الحوار المتمدن - موبايل



الله في فكر عمر الخيام 17/ 25

داود سلمان الكعبي

2017 / 5 / 15
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


*مبدأ الشفاعة
يقول الخيام:
إن لم أكن اخلصـــت فى طاعتك
فإنني أطـمــع فى رحمــــــــــتك
وانمــــــــــا يشـــــفـــــع لي إنني
قد عـــــشت لا أشرك فى وحدتك
*ايضاح:
في هذه الرباعية، يناجي الخيام الله تعالى، اذ يقول: انه لو كنت مقصرا في خلوص طاعتك، من عبادة وتقرب وزلفى، وكان هذا التقصير، اما مقصودا، واما غير مقصود، يعني بسبب جهلي بك او بأسباب اخرى دنيوية، فمع هذا وذاك، فأن لدي طمع يراودني، وسيظل كذلك، وهو رحمتك التي اتسعت السموات والارض، واكيد أن هذه الرحمة ستشملني، فأفوز برضاك عني لأكون بقربك وعنايتك. وعلاوة على ذلك: قد افنيت عمر وانا لم اشرك في توحيدك، لأن الشرك ظلم عظيم، بل ولا فكرت يوما من الايام أن اشرك، وانت تعلم ذلك، لأنك تعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور.
وهذه تعُد اعلى مرتبة من مراتب التجلي، والشعور بالغبطة تجاه معبودا خالقا تفيض مغفرته ورحمته لعباده على الدوام، بحيث يعفو عنهم مهما بدر منهم من عصيان بسبب جهلهم بحقيقة الله تعالى، يعني القنوط واليأس. وهذا ما يؤكده، بل ويداوم عليه المتصوفة.
يقول النفري: " يا عبد إني جعلت لك في كل شيء مقام معرفة وإني جعلت لك في مقام كل معرفة مقام تعلق لتكون بي لا بالمقامات ولتكون عني لا عن النهايات، إني اصطفيتك عن البدايات فأجريتك عنها إلى النهايات ثم اصطفيتك عن النهايات فرحلتك عنها إلى الزيادات ثم اصطفيتك عن الزيادات فرحلتك عنها إلي، فالبدايات علمك ونهاياتها عملك والزيادات علم وجدك عندي أتعرف إليه بما أشاء وألقى إليه ما أشاء وأنا إليك أنظر لا إلى البدايات ولا إلى النهايات ولا إلى الزيادات ولا إلى الشيء هو بينك وبيني إذ لا بين بيني وبينك، أنا أقرب إليك من كل شيء فلا بين وأنا أقرب إليك منك فلا أحاطة لك بي، أنت حد نفسك وأنت حجاب نفسك كيف كنت وكيف تعرفت إليك وأنت منظري فلا الستور المسدلة بيني وبينك وأنت جليسي لا الحدود بينك وبيني".
فالتوبة الى الله تعالى والطمع في رحمته هي بحد ذاتها عبادة، بحسب آراء المتصوفة، ويقول الحسين بن منصور الحلاج:
إلى كم أنت في بحر الخطايا*** تبارز من يــراك ولا تراه
وَسمْتُك سمْتُ ذي ورع ودين*** وفِعْلُك فِعْــــلُ مُتَّبــع هَواه
فيا من باتَ يخلو بالمعاصي*** وعيـــــــــنُ الله شاهدة تراه
أتطمع أن تنال العفو ممن*** عصيت وأنت لم تطلب رضاه
وتفرح بالذنوب وبالخطايا ***وتنســـــــــــــاه ولا أحد سواه
فتُب قبل الممات وقبل يومٍ ***يـــــلاقي العبد ما كسبت يداه
*ما هي الشفاعة:
الشفاعة هي:" السؤال في التجاوز عن الذنوب" (الجرجاني، التعريفات ص 56). وفي (لسان العرب مادة شفع): شفع: الشفع: خلاف الوتر، وهو الزوج. تقول: كان وترا فشفعته شفعا. وشفع الوتر من العدد شفعا : صيره زوجاً.
وقال الراغب في مفرداته: "شفع: الشفع ضم الشيء الى مثله، ويقال للمشفوع: شفع. والشفاعة: الانضمام الى آخر ناصراً له وسائلاً عنه، واكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة الى من هو أدنى".
وقال الخليل: "والشافع: الطالب لغيره، وتقول استشفعت بفلان فشفع لي إليه فشفّعه في والاسم الشفاعة واسم الطالب الشفيع" (العين ص 485). وقال الطبري: " والشفاعة مصدر من قول الرجل: شفع لي فلان إلى فلان شفاعة وهو طلبه إليه في قضاء حاجته، وإنما قيل للشفيع شفيع وشافع لأنه ثنى المستشفع به، فصار له شفْعا، فكان ذو الحاجة قبل استشفاعه به في حاجته فردا فصار صاحبه له فيها شافعا، وطلبه فيه وفي حاجته شفاعة، ولذلك سمي الشفيع في الدار وفي الأرض شفيعا لمصير البائع به شفعا ". (تفسير الطبري، المجلد الأول ، ج1 ص 381).
وبعد أن عرفنا المعنى اللغوي لعبارة الشفاعة، ربما يسئنا سائل: ما حقيقة الشفاعة:
1-الشفاعة عند اهل السنة
اهل السنة يقرون بوجود الشفاعة، ويرون أن النبي يشفع لأناس حتى يدخلون الجنة، ويستدلون بآيات من القرآن، وباحاديث كثيرة عن النبي. يقول ابن تيمية: " أن الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ثبوتها قد تواترت على أنه يخرج أقوام من النار بعدما دخلوها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في أقوام دخلوا النار، وهذه الأحاديث حجة على الوعيدية الذين يقولون: من دخلها من أهل التوحيد لم بخرج منها". (مجموع الفتاوى 7/486)
ويقول ايضا في موضع آخر: "قد ثبت بالنصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم إخراج قوم من النار بعد ما امتحشوا، وثبت أيضا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من العصاة، والآثار بذلك متواترة عند أهل العلم بالحديث أعظم من تواتر الآثار بنصاب السرقة ورجم الزاني المحصن ونصب الزكاة ووجوب الشفعة وميراث الجدة وأمثال ذلك". (منهاج السنة النبوية 6/204).
ويقول ابن قدامة المقدسي: "ويشفع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر فيخرجون بشفاعته بعد ما احترقوا وصاروا فحما وحمما فيدخلون الجنة بشفاعته, ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات, قال تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون) ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين". (لمعة الاعتقاد، عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي 1/134).
ويقول أبو حنيفة: "شفاعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حق، وشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم للمؤمنين المذنبين، ولأهل الكبائر منهم المستوجبين للعقاب حق ثابت". (الفقه الأكبر/أبو حنيفة ص 41).
2-الشفاعة عند الشيعة
واما الشيعة فترى أن النبي سيشفع الى امته عند الله، وكذلك الأئمة الاثني عشر ستشفعون للمذنبين العصاة من الشيعة، فيدخل كل محبيهم الجنة، وستغفر ذنوبهم.
وبهذا المضمون يروون أن الامام علي قال: " إنّ للجنة ثمانية أبواب باب يدخل منه النبيون والصديقون، وباب يدخل منه الشهداء والصالحون، وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبّونا فلم أزل واقفاً على الصراط أدعو وأقول: ربّ سلّم شيعتي ومحبّي وأنصاري ومن تولاّني في دار الدنيا فإذا النداء من بطنان العرش: قد أُجيبت دعوتك وشفّعت في شيعتك، ويشفع كل رجل من شيعتي ومن تولاّني ونصرني وحارب من حاربني بفعل أو قول في سبعين ألفاً من جيرانه وأقربائه، وباب يدخل منه سائر المسلمين ممّن يشهد أن لا إله إلاّ الله ولم يكن في قلبه مقدار ذرّة من بغضنا أهل البيت". (بحار الأنوار: 8/39 نقلا عن أمالي الصدوق: 39)، (وادخل الى مركز الابحاث العقائدية).
وعن الامام علي ايضاً قال: " سمعت النبي يقول: إذا حشر الناس يوم القيامة ناداني مناد: يا رسول الله إنّ الله جلّ اسمه قد أمكنك من مجازاة محبيك ومحبّي أهل بيتك الموالين لهم فيك والمعادين لهم فيك فكافهم بما شئت فأقول: يا ربّ الجنة فأبوئهم منها حيث شئت، فذلك المقام المحمود الذي وعدت به". (بحار الأنوار: 8/39 ـ 40 نقلا عن أمالي الصدوق: 187).
و" قال محمد بن علي الباقر عليهما السلام: إنّ أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع لثلاثين إنساناً، فعند ذلك يقول أهل النار: فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم". (الكافي: 8/101).
3-رأي المعتزلة في الشفاعة
واما موقف المعتزلة من الشفاعة، فمختلف جدا، حيث ينكرون شفاعة النبي للعصاة من أمته، من كون أهل الكبائر لا يخرجون من النار بعد دخلوها, ويقصرون الشفاعة على التائبين من أمة النبي دون الفساق, ويكون ذلك برفع درجاتهم في الجنة لا غير.
يقول القاضي عبد الجبار الهمذاني- أحد كبار مشايخ المعتزلة - في بيان رأي المعتزلة في الشفاعة: "لا خلاف بين الأمة في أنَّ شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ثابتة للأمة، وإنما الخلاف في أنها تثبت لمن؟ ثم قال: فعندنا أن الشفاعة للتائبين من المؤمنين". (شرح الأصول الخمسة 690).
ويذكر الشهرستاني وهو يتحدث عن عقيدة المعتزلة في الشفاعة" اعتقادهم بمسألة الوعيد, وخلاصتها أن آيات الوعيد تتناول الفساق من المسلمين كما تتناول الكفرة, وأن المؤمن إذا خرج من الدنيا بكبيرة من الكبائر دون أن يتوب منها فإنه يستحق الخلود في النار، لكن عقابه يكون أخف من عقاب الكافر. (عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل، 1/45).
*خلاصة
اما ما هو مذهب عمر الخيام، فلم اجد أي مصدر تاريخي يحدد مذهبه؛ لكن الذي استشفيناه: ان الخيام كان يؤمن بالشفاعة، وعليه فقد ذكر الشفاعة في هذه الرباعية، ولولا أنه لم يؤمن بها لما قالها بصريح العبارة.







اخر الافلام

.. الليلة | الإعاقة لا تلغي الطاقة.. مقولة تختصر إرادة إسلام مد


.. سوريا.. واشنطن وموسكو تستبعدان الحل العسكري


.. بث مباشر.. وصول الحريري الى بيروت




.. جولة جديدة للحوار الفلسطيني في القاهرة


.. القمة الثلاثية في سوتشي.. ومستقبل سوريا