الدقيق بين مهمة الحكومة المدنية وبين مهمة السلطة الدينية، واعتبار الحدود بينهما ثابتة لا تقبل أي تغيير.
2- ان نجاة روح كل انسان هي أمر موكول اليه وحده، ولا يمكن ان يعهد بها الى اية سلطة مدنية أو دينية.
3- لكل انسان السلطة العليا المطلقة في الحكم لنفسه في أمور الدين.
4- حرية الضمير حق طبيعي لكل انسان.
5– التجاء رجال الدين الى السلطة المدنية في أمور الدين انما يكشف عن اطماعهم هم في السيطرة الدنيوية. وهم بهذا يؤازرون نوازع الطغيان عند الحاكم. وعلى مدى التاريخ كان تحالف الحاكم مع رجال الدين لصالح طغيان الحاكم، وانهم غير قادرين على تقويمه ورده الى السبيل القويم.







اخر الافلام

.. أخبار خاصة | لقاء الشركاء السنوي لشركة #ميلانو


.. أخبار خاصة | من قصص نجاحات #الشباب السوري في بلدان اللجوء


.. أخبار عربية | رغم الهدنة.. مقتل 8 مدنيين بينهم أطفال بغارات




.. مرآة الصحافة 25/7/2017


.. روسيا تنشر مراكز مراقبة جنوبي سوريا وصولا إلى الجولان المحتل