الحوار المتمدن - موبايل



تقريظ الجهل

عبد الله عنتار

2017 / 4 / 30
الادب والفن



لم يكن طه يفكر في شيء، كان طه هو التفكير نفسه، لم يكن يتعقل شيئا، بل إنه العقل نفسه، كان في عمر الخامسة، يرتدي جلبابا وفي رجليه نعال ممزقة، بينما شعره كان كثا فاحم السواد، كان يجوس بين الحقول، يطارد الفراشات برهة ويسير خلف القطعان برهة أخرى، كان في عينيه المرح، وفي قلبه الغبطة وفي خياله السرور، ولد طه في الريف، في منزل قروي متواضع يتكون من بيوت حجرية تحت شجرتين عملاقتين يحيط بهما نبات الصبار، وغير بعيد عنه كانت هناك غابات من الدوم، كان طه في أيام الربيع يأخذ فأسا ويهيم في الغابة ويقتلع الدوم ويقضي نهاره هناك مستظلا تحت الأشجار، ولا يعود إلا مع غروب الشمس، بينما في فصل الصيف كان يقضي أيامه على الحصيدات، يرعى الأغنام ويلعب الكرة مع أترابه، كان يجد متعته في أن يجري ويقفز ويضاجع الأرض التي لم يكن يعرف أنها أمه، لم يفكر أبدا، ذلك هو سر سعادته، إن السعادة في تعطيل السؤال، في الفعل في الراهن، لا التفكير في القبل أو البعد، طه لم يسأل من هو ولم يسأل من هؤلاء، طه كان كل هؤلاء دون أن يفكر في الأمر، إنه هو هم دون أن يعرف أنه هو هم، إن المعرفة تعادل الشقاء والجهل يعادل السعادة، لقد كان طه سعيدا مرحا، يلعب الكرة في الصباح ويسبح في الوادي عند الزوال، ويتسلق أغصان التين في المساء وينام بكل أريحية على تربة التيرس تحت القمر، لم يكن ينغصه شيئا، كان سعيدا ومرحا، كان هاجسه أن يعيش، كان شرها في الأكل، يحب تناول الشاي والزبدة، كانت تضع له أمه الزبدة في الخبز ويطيب له أن يذهب رفقة ابنة جارهم ميلودة، كانا يمتطيان الحمار ويسيران جانب الوادي ويخترقان نبات الدفلى ويجلبان الماء من العين، ذات يوم وجدا ثعبانا وسط العين، حمل طه صخرة، قالت له ميلودة : "لا تقتله "، لم يبال بها، رفع الصخرة عاليا، قذفها، فصل الثعبان إلى قسمين، تلوثت العين، صرخت في وجهه ميلودة : " الله، سيعذبك الله " . تركت هذه الكلمة صدى في مخيلته، لم يعد يأكل كما كان، لم يعد يلعب كما كان، "من يكون الله ؟ " سأل طه، ظل هذا السؤال يؤرقه ويعذبه، ما علاقة الله بالثعبان ولماذا صرخت ميلودة ؟ أ يكون لله دخل في ذلك ؟ في الليل الموحش، كان المطر يهطل، تحت البيت القزديري، كان يتقلب في فراشه، لاحت أمامه جنة من عنب، كان يأكل دون يشبع، كان هناك جوع ماحق ينخره، على أعلى الدالية لاحت أفعى تتناول العنب، كانت تضحك بسخرية وتهكم، نظر إليها بذهول والجوع ينخره، وبينما هو ينظر إليها جاءت امرأة و أخذته من يده بقوة، ورغم ذلك ظل يلتفت إلى الأفعى، حتى غابت في الأفق، اكتسحت ذاكرته موجة من الضباب، ما إن مرت لحظات حتى وجد نفسه وسط صحراء يخترقها وادي يتلوى كالثعبان، في عتمة الظلام استيقظ مذعورا صائحا : " أمي ي ي " .

عبد الله عنتار، 29 أبريل 2017/ الدار البيضاء - المغرب







اخر الافلام

.. مكرم محمد أحمد في عزاء محفوظ عبد الرحمن: المسرح خسر ومصر خسر


.. موسم سينمائي نشط في عيد الأضحى


.. إضاءة الشموع في باريس رثاء لروح الفنانة فدوى سليمان




.. لقاء خاص مع الفنان لويس فونسي أثناء زيارته لمصر والحديث عن أ


.. لقاء الممثلة الكورية Park Shin Hye على العربية - الجزء الثان