الحوار المتمدن - موبايل



الله في فكر عمر الخيام 15/ 25

داود سلمان الكعبي

2017 / 5 / 11
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


الفناء بين الفلسفة والتصوف العرفاني
يقول الخيام:
سرى بجسمي الغضَّ ماء الفناء
وسار في روحي لهيب الشــقاء
وهمتُ مثلَ الريــــــحَ حتى ذرَت
تُرابَ جسمي عاصفات القضاء
يتطرق الخيام، هنا، الى موضوع الفناء، وهذا الموضوع كبير جدا وفيه مباحث طويلة، خاض في بحرها المتلاطم الامواج العديد من الفلاسفة والمتكلمين والباحثين، قديما وحديثاً، وربما اشُبع؛ لكن ثمة قضايا اخرى وكلام يجب أن يضاف الى ما سطره اولئك المعنيون، نشير اليه في هذا المبحث ونحن نبحث عن الله في فكر الخيام.
اولاً: ما هو الفناء؟:
الفناء لغة: هو نقيض البقاء، والعقل فنى يفنى. يقال فنى الشيء فناء وتفانوا أي: أفنى بعضهم بعضا في الحرب، وتفانى القوم مثلا أفنى بعضهم بعضا، وفنى يفنى فناءً هرم وأشرف على الموت هرما. (الموسوعة الحرة).
و"أما في مصطلح أهل العرفان فیعني استغراق العبد بالحق تعالى بنحو کأنّ كيان العبد یتلاشى في ربوبية الحق. وقد قسم السالكون طریق الوصول إلى الحق الى عدة منازل و مراحل، و قد عدوا الفناء بمثابة نهایة السیر باتجاه الخالق سبحانه وتعالى. فالعطار مثلاً یرى وجود سبعة منازل فی هذا الطريق: الطلب، العشق، المعرفة، الاستغناء، التوحید الحيرة والفناء. وأما عند أهل الذوق فهناك عدة کیفیات: الأول فناء الظاهر وهو فناء الأفعال، الثاني: فناء الباطن وهو فناء الصفات، وثالثاً فناء الذات. وقد قالوا: إن الذی یفنى یکتب له البقاء فی محل الأحدیة".
قال الشاعر:
كتب الفناء على الخلائق ربنا * * وهو المليك وملكه لا ينفد
وقال:
إنما الدنيا فناء - ليس للدنيا ثـبـوت
إنما الدنيا كبيت - نسجته العنكبوت
و لقد يكفيك منها - أيها الطالب قوت
و لعمري عن قليل - كل من فيها يموت‏
(ديوان الإمام علي ص 116) .
ابو العتاهية:
إِنَّ الفَناءَ مِنَ البَقاءِ قَريبُ *** إِنَّ الزَمانَ إِذا رَمى لَمُصيبُ
إِنَّ الزَمانَ لِأَهلِهِ لَمُؤَدَّبٌ ****لَو كانَ يَنفَعُ فيهِمُ التَأديبُ
ثانياً: أخلاق الفناء
وأخلاق "الفناء" مثل أخلاق "السعادة" من حيث غايتها وطابعها الفردي. والفرق بينهما ان السعادة طريقها الى الارتفاع على سلم المعرفة العقلية، بينما تنبني اخلاق "الفناء" على مدى الرقي بالنفس... أخلاق "الفناء" هي أخلاق التصوف. والتصوف بوصفه تجربة روحية تقوم على "تطهير النفس" - وليس على المعرفة - له نظام من القيم خاص به يشكل "الفناء" القيمة الأسمى فيه. ونظام القيم عند المتصوفة بهذا المعنى "مقامات وأحوال". أما المقامات فهي آداب السلوك وأنواع الرياضات التي يمارسها المتصوف على طريق تصفية نفسه وتطهيرها، مثل مقام التوبة ومقام الزهد ومقام الورع الخ... اما الاحوال فهي جملة الحالات النفسية الوجدانية التي يعيشها المتصوف دون اختيار أو اكتساب، وهي تتفاضل بترقي السالك في طريقه الى ان يبلغ حال الوصال، أو المكاشفة، أو الفناء.(محمد عابد الجابري، صحيفة الحياة)
ثالثاً: الفناء لدى المتصوفة
والفناء لدى المتصوفة يأخذ منحى آخر غير المنحى الذي هو لدى اهل اللغة والمتكلمون وربما ايضا الفلاسفة المسلمين، امثال الفارابي وابن سينا وابن رشد وابن سبعين وسواهم.
وهنا نأخذ نموذجا واحدا من المتصوفة، الا وهو ابن عربي والذي يعتبر امام المتصوفة وشيخهم الكبير، وكل من جاء من بعده انما غرف من بحره، واخذ من معينه.
يذهب (اسين بلاثيوس) بقوله: "والفناء، شأن كل الكرامات، ليس ثمرة ضرورية ونتيجة لازمة عن اعداد الشخص، بل يؤكد ابن عربي مرارا أن كل الظواهر الامتثالية والانفعالية التي تصحب او تسبق الفناء تتميز بالمفاجأة في الظهور، وهذا دليل بيّن على أن النفس ليس لها دور في نشأته، بل هو فضل وموهبة من الله يمنحها كما يشاء ولمن يشاء. ومن هنا فأن الفناء يمكن أن يقع للصوفية غير الكمل، كما يقع للكمل، وهم الواصلون الى الاتحاد بالله، لكن مع فارق وهو أنه من الاولين بتم مع او بدون اعداد سابق، وفي الاخيرين، وهم الكمل، يسبقه عادة اعداد وتمهيد وتحضير". (اسين بلاثيوس، ابن عربي، حياته ومذهبه، ص 222-223 ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي، منشورات وكالة المطبوعات في الكويت).
فلنفحص الآن عن العملية النفسية للفناء، على ضوء الاوصاف التي يقدمها ابن عربي على نحو مشتت.
ان التحديد التدريجي لميدان الشعور بالعام الخارجي، الذي يعوض عنه الزيادة في الشعور بالعالم الباطن، هو المميز الرئيسي في ظاهرة الفناء: تركز وحشد النشاط الذهني على فكرة واحدة، هي الله ، باستبعاد كل فكرة او صورة او خاطر يتعلق بالمخلوقات، من شأنه أن يستبعد من الافق الشعوري حضور كل هذه الكائنات المخلوقة.
ابن عربي يميز ستة انواع او درجات متوالية من هذه العملية الخاصة باللاشعور التي تميز الفناء:
الدرجة الاولى: يفقد العبد الشعور بالأفعال الانسانية، الخاصة به وبغيره، بأن يراها آثارا لله الذي هو علتها الوحيدة.
الدرجة الثانية: يفقد الشعور بمكانته وقواه وصفاته، ويراها مكانا لله، وأن كان لايزال محتفظا بالشعور بوجوده الفردي، كشخص ينكشف فيه الله، بواسطة مكانته: فالله، لا العبد هو الذي يبصر ويسمع ويفكر ويرغب من خلال ملكات هذا العبد.
الدرجة الثالثة: يزول شعور العبد بشخصيته وتستغرق النفس في مشاهدة الله والامور الالهية: فالعبد يفقد الشعور بأنه هو الذي يشاهد.
الدرجة الرابعة: لا يفطن الى أن الله هو من يشاهده الى ابعاد كل ما سواه عن النفس. وحتى هذه اللحظة لا يكون العبد قد فقد الشعور بالعالم الخارجي، لأن المخلوقات كانت في نظره آثارا وتجليات لله.
الدرجة الخامسة: يمتد التجريد الى كل العناصر الذاتية والموضوعية، الباطنية والخارجية، لشعوره، فالله يشاهد بوصفه مجردا من كل علاقة للعبد بالعالم، أي بوصفه ليس هو كماله.
الدرجة السادسة: يتضاءل مجال الشعور اكثر: فتزول الصفات الالهية، ويتجلى الله للعبد في مشاهدته، بوصفه الموجود المطلق، الذي ليس له علاقات ولا صفات ولا اسماء. (المصدر السابق، كذلك الفتوحات ج1ص 675).
ولهذا يخاطب احدهم الله بقوله:
يا علة الأشياء جمعًا والذي ** كانت به عن فيضه المتفجّر
ربّ السموات الطباق ومركز ** في وسطهن من الثرى والأبحر
إني دعوتك مستجيرًا مذنبًا ** * فاغفر خطيئة مذنب ومقصر
هذب بفيض منك رب كل من ** كدر الطبيعة والعناصر عنصري
وهو عين ما اشار اليه الخيام من قبل في رباعيته المتقدمة.







اخر الافلام

.. وأخيرا فعلتها ميلانيا ترامب!


.. الناتو .. على خط المواجهة مع داعش


.. ما وراء التحقيقات البريطانية والتسريبات الأميركية




.. إيران .. رسائل تصعيد لمن يهمه الأمر


.. صور لنجمات تنشرها صحف أوروبية على أنها لأخت إرهابي مانشستر