الحوار المتمدن - موبايل



الله في فكر عمر الخيام 19/ 25

داود سلمان الكعبي

2017 / 5 / 18
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


ادلة الفلاسفة على وجود الله
يقول الخيام:
الله يــــــــدري كلُ ما تضمر
يعلم ما تخفـــــــي وما تظهر
وأنْ خدعت الناس لم تستطعْ
خداع من يُطوى ومن ينشر
*ايضاح المعنى
يخاطب الخيام بعضهم: بأن الله عليم ويملك اليقينية، بذاتها وكمالها، ويعلم بكل ما يفعله البشر من عمل، قبيح كان هذا العمل، أم حسن، كذلك أنه يدري حتى بما يضمره الانسان في قلبه من فعل يهم به. فالفعل "أضمرَ يُضمر، إضمارًا، فهو مُضمِر، والمفعول مُضمَر– للمتعدِّي".
كذلك فأن الله يعلم الامور الخافية فضلا عن الامور الظاهرة؛ ويريد الخيام أن يوعضنا وأن يحذرنا من مغبة افعال امور غير حسنة قد نندم عليها فيما بعد؛ لأن هذه الافعال، أن كانت خافية عن الناس، فأنها على الله غير خافية، وقد عبر القرآن: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}. كون الانسان الذي يخفي فعل ما في صدره، ولا يريد الناس أن تعلمه، فأن الله يعلم به علم اليقين.
وليس هذا فحسب، فأنك ايها الانسان أن كان بمنظورك وبمقدرتك تستطيع خداع الناس، فأن الذي يُنشر من افعالك، الحسنة والسيئة، والذي يصل الى انظار ومسامع الناس، سيكون شاهد عدل على ما فعلت، فأن كان خيرا ستجلك الناس وتقدرك، وان كان فعلك قبيحا، فسيكون دليلا عن قباحتك وسوء خلقك؛ فعلى الانسان العاقل اللبيب أن يختار الفعل الحسن الذي يرضي الناس ويرضي النفس السليمة، وبالتالي فان هذا العمل سُيخلد بقدر منفعته للناس، وهذه هي حكمة عظيمة يقدمها لنا الخيام، وقاعدة من قواعد حسن الخلق.
وطالما أن الخيام بدء رباعيته بلفظ الجلالة "الله" فأكيد أنه قد حصلت لديه براهين على وجود الله، وهذه الرباعية تنفي عنه كل الاتهامات، والاقوال التي رمته بالزندقة.
*براهين وجود الله
للفلاسفة والمتكلمين وارباب الصناعة العديد من البراهين التي اثبتوا فيها وجود خالق للكون ومدبر وهو: الله. فمنهم من شرح ذلك مفصلا ومنهم من اختصر، وكلٌ بحسب فلسفته وعلمه. وهذه نماذج.
1-ادلة الكندي
لم يكن الكندي قد يُخصِّص لنا رسالة بعينها أو مبحثاً محدداً يعرض لنا فيه أدلته على وجود الله، بل نراه يتناول دراسة هذه القضية في كثير من رسائله. ونذكر منها على سبيل المثال،" رسالته في وحدانية الله وتناهي جرم الكون"، ورسالته " الإبانة عن العلة الفاعلة القريبة للكون والفساد". فالكندي يستدل على وجود الله بالاستناد إلى فكرة الغائية والعناية الإلهية. يقول الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة: " إنَّ الكندي يردد في كثير من رسائله تأكيد القول بعظم القدرة الإلهية وسعة الحكمة وفيض الجود وكمال العناية بكل شيء وجعل بعض الأشياء أسباباً وعللاً للبعض الآخر".
وإذا رجعنا على سبيل المثال إلى رسالته في " الإبانة عن العلة الفاعلة القريبة للكون والفساد "، نراه يذهب إلى أن نظم هذا العالم وترتيبه، وتسخير بعضه لبعض، وإتقان هيئته، لأعظم دلالة على أتقن تدبير وعلى أحكم حكمة. وهذا التدبير وهذه الحكمة تدل عند الكندي على وجود مدبّر حكيم.
ويمكن القول أنَّ الكندي يحاول الربط بين الظواهر العلوية والظواهر الأرضية، ويصل من ذلك إلى إثبات وجود الله، فإنّ ذلك يتضح من خلال الكثير من الأمثلة والشواهد التي يضربها لنا الكندي كأمثلة للعناية الإلهية والغائية سواء في العالم العلوي، أو العالم السفلي.
وثمة برهان آخر من أدلة الكندي على وجود الله. فإذا رجعنا إلى رسالته في حدود الأشياء، نجده يشير إلى دليل على وجود الله يعتمد على فكرة المشابهة أو التمثيل بين عمل النفس بالنسبة للبدن، وبين الله بالنسبة للكون أو العالم كله. يعني ذلك بأن النظام في الجسم الإنساني، إذا كان يدل على وجود قوة خفية غير مرئية، وهي النفس التي تُسيّر الجسم، فإن التدبير في الكون يدل على وجود مدبر له. ومعنى هذا أننا إذا كنا نستدل على وجود النفس التي لا ترى، بوجود تنظيم في شيء مرئي وهو الجسم الإنساني، فإننا نستدل أيضاً على وجود خالق للكون لا يرى، من وجود التدبير في هذا العالم المرئي. يقول الكندي: إنَّ العالم المرئي لا يمكن أن يكون تدبيره إلا بعالم لا يرى، والعالم الذي لا يرى، لا يمكن أن يكون معلوماً إلا بما يوجد في هذا العالم من التدبير والآثار الدالة عليه.
ثم يُسوِّق لنا دليلاً على وجود الله تعالى يعتمد على فكرة المقارنة بين عمل النفس في البدن، وعمل الله في الكون. أي أن وجود النظام في الكون يدل على وجود منظم له وهو الله، تماماً كما تدل أفعال البدن على وجود نفس له، تُدبِّرُه وتُسيِّرُه. دليل ثالث من أدلة الكندي على وجود الله. فهو يلاحظ أنّ هذا العالم سواء ما كان منه سماوياً أو أرضياً، يُعدُّ مركبا وتعتريه الكثرة والتغيّر. ولكن هذه الأشياء تُعدُّ – فيما يرى الكندي – أشياء عارضة في هذا العالم، أي ليست جوهرية أساسية له، ومن هنا لابد أنَّ نرجعها إلى علة واحدة، ليست داخل هذا العالم، بل هي خارجة عن العالم. وهذه العلة هي الذات الإلهية، الواحدة غير المتكثرة. (راجع المصدر:
http://shabab-raieq.yoo7.com/t287-topic ).
2-ادلة الفارابي وابن سينا
لجأ الفارابي وابن سينا في الاستدلال على وجود الله الى تقسيم العالم: واجب وممكن، ثم الاستدلال بالممكن على الواجب، من حيث حدوده بعد أن لم يكن، ومن حيث ثباته على الامكان، وفي هذا يقول ابن سينا ضمن فصل (في اثبات واجب الوجود): "لا شك أن هنا وجودا، وكل وجود: فأما واجب، واما ممكن، فاذا كان واجبا فقد صح وجود الواجب، وهو المطلوب، وان كان ممكنا فانا نوضح أن الممكن ينتهي وجوده الى واجب الوجود".
ثم يقول: "ما حقه في نفسه الامكان فليس يصير موجودا من ذاته، فانه ليس وجوده من ذاته اولى من عدمه، من حيث هو ممكن، فان صار احدهما اولى، فلحضور شيء او غيبته، فوجود كل ممكن هو من عين غيره".
ويسعى كل من الفارابي وابن سينا تقسيم الوجود الى: واجب الوجود وممكن الوجود، تقسيما عقليا منطقيا، وفي هذا يقول الفارابي: " الموجودات على ضربين: أحدهما إذا اعتبرنا ذاته لم يجب وجوده، وهو يسمى ممكن الوجود، والثاني إذا اعتبرنا ذاته، وجب وجوده، وهو يسمى واجب الوجود، وهو الله. فإذا فرضنا أن ممكن الوجود غير موجود، لم يلزم عن ذلك محال، فإذا وجد فلا غنى لوجوده عن علّة، ولا يجوز أن تمر العلل بلا نهاية، بل لابد أن تنتهي إلى شيء واجب الوجود وهو الله. وهذا الدليل يمكن ن نسميه: دليل الإمكان.
ويعرف ابن سينا واجب الوجود وممكن الوجود بقوله: " ان الموجودات على ضربين احدهما: اذا اعتبر ذاته لم يجب وجوده، ويسمى الممكن الوجود، والثاني: اذا اعتبر ذاته وجب وجوده، ويسمى واجب الوجود، واذا كان ممكن الوجود اذا فرضناه غير موجود لم يلزم منه بحال، ولا غنى بوجوده عن علمه، واذا وجب صار واجب الوجود بغيره، فيلزم من هذا انه كان مما لزم ممكن الوجود بذاته، واجب الوجود بغيره". (عبد الكريم نوفان عبيدات، مجلة جامعة دمشق، المجلد التاسع عشر، العدد الاول: 2003).
*ادلة اخرى
وثمة براهين اخرى تثبت وجود خالق للكون وهو الله، غير هذه التي ذكرناها، وقد اوجزها الدكتور صبري محمد خليل- أستاذ فلسفه القيم الاسلامية بجامعة الخرطوم وهي موجودة على موقعه الرسمي:
الدليل الأنطولوجي: وقال به ديكارت يعرف أيضا بالبرهان السبي، ويعتمد على مبدأ أنه: إذا وجد أي شيء فلابد من وجود شيء آخر هو سببه بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وقد وجد ديكارت من بين أفكاره الفطرية فكرة الكائن الكامل اللامتناهي، التي لا يمكن أن يكون هو سببها لأنه شاك فهو ناقص، إذ أن الشك ينطوي على النقص، ولما كان ما هو ناقص لا يمكن أن يكون سبباً لما هو كامل، فمن المحال أن نحصل على فكرة الكمال اللامتناهي من تراكم أفكار أشياء متناهية، لأن المتناهيات لا يمكن أن تؤدي إلى لا متناهي. وأخيراً لما كان الوجود الموضوعي الصوري للفكرة لا يمكن أن ينشأ من قبل كائن موجود بالقوة حسب، بل من قبل كائن له وجود صوري وفعلي أيضاً، فإنه ينبغي أن نستنتج أن سبب فكرة الكمال اللامتناهي هو كائن كامل لا متناهي بالفعل وهو الله. فالله باعتباره الكائن الكامل اللامتناهي موجود ضرورة.
الدليل الشخصي: وهو دليل مأخوذ من دليل السابق، مؤداه أنه موجود غير تام الكمال، ناقص، وهو بالتالي ليس الكائن الوحيد في الوجود، إذ لابد لوجوده من علة، والعلة لابد أن تكون مكافئة على الأقل للمعلول إن لم تكن أكثر منه فضلاً وكيفاً، وديكارت لو كان علة وجود نفسه، لكان يستطيع أن يحصل من نفسه لنفسه على كل ما يعرف أنه ينقصه من الكمالات، لأن الكمال ليس إلا محمولاً من محمولات الوجود، والذي يستطيع أن يهب الوجود يستطيع أن يهب الكمال. وإذن تكون علة وجوده ذاتاً لها كل ما يتصور من الكمالات وهذه هي ذات الله تعالى.
الدليل الهندسي: وقال به ديكارت أيضا ومضمونه انه كما أن فكرتنا عن المثلث تستتبع أن تكون زواياه الداخلية مساوية لقائمتين ( 180 درجة )، كذلك فإن فكرتنا عن الله باعتباره كائناً كاملاً متناهياً تستلزم وجوده بالضرورة. وعليه فإذا كان من التناقض أن نقول أن الزوايا الداخلية للمثلث لا تساوي قائمتين، فمن التناقض كذلك أن نقول أن الله غير موجود، لأن الوجود متضمن في ماهية الله على نحو ما تكون مساواة الزوايا الداخلية للمثلث لقائمتين متضمنة في تعريف المثلث.
الدليل الأخلاقي : وقد وضعه كانط الذى يرى استحالة البرهنة نظريا على وجود الله، ولكن يمكن البرهنة على وجوده من ناحية أخلاقية، إذ يرى أن للإنسان شعور فطرى بالعدالة، والعدالة تقتضى أن يثاب المحسن ويعاقب المسيْ، ولكن في الحياة نجد أن هناك محسن لا يثاب ومسىْ لا يعاقب، لذا لابد من وجود يوم آخر يعاقب فيه هذا المسيء ويثاب فيه هذا المحسن، ولابد من وجود اله يوجد هذا اليوم ويحاسب فيه الناس ويحقق العدالة.
*ادلة المتكلمين:
وللمتكلمين واصحاب المذاهب دليلهم بوجود الله، ومنهم أبو الحسن الأشعري الذي يقول: "إن الإنسان إذا فكر في خلقه من أي شيء ابتدأ، وكيف دار في أطوار الخلقة طوراً بعد طور، حتى وصل إلى كمال الخلقة، وعرف يقيناً أنه بذاته لم يكن ليدبر خلقته، وينقله من درجة إلى درجة، ويرقيه من نقص إلى كمال، علم بالضرورة، أن له صانعاَ قادراً عالماً مريداً، إذ لا يتصور حدوث هذه الأفعال المحكمة من طبع، لظهور آثار الاختيار في الفطرة، وتبين آثار الإحكام والإتقان في الخلقة، فله تعالى صفات دلت أفعاله عليها لا يمكن جحدها". الشهرستاني، الملل والنحل جـ 1 ص94 طبعة دار الاتحاد العربي للطباعة سنة 1387 هـ - 1968 م الناشر مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع – القاهرة).
ومنهم الامام جعفر بن محمد المعروف بالصادق، وقد سأله احد اصحابه على دليل وجود الله، وهو المفضل بن عمر، فكان جوابه: « يا مفضل اوّل العبر والأدلّة على الباري جل قدسه تهيّئه هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على ما هي عليه، فانّك إذا تأمّلت العالم بفكرك وميّزته بعقلك وجدته كالبيت المبنى المعد فيه جميع ما يحتاج إليه عباده فالسماء مرفوعة كالسقف والأرض ممدودة كالبساط والنجوم منضودة، كالمصابيح والجواهر مخزونة كالذخائر وكل شيء فيها لشأنه معدّ والإنسان كالملك ذلك البيت والمحول إليه جميع ما فيه وضروب النبات مهيأة لمآربه وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه؛ ففي هذا دلالة واضحه على انّ العالم مخلوق بتقدير وحكمة ونظام وعلامة وانّ الخالق له واحد وهو الذي ألّفه ونظّمه بعضاً إلى بعض جلّ قدسه وتعالى جده وكرّم وجهه ولا إله غيره تعالى عمّا يقول الجاحدون ... ». (المجلسي، بحار الأنوار ج 3 / ص 57 ).
ومنهم ابن تيمية الذي يشير الى أن أَحسن استدلال وأوضحه على وجود الله تعالى، هو الاستدلال بخلق الإنسان نفسه، كما كرره القرآن، إذ هو الدليل وهو المستدل {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} الذاريات آية 21. ثم بما يحدثه الله في هذا العالم من آثار. (ابن تيمية الفتاوى جـ 16 ص 262 الطبعة الأولى سنة 1382 هـ مطابع الرياض).
وهناك ادلة كثيرة للفلاسفة والمتكلمين، الا اننا اعرضنا عن ذكرها تجنبا للإطالة وخوف الملل، ومن اراد المزيد فعليه بمراجعة ذلك في كتب الفلاسفة والمتكلمين.











اخر الافلام

.. أخبار خاصة | لقاء الشركاء السنوي لشركة #ميلانو


.. أخبار خاصة | من قصص نجاحات #الشباب السوري في بلدان اللجوء


.. أخبار عربية | رغم الهدنة.. مقتل 8 مدنيين بينهم أطفال بغارات




.. مرآة الصحافة 25/7/2017


.. روسيا تنشر مراكز مراقبة جنوبي سوريا وصولا إلى الجولان المحتل