الحوار المتمدن - موبايل



الله في فكر عمر الخيام 13/ 25

داود سلمان الكعبي

2017 / 4 / 23
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع



فلسفة العقل: العاقل والجاهل نقيضان
يقول الخيام:
عاشر من النـاس كبار العقــــــــول
وجانب الجهــــــــــال اهل الفضول
واشرب نقـــــــــــيع السم من عاقل
واسكب على الارض دواء الجهول
توضيح المعنى:
الانسان اذا صاحب ارباب العقول فحتما سوف ينفعونه ويسكبون عليه من فيض عقولهم ما ينعش لبه ويجعله في مصاف العلماء الفضلاء الفلاسفة المبدعون، بعكس لو ان الانسان عاشر الاقل منه مزلة في العلم والادب والاخلاق، ومن هم من صنف الجهَال، فحتما انه سينزلق ويتهاوى في طريق التيه والضلال، ومن ثم يجرفه السيل الى قعر الهاوية فيسقط فيها بمحض ارادته، لأنه هو الذي اختار هذا الطريق، وهو مصاحبة اهل الجهل، وهذا هو ما تحذر منه علماء التربية وعلماء النفس، والاخلاق وكذلك العرفاء، وجميع الفلاسفة بما فيهم شاعرنا وفيلسوفنا الخيام في رباعيته هذه.
الخيام يحذرنا حذرا شديدا، من الجهال واهل الفضول، وطلب منا أن نجانبهم ونبتعد عنهم قدر الامكان؛ فالجاهل لا يمكن الاطمئنان اليه ابدا، لأنه يضرك وهو باعتقاده يريد ان ينفعك، بعكس صاحب العقل الواعي المدرك للحياة ويجيد المعشر، فهذا الاخير هو من يجب عليك ان تصاحبه وتركن اليه وتستمع الى نصيحته والى رأيه، وبمعنى آخر هو من عليك ان تصاحبه الدهر كله.
والعاقل بما هو عاقل يمكنك الركون اليه، لأن العاقل لا ينطق الا بحكمة وتروي بعيدا عن السفاسف والترهات، فكلامه حكمة، ومشورته نصيحة، ورأيه سديد. والجاهل لا تتمنى منه غير الجهل والطريق المسدود الذي يفضي بك الى مجهول ودرب مظلم لا ترى فيه بصيص من النور. والفرق شاسع بين الاثنين، فهما نقيضان، والنقيضين لا يجتمعان. واللبيب العاقل ان يختار الصنف الاول من الناس ويترك الصنف الثاني، حتى لو كانت لدى الثاني مغريات مادية وغيرها، ففيها بعد ذلك ندامة.
وفي هذه الرباعية ثلاثة مباحث:
ما هو العقل؟
ما هو الجاهل؟
ما هو العاقل؟
اولا: العقل، تعريف العقل
ذكر الجرجاني في تعريفاته أن العقل: "مجرد عن المادة في ذاته، مقارن لها في فعله، وهي النفس الناطقة التي يشير إليها كل أحد بقوله: أنا، وقيل: العقل: جوهر روحاني خلقه الله تعالى متعلقاً ببدن الإنسان، وقيل: العقل: نور في القلب يعرف الحق والباطل، وقيل: العقل: جوهر مجرد عن المادة يتعلق بالبدن تعلق التدبير التصرف، وقيل: قوة للنفس الناطقة، وهو صريح بأن القوة العاقلة أمر مغاير للنفس الناطقة، وأن الفاعل في التحقيق هو النفس والعقل آلة لها، بمنزلة السكين بالنسبة إلى القاطع، وقيل: العقل والنفس والذهن، واحد، إلا أنها سميت عقلاً لكونها مدركة، وسميت نفساً لكونها متصرفة، وسميت ذهناً لكونها مستعدة للإدراك. وما يعقل به حقائق الأشياء، قيل: محله الرأس، وقيل: محله القلب. وهو مأخوذ من: عقال البعير، يمنع ذوي العقول من العدول عن سوء السبيل، والصحيح أنه جوهر مجرد يدرك الفانيات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة".
وفي (لسان العرب ): " العقل: الحجر والنهى ضد الحمق، والجمع عقول. وفي حديث: تلك عقول كادها بارئها أي: أرادها بسوء، عقل يعقل عقلا ومعقولا، وهو مصدر. قال سيبويه: هو صفة، وكان يقول إن المصدر لا يأتي على وزن مفعول البتة، ويتأول المعقول فيقول: كأنه عقل له شيء أي: حبس عليه عقله وأيد وشدد، قال: ويستغنى بهذا عن المفعل الذي يكون مصدرا. وأنشد ابن بري:
فقد أفادت لهم حلما وموعظة.... لمن يكون له إرب ومعقول
وعقل، فهو عاقل وعقول من قوم عقلاء. ابن الأنباري: رجل عاقل، وهو الجامع لأمره ورأيه، مأخوذ من عقلت البعير إذا جمعت قوائمه ، وقيل: العاقل الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها، أخذ من قولهم قد اعتقل لسانه إذا حبس ومنع الكلام والمعقول: ما تعقله بقلبك. والمعقول: العقل، يقال: ما له معقول أي: عقل، وهو أحد المصادر التي جاءت على مفعول كالميسور والمعسور. وعاقله فعقله يعقله - بالضم: كان أعقل منه. والعقل: التثبت في الأمور. والعقل: القلب، والقلب العقل، وسمي العقل عقلا. لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك أي: يحبسه، وقيل: العقل هو التمييز الذي به يتميز الإنسان من سائر الحيوان، ويقال: لفلان قلب عقول، ولسان سؤول، وقلب عقول فهم. وعقل الشيء يعقله عقلا: فهمه. ويقال اعقلت فلانا أي: ألفيته عاقلا. وعقلته أي: صيرته عاقلا. وتعقل: تكلف العقل كما يقال تحلم وتكيس. وتعاقل: أظهر أنه عاقل فهم وليس بذاك. (لسان العرب: 11/ 458 ).
ويقال أن: العقل أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ ؛ وهناك حديث مروي عن النبي يقول فيه: نحن معاشر الانبياء امُرنا ان نكلم الناس على قدر عقولها. وهذا يعني أن العقل هو الميزان الذي نزن فيه افعالنا واعمالنا، والبشر من دون عقل حالهم حال اي حيوان آخر، وهو اعظم هدية اهداها الله للبشر، وفي الفقه الاسلامي أن المجنون مرفوع عنه القلم، اي لا يسجل عنه اي فعل حسنا كان ذلك الفعل ام سيء، لأنه يتصرف تصرفات خارج نطاق عقله.
وللفلاسفة بحوث وكلام طويل حول العقل وماهية العقل وميزة العقل ومراب العقل، قبل سقراط والى يومنا هذا؛ وهذا معناه اهمية العقل ودوره في الاقتراعات والعلوم والتأملات، وكلما كان الانسان ناضجا ويتمتع بعقل جبار، كلما كان فاعل ومنتج للقضايا والامور العقلية.
وفي القرآن جاء ذكر العقل في العديد من الآيات، حيث جاء كلمة "يعقلون" اكثر من خمسين مرة، كذلك كلمة "الالباب" وغيرها، وكل هذا يدل على عظمة العقل.
مراتب العقل
واعتبر الفلاسفة أن العقلَ من المقولات الجوهرية، وقالوا أنه جوهر مجرّد عن مادته وصفاته، وبعيدا عن الوجود الطبيعي والظواهر المحسوسة، وعمله الإدراك والتعقل، وذكروا له مراتب، اربعة:
1 ـ العقل الهيولاني: وهو الجوهر الذي بلغ درجة الكمال في الشؤون والكمالات الحيوانية، والقوى الحيوانية فعليّة فيه، لكنّه لم يصبح فعلياً بالنسبة للكمالات الإنسانية والإدراك العقلاني، وإن كان مستعداً لتقبّل الصور العلمية؛ فمتى ما توفّر له التعليم اللازم، تقبّل الصور العلمية فوراً.
2 ـ العقل بالملكة: النفس في هذه المرتبة، جوهرٌ أعلى وأقوى من جوهر العقل الهيولاني، فقد أصبحت بعض القوى الإدراكية فعليةً بشكل تدريجي في هذه المرحلة، وخرجت عن المرتبة الهيولانية، بمعنى أنّ النفس أصبحت تدرك القضايا الكلية البديهية بنحو عقلاني، كما أنّ النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، وكلّ حادث يحتاج إلى علّة محدثة. لكن في هذه المرحلة مازال العقل يفتقد القدرة على ترتيب القياس والبرهان المنطقي لاستنباط المطالب العقلية من المقدّمات الأولية.
3 ـ العقل الفعلي: تكون النفس في هذه المرحلة قادرةً على التفكّر والاستنتاج، وتتمكّن من استخراج المجهولات العلمية من المقدمات البديهية الواضحة بضمّها إلى بعضها وتأليف البرهان والاستدلال المنطقي الدقيق، ويمكن إطلاق صفة العالم الحقيقي على صاحب هذه المرتبة، وإن كانت القوّة العقلية في هذه المرحلة فعليةً محضة، لكن مازال الخطأ والغفلة واردين في حقها.
4 ـ العقل المستفاد: تتنزّه النفس في هذه المرحلة عن الغبار الذي يغطّي عالم الفكر ويسبب الغفلة أحياناً، وتبلغ في التركيز على جوهرها العقلي والاستغراق في إدراك المعقولات المحضة درجةً من القوّة، تشاهد فيها معقولاتها أمامها، ولا يمكن لقوّةٍ ما جذبها إلى عالم الحس والتغلّب على مدركاتها العقلية، وهذه غاية مراتب الكمال العقلي والفعلية الإنسانية. (راجع: الدكتور سليمان، مجلة جامعة دمشق، مج 30 -العدد 1-2 لسنة 2014 ) وكتاب الاسفار، لأن سينا، ج 9، وغيرها من المصادر).
وثمة حديث عن الامام علي: الجمال في اللسان، والكمال في العقل، ولا يزال العقل والحمق يتغالبان على الرجل إلى ثماني عشرة سنة، فإذا بلغها غلب عليه أكثرهما فيه. (راجع: بحار الانوار- ج ١ - الصفحة ٩٦).
ثانياً: ما هو الجاهل؟
و"الجهل عند أهل اللغة هو نقيض العلم يقال جهله فلان جهلا وجهالة وجهل عليه وتجاهل أظهر الجهل، وتجاهل أرى من نفسه الجهل وليس به واستجهله عده جاهلا".
واصطلاحاً: "هو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه".
والجاهل هو الذي يتصف بالجهل، وهو الاحمق او القريب من الاحمق او الذي لا يعقل، وهناك نوعان من الجهل كما تعلمناه في المنطق: جهل الانسان بأمر غير معلوم وبإمكانه ان يتعلمه، ويسمونه الجهل البسيط، والثاني الجهل المركب، والجهل المركب: أن الشخص يجهل، ويجهل انه يجهل؛ وهذه هي الطامة الكبرى، وكم اليوم في مجتمعاتنا العربية والاسلامية من يحملون هذه الصفة وللأسف الشديد.
وتعريف الجهل بالمنطق هو: «عدم حضور صورة الشيء في الذهن». فالجهل – كما في المنطق ايضاً- "يُنسب إلى الإنسان خاصَّة لأنَّه يمتلك قابليَّة التعلّم ومن شأنه أن يكون عالماً". والمشكلة انه يصر على جهله، وهذا ما يحذر منه الخيام في رباعيته.
ثالثاً: العاقل، هو يحمل العقل الكامل، ويستطيع ان يفكر صحيحا، ولا يقدم على اي امر الا بعد أن يستشير عقله، ويدرك مضار او منافع العمل الذي يريد ان يقوم به، ويحسب نتائجه مسبقا؛ فالعاقل لا نخاف منه بقدر ما نخاف من الجاهل، لأن الاول يحسب للأمور الف حساب، اما الثاني، فهو يسيّر الأمور على علاتها، ولا يشعر الا بعد ان يقع بالقاضية، عند ذلك يندم، ولات حين مندم. وهذا الذي يتخوف منه الخيام ويحذرنا منه اشد الحذر؛ والعاقل كما عبر عنه الخيام لا تخاف ما يبدر منه حتى لو اعطاك شربة من نقيع السم!، وهو صيغة من صيغ المبالغة. " واشرب نقيع السم من عاقل". حكمة تدل على عظمة فلسفة الخيام ومعرفته بالأمور.







اخر الافلام

.. وأخيرا فعلتها ميلانيا ترامب!


.. الناتو .. على خط المواجهة مع داعش


.. ما وراء التحقيقات البريطانية والتسريبات الأميركية




.. إيران .. رسائل تصعيد لمن يهمه الأمر


.. صور لنجمات تنشرها صحف أوروبية على أنها لأخت إرهابي مانشستر