الحوار المتمدن - موبايل



مشروع قانون حرية الرأي والتعبير تقيد للمطلق وإطلاق للمقيد دستوريا

عباس علي العلي

2017 / 5 / 19
حقوق الانسان


مشروع قانون حرية الرأي والتعبير تقيد للمطلق وإطلاق للمقيد دستوريا


الحقوقات والحريات تنقسم من حيث طبيعتها الدستورية والقانونية إلى مجموعتين من حيث أساسيتها أو تكوينها الطبيعي، هناك الحريات والحقوق الأساسية للإنسان لمجرد أنه عضو في المجموعة الإنسانية ولا يمكن حتى مناقشة أن تشرع ضمن قانون محلي، فهي نتاج توافق إنساني جمعي للبشرية في إطارها العالمي، وهناك حقوق وحريات يتكفل القانون بتحديدها وتشريعا طبقا للنظام السياسي والأجتماعي السائد في المجموعة البشرية، الأولى تنقسم أيضا إلى حقوق وحريات طبيعية منها حق الحياة وحق التعلم وحق الأعتقاد وما ورد عموما في لائحة حقوق الإنسان التي أوردتها اللائحة الأممية الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1948، الثانية منها الحقوق الأساسية الطبيعية التي لا بد أن تتوافر لمجرد أعترافنا أو تعاطينا معها على أنها ملزمة ومشرعنة بقبولنا بنظام سياسي مبني مثلا على الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة عن طريق الأنتخاب وما يلزم للإيمان به.
القانون عموما في كل المجتمعات ملزم أولا بتطبيق حد أدنى من التساوي بين أفراد المجتمع للأستفادة من قواعده الحامية للحقوق التي يقرها الدستور بأعتبارها الأطار القانوني الأكبر والمتضمن كامل الرؤية العقدية السياسية والقانونية للمجتمع، فلا يجوز مثلا أن يتدخل القانون لتحديد نوع الحقوق والحريات الواردة في الدستور والتي يعتبرها من الأساسيات بحجة التنظيم، إلا إذا أقر الدستور أن هذه الحقوق والحريات قابلة للتغيير طبقا لإرادة السلطة التشريعية وبذلك يناقض الدستور نفسه، ويعطي فرصة للتلاعب بالعقد الأجتماعي الذي أفرز الدستور وأنتجه، فمثلا نجد أن دستور 2005 يصرح بقطعية وجزم أن مبادئه الأساسية تقوم على ما يلي (المادة (2):اولاً :ـ ....أ ـ ..... ب ـ لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع مبادئ الديمقراطية....ج ـ لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية الواردة في هذا الدستور).
عند البحث في مواد الدستور التي أشارت لها الفقرتين ب، ج نجد أن هذه الحقوق والحريات منصوص عليها تحديدا في الباب الثاني منه (الحقوق والحريات الأساسية)، والتي بينت بشكل واضح وجلي هذه الحقوق والحريات بما يضمن بناء ديمقراطي تعددي قائم على أحترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، حيث أكدت المادة 15 من الباب الثاني الفصل الأول منه أن هذه الحريات لا يمكن تجاوزها أو التعدي عليها أو الحد منها إلا بقرار قضائي، هذا يعني أن المنع أو الحد هو قضية فردية تخص فرد أو أفراد محددين على وجه التخصيص نتيجة ممارسة القضاء سلطته تجاه من يخالف أو يتعدى على الحقوق أو يستغلها بشكل مخالف أو معارض لمجموع الحريات والحقوق الأساسية للكل من أفراد المجتمع، وبالتالي فليس من حق أي سلطة تشريعية أو قانونية وحتى القضائية أن تصدر قانون أو تشريع يتصف بالعمومية والتجرد من أن تحد من هذه الحقوق أو تؤطرها بتشريع مخالف للدستور.
في موضوع مقترح مشروع قانون حرية الرأي والتعبير المنظور أمام السلطة التشريعية الآن لا بد لنا أن نعود إلى أحكام المادة 38 من الدستور والتي خصت بنفسها هذا الموضوع، حينما نصت على ما يلي (المادة (38):تكفل الدولة، بما لا يخل بالنظام العام والآداب:اولاً :ـ حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل.
ثانياً :ـ حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر.
ثالثاً :ـ حرية الاجتماع والتظاهر السلمي، وتنظم بقانون.
نلاحظ من مضمون الفقرة (أولا وثالثا) التي أعطت السلطة التشريعية حق تنظيم هذه الحرية بقانون قد مهدت قبل ذلك بشرط أساسي في مقدمة المادة (بما لا يخل بالنظام العام والأداب) بمعنى أن هذا التدخل يجب أن يحمي النظام العام والأداب أولا وليس تحديد هذا الحق والتدخل في تطيره خارج الموضوعين، فمثلا لا يمنح الدستور هذا الحق وجوهرة لمن يريد الإخلال بالنظام العام الذي قدر الدستور أنه نظام ديمقراطي تعددي يحترم حقوق الإنسان أولا، وهذا ما أشارت له المادة (46) بصورة خاصة حين نصت (لا يكون تقييد ممارسة أيٍ من الحقوق والحريات الواردة في هذا الدستور أو تحديدها الا بقانون أو بناءً عليه، على ان لا يمس ذلك التحديد والتقييد جوهر الحق أو الحرية).
هذه النظرة التكاملية بين حق الرأي والتعبير وأرتباطه بالنظام العام من جهة وحق السلطة التشريعية بتأطير هذا الحق بقانون أو على قانون مشروطا فيه أن لا يتخلى عن جوهر هذه الحقوق أو الحريات، تعني أن يد السلطة التشريعية مقيدة به ولا يمكن تجاوز أو تفسير أو تحديد هذه الحقوق خارج الدستور والنظام الديمقراطي العام، وظيفة القانون الذي سيشرع ليس منح هذه الحقوق بل هدفه الأول والأساسي حماية الحق وصيانته من أن ينتهك بخلاف شرطي النظام العام والأداب، النقطة المثيرة في مشروع القانون المقدم الآن ينتهك بشكل علني وفاضح هذه الحقوق وجوهرها وينتهك النظام العام بالنقاط التالية:
• أولا تركيزه فقط على قضية الدين والمذهب بشكل مطاطي ومبهم وأعتبار أن أي مس أو الأعتقاد بأنه مس أو أستهانة أو تحريض على عقائد مجموعة دينية ما والأستهانة بها يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون، وهذا المبدأ أساسا هو مبدأ دستوري وارد في متنه بالمادة (2) ثانيا_ (يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما ويضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية، كالمسيحيين، والايزديين، والصابئة المندائيين.).
• ثانيا أعطى الحق لكل من يعتقد أنه صاحب مذهب أو طائفة دينية ما وبدون معيار قياسي أو مرجعية ما أن يدع حصول مس وأستهانة بما يؤمن ويعتقد به أو برموزه، وهذا الإطلاق مخل بالمبادي الأساسية للدستور والقانون حيث أوجب القواعد القانونية والفقهية والقضائية أن يكون هناك حق واضح وجلي وغير مبهم كشرط أساسي للمطالبة به، فمن المعروف وكما نصت المادة (14) على أن (العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييزٍ بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي.)، هذا التنوع الديني والمذهبي لا يمكن تجاوزه أو حتى حصره بالتسليم بأن إبداء الرأي أو الأعتراض أو المناقشة بين العراقيين من مختلف الأديان والمذاهب يعتبر مسا ومساسا بالعقيدة والرموز، وهذا يشكل نوعا من أنواع قم الحريات العامة والفردية خاصة إذا كانت في أطار فكري وثقافي أو فني، مشروع القانون المزمع يتدخل لمنح كل من يدع أن الرأي الفلاني أو التعبير الفلاني يمثل مسا وأستهزاء أو تعدي، وبالتالي يمنح بعض الأفراد حقا فوق حقوق الأخرين تحت مسمى تنظيم حرية الرأي والتعبير عن الأفكار.
• كان من الأجدر بالذي قدم مشروع القرار أن يجعل موضوع التعدي على حقوق الجماعات الدينية أو المذهبية أو طقوسها ورموزها أن يحدد بدلا من ذلك بما يعرف (بالعقيدة الفردية سواء أكانت فكرية أو سياسية أو عقلية أو فنية أو أدبية بشرط أن لا تشكل تلك العقيدة أو الأفكار أو الرؤى مسا وأنتهاكا للنظام العام والأداب)، حينها سيكون هناك معيار قباسي للإنتهاك وثانيا يحمي جميع العراقيين من هذا التعدي ولا سيما القوى الفكرية والسياسية التي يجري الأستهانة بها والتعدي عليها وحتى تكفيرها من قبل جماعات دينية ومذهبية كالمدنيين والعلمانيين وأصحاب الأفكار الفلسفية التي تؤمن بمبادئ إنسانية ولكنها غير دينية بالضرورة.
إن القراءة العميقة لمشروع القرار المطروح للتشريع يضمن نوايا غير ديمقراطية وتتعارض مع حقوق الإنسان الدستورية أولا ولائحة حقوق الإنسان العالمية، بتركيزها على حماية أشكال من المظاهر الدينية والمذهبية التي بدأت تطفو على سطح الواقع العراقي تمثل خلالا معرفيا ودينيا يراد منه نسف النسق الأجتماعي المدني الديمقراطي وديننة الواقع بوسائل ومظاهر لا صلة لها بالدين أو العقيدة الإسلامية السمحاء، وهي تتعدى بشكل سافر ومبرمج ومقصود من جهات طائفية على حقوق الأخرين بحجة أن القانون والدستور يحمي هذه الشعائر دون النظر مثلا إلى أحكام المادة الدستورية (17) (اولاً :ـ لكل فردٍ الحق في الخصوصية الشخصية، بما لا يتنافى مع حقوق الآخرين، والآداب العامة .)، فلا يجوز مثلا ممارسة حق لفرد عراقي على حساب أنتهاك يتنافى مع حق شخص أخر أو تعريضه للأضطهاد بحجة ممارسة طقسية أو شعائر دينية ما، العدل والعدالة والدستور يقتضي التوازن بين الحقوق والواجبات ورعاية هذا التوازن وحمايته هي مهمة القانون الذي تشرعه السلطة التشريعية لتأمين أطار جامع للحقوق والحريات الأساسية، وليس فرض إرادة مجموعة أو فئة على حساب المجتمع والنظام العام.







اخر الافلام

.. معركة تلعفر.. وحرب النازحين الجدد


.. مجلس الأمة الكويتي يبحث السماح بالتحاق البدون بالجيش


.. العلاقات الأميركية-المصرية تصطدم بحائط الحريّات وحقوق الإنسا




.. العلاقات الأميركية-المصرية تصطدم بحائط الحريّات وحقوق الإنسا


.. مأساة النازحين السوريين تبلغ مستوى خطيرا